‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص غريبة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص غريبة. إظهار كافة الرسائل

2‏/2‏/2021

النوّارة


أتنهد من السعي , ربما لا ترى العيون ذلك السعي .. يصيبني بالآلام كلما بحثت عنه , رغم أنه قريب جدا .. ربما يريدك أن تنطفئ لأن نورك لا يعجبه .. لأن نوره أفضل , وأتسائل كيف تزول تلك الآلام فلا يجيب .. يخبرني أنه جميل فقط .. منحني تلك الذاكرة لأعرف فقط أنه جميل ..

وقبل أن أذهب إلى حيث وجب أن أذهب رأيت انعكاسي .. فاكتشفت أنه أنا , هزيل وتعب هدته الآلام الكثيرة.. 

لم كل هذا السعي .. لقد كنت أنا .. فقط أنا ولا شيء آخر ..

هرب كل شيء مني .. عجبت مني عندما وجدتك وأحببتك .. لكن أنت أيضا هربت , وتركتني محدقا في نفسي بعجب ..

إنه الإيمان الأول الذي رأيته .. أنني غريب وسأبق غريب للأبد ..بلا تفاصيل ولا ظل ..

كنت جالس في على سفح جبل صخرى .. أنظر للنافورة التي تخرج الماء منها وينزل نحو الوادي .. إن عقلي يضج بالأسئلة والتفكير  حول ذلك الذي زارني قبل الزمان كله , شيء لم أراه ولم أسمعه ,فقط أوقظني من نومي ومن وقتها أشعر أني غريب .. يومها رأيت انسلاخي ينقسم ويختفي ولا أدري أين ..


لقد أدركني الوقت وأنا أفكر واقترب الليل .. قررت النهوض والعودة ولا أدري أين , لكن جسدي لم يطاوعني على النهوض , كأنه أصابه الشلل ..تشبث بالأرض بقوة .. أصبح ثقيل , لكني لم أشعر بفزع ولا رهبة .. إنها رسالة لكي أنتظر , فهناك ما سيأتي ليجيب على أسئلتي .. إنه القديم الذي جعلني غريب أشعر به دائما كلما حضر ..


توقفت النافورة وتوقف الماء , ولم يأت الليل ولم يذهب النهار .. ولا الشمس تحركت ولا القمر .. وضج الوادي بالإهتزاز خشية من الذي حضر ..


سمعت صوت من لا مكان يقول .. يا مسوجبار يا حبيبي , لقد حضرت .. أرني آلامك لأداويها ..


اقشعر بدني من صوته وتراقصت شفتاي وانعقد لساني وتغرغرت عيناي بالدموع .. ثم صرخت بصوت وبلا صوت ..


يا قديم لم تزورني .. كل آلامي هي بعدك عني .. إنك تعرف وتريدني أن أعرف , لقد جلبتني لهذا الوادي لتخبرني لم عساي أتألم .. إنني أبكي فقط شوقا لك ..


قال لي .. إن انسلاخك الذي هرب منك موجود في الشمس .. ابحث عنه ..


هنا تركتني الأرض وطاوعني جسدي .. وحل الليل , نهضت وعدت إلى غرفتي أفكر حول الشمس .. من هي ومن تكون .. 


سمعت صوته مجددا .. يا مسوجبار يا حبيبي , اقرأ كتابي الذي داخل قلبك .. ستجد الشمس ..


إنه الكتاب العتيق الذي لا ينفك يلتصق بي , عتيق جدا مليء بالرموز والكلام الغير مفهوم , حملته وجلست تحت ضوء خافت أقرأ فيه .. لكن هذه المرة أرى معاني , أرى كلمات , أرى كلام .. منذ سنين لم أرى هذا ..


كلام لا يسعني أن أقوله لكم .. لكن مذكور في فصل من الفصول (سفر الشمس) ما نصه : "وولدت الأرض بذرة جميلة هي سر الجمال كله .. اختارها ذلك الإنسلاخ المفقود وسكن فيها .. كان عام فيه صيف بلا قمر وشمس بلا حجب .. حتى يرى صاحب النور نوره في الظل والعتمة .. وإليها سيهتدي .."


هذا ما كنت أريده .. لأن ألمي له علاج لا أنفك أبحث عنه ..


في الصباح قبل أن يستفيق الصباح , ضببت أغراضي العثة وتركت رسالة لأمي أنني مغادر وربما أعود .. وتركت لها أثر يطمئنها علي ..


سرت بين ضجيج المركبات وخطوات الناس .. لا الأرض تحتويني ولا ما أراه .. كأنني خفيف وشفاف , أدخل من باب وأدخل إلى آخر  حتى انجلى أمامي المطار ولا أدري لأي بلد أنا ذاهب .. لكنني ذاهب لشيء يقودني إليه .. 


جلست بقرب الغيوم أرى الأرض تحتي تتحرك .. أغمضت عيوني لأكلمه .. لكنه بادرني بالكلام ..


يا مسوجبار يا حبيبي .. اسمها نوارة الأيام ..


هنا أراني إياها .. أراني شكلها .. أراني بيتها وأراني كل شيء .. إنني ذاهب في الوجهة الصحيحة ..


إنها فتاه ..


هنا سمعت صوت صراخ واهتزازات .. يبدوا أن الطائرة تسقط ..


سمعت صوته مجددا .. يا مسوجبار يا حبيبي .. سترى ..


أغمضت عيني ولم أجزع .. ليست النهاية هنا ..فأنا لم أبدأ بعد .. وليس كل ذلك البكاء عبثا ..


لم أعد أسمع شيء , صوت مركبات .. عجيب , فتحت عيني إذا أنا وسط شارع .. لا أدري أين ولا كيف .. 


سرت ساعات في كل مكان أبحث عما رأيت .. سألت ورحت وجئت حتى وصلت لبيت قديم .. 


قديم جدا , إنه الذي رأيته .. طرقت الباب , ثم كررت الطرق وكررت .. حتى فتح أحدهم الباب بتثاقل .. رجل عابس الوجه , نظر إلى وقال .. ماذا تريد ؟

ماذا عساي أسأله .. لكني قلت .. هل هذا بيت نوارة الأيام ..


توسعت حدقة عينه وتