13‏/9‏/2010

بحر الأماني

آخر صوت سمعه هو صوت أخته نورا .. تصبح على خير يا محمد .. ومن ثم أطفئت النور وأغلقت الباب , وبعدها غط في نوم عميق .. صحى من نومه كما يصحو بقية البشر , صحى ولم يدري هل نام طويلا أم قليلا أو هل الدنيا ليل أم نهار , كل تلك  الامور لم تعد مفهومة لديه لأنه لم يجد نفسه كالمعتاد في غرفته , لم يدري هل ما يحدث واقع أم حلم.

وجد نفسه على سريره ويطفو على الماء في وسط بحر واسع مليء بالضباب لا يعرف فيه الشرق من الغرب, الضباب الكثيف حجب الرؤية بالكامل , لم يعرف أين هو ولم هو هنا .. وجد على سريره ثلاث أقلام ومجداف , أمسك بالمجداف وأخذ يجدف ويسير في البحر دون وجهة محددة .. سار نحو الساعتين في البحر المظلم دون أن يجد مخرج , واصل السير ساعة اضافية حتى رأى أعداد هائلة من الزجاجات الطافية على الماء وكل زجاجة تحمل بداخلها رسالة  , أمسك احداها واخرج الرسالة وقرأ : أتمنى أن أتزوج من شاب وسيم .. أتنمى أن أحصل على نقود كثيرة .. أتمنى أن أصبح أجمل امرأة في العالم .. وفي نهاية الرسالة مكتوب .. ابحث عن زجاجتك واكتب امنياتك .. أعاد الرسالة بداخل الزجاجة والقاها في الماء , التقط زجاجة أخرى وقرأ ما بداخلها .. أتمنى أن أحصل على أموال كثيرة .. أتمنى أن تنتهي مشاكلي الاجتماعية .. أتمنى أن أصبح مدير شركة .. وفي نهايتها مكتوب .. ابحث عن زجاجتك واكتب امنياتك .. التقط زجاجة ثالثة ورابعة وخامسة .. وألف زجاجة , لكن كل الزجاجات تحتوي على امنيات متشابهة , أين زجاجته اذن؟ . 

بحث طويلا وسار كثيرا دون أن يدري أين زجاجته .. مر أسبوع وهو داخل هذا البحر العجيب , والغريب في الأمر أن النهار لم يزول طيلة الأسبوع ومع نهايته تحركت الشمس في السماء وغابت وجاء الليل , شعر بالنعاس الشديد فنام على سريره الطافي على الماء .. انقضى الليل بسرعة لم يتوقعها .. في الصباح وجد البحر خاليا من الزجاجات الطافية ولم يجد سوى زجاجة واحدة , فأخذها بلهفة قوية وفتحها , فقرأ : أنت المتمني رقم 5000000 والأخير , أكتب أمنياتك الثلاث وكل أمنية بقلم مختلف , واحذر عند الكتابة في اختيار الأمنية المناسبة لك , لأنك لن تتمكن من العودة هنا  ثانية أبدا. 



أعاد الرسالة في الزجاجة ووضعها على السرير وأخذ يفكر في الأمنيات المناسبة .. مرت ساعات طويلة وهو شارد الذهن ويفكر بالامنيات , في ذهنه مئات الأمنيات ولكن ماذا يختار , فكر طويلا .. أمسك بالزجاجة وأخرج الرسالة وكتب بالقلم الأول : أتمنى أن أرى العالم سعيد وخالي من المشاكل .. وفي القلم الثاني أتمنى أن أذهب الى ذلك العالم .. وفي القلم الثالث أتمنى أن أرى أمي و أبي في ذلك العالم .. ومن ثم أغلق الزجاجة وألقاها في البحر , ولم يكد يفعل ذلك حتى عاد الى غرفته في بيته وعلى سريره , نظر الى الساعة فوجدها 11 مساءا , لم يمض على غيابه سوى ثلاث ساعات فقط .
في الليلة التالية في نفس الوقت الحادية عشر مساءا نهض من نومه فجأة , فوجد في غرفته مركبة صغيرة الحجم وبجانبها زجاجة تحتوي على رسالة , أخرج الرسالة وقرأ : أدخل في هذه المركبة وستتحقق امنياتك كلها .. أسرع الى المركبة ودخل فيها , وفورا وجد نفسه في مكان جميل جدا , اراد النزول ولكن المركبة لم تفتح , وجد زجاجة امامه وقلم  , قرأ ما فيها : هل تفضل أن تبقى في هذا العالم للأبد أم تود العودة الى عالمك السابق , اجب بنعم أو لا .. فكر طويلا واختار ..لا.. لأنه لن يترك أخته في ذلك العالم وحيدة تواجه مشاق ومتاعب الحياة لوحدها .. 
فتحت المركبة وخرج الى العالم الجميل الذي تمناه , أبنيه جميلة ورائعة , نظافة متناهية , رائحة عبقة , وكل السكان يبتسمون في وجهه , السماء مضيئة بدون شمس , الجو ليس حارا ولا بارد , حتى الدنيا ليست نهار ولا ليل , كل شيء يباع بالمجان , لا وجود للنفايات في هذا العالم حتى زجاجة العصير صنعت لتؤكل , لا وجود للكره ولا للغضب , فقط الابتسامه هي المشهد العام لذلك العالم , سار في شارع واسع وحيد وكان مريح للمشي .. سار كثيرا دون أن يشعر بالتعب حتى وجد نفسه عند نهاية الشارع وكانت نهايته تقف عند حافة بحر أزرق شفاف .. نظر من بعيد فرأى جزيرة صغيرة منتصبه وسط ذلك البحر وتنمو عليها شجرة عملاقة جدا لم يرى لها مثيل , لكن هل يعود أدراجه أم يذهب سباحة لتلك الجزيرة الرائعة .. قرر ان يذهب اليها , مد قدمه في الماء لكنه وجد أن الماء سطحه صلب وبامكانه السير عليه , سار مسرعا فوقه حتى وصل للجزيرة .. نظر الى جذع تلك الشجرة الضخمة واندهش من عظمها , بينما هو مندهش سمع صوت يناديه باسمه وهذا الصوت مألوف لديه , أنه صوت والديه , اقترب أكثر من الشجرة فوجدهما جالسان تحتها , اسرع نحوهما وارتمى في احضانهما .. لماذا رحلتم وتركتمونا انا واختى وحيدين , عودا الينا .. لا نستطيع يا بني ابدا , هل تستطيع أنت أن تبقى هنا دائما ولما لم تجلب اختك نورا معك  .. للأسف لا فقد اخترت .. لا .. أمي ان أختي وحيدة ولم أشأ أن أتركها كذلك , سأبقى عندكم فترة وسأعود .. جلس معهم طويلا وتبادلوا الحديث عن أحوال عالم كل منهما , فوجد أن عالمهم يختلف اختلافا كليا عن عالمه , شعر بشيء يخبره أن عليه العودة الآن .. نهض وقال لوالديه : لقد حان موعد عودتي ساشتاق لكما .. حاول البكاء لكنه لم يستطع لأن ذلك العالم لا وجود للبكاء فيه .. انتظر يا بني , خذ هذه الزجاجة ولا تفتحها الا عند وصولك للبيت , نظر نظرة أخيرة على والديه وعاد الى البحر ومن ثم الى الشارع ومن ثم الى المركبة الصغيرة , ركب فيها وأغلق الباب وفورا عاد الى سريره كما كان , وقد أصبحت الدنيا , تظاهر بالنوم لكي لا تشك أخته فيه , لم يمضي وقت حتى دخلت عليه لتوقضه للافطار , جلس معها ولم يتناول الطعام , سألته: لم لا تأكل ؟, أجاب : لا أعرف ما أقول ولكن هناك سر أود أن أقوله لك , تعالي الى غرفتي , وناولها الزجاجة وطلب منها أن تقرأ ما بداخلها , فتحتها وقرأت : مرحبا يا أبنائي الأعزاء .. كيف حالكم .. نحن نعيش بسلام لا تقلقوا علينا .. ننتظر قدومكم الينا على أحر من الجمر .. لقد أرسلنا لكم هدية ستعجبكم .. انها في غرفتنا القديمة .. الى اللقاء .. سألته أخته نورا : من أين هذه؟ , أجاب : هي من أبوينا , لا تكن سخيفا ابوينا ماتا منذ زمن , اقسم لك انها من ابوينا ولنرى الهدية لكي تصدقين ,  اسرعا الى الغرفة القديمة فوجدا صندوق صغير وزجاجة , قرأت ما بداخل الزجاجة : هذا صندوق السعادة سيلبي كل ما تتمنوه بالخير لانه لا يعمل للشر , حافظوا عليه .. من هنا بدأت القصة .

6 تعليقات :

المجهول يقول...

صندوق السعادة إن كان موجود فعلا فأنا بإذن الله أول من سيصل إليه .. أعجبتني القصة .. تحية لك .. وشكرا لتشريفك الكريم

المشرف يقول...

أهلا بك أخي الكريم المجهول اتشرف بك دائما.

هديل الحمام يقول...

سلمت أناملكـ أخي

أعجبني الخيال وأسلوب السرد في قصتك

لا أخفيك أني فكرت في ما قد أتمناه

لو أتيحت لي ذآت الفرصه ^_^

أطيب المثنى

المشرف يقول...

أهلا بك أختي هديل يسعدني ويشرفني وجودك.

sahim kamal يقول...

الخيال المرغوب مشكور

ولاء يقول...

السلام عليكم

خيال خصب ...

يسرني أن اقرأ لك فأنا أحب أيضا قراءة القصص الخيالية ..

دمت بحفظ الله .

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017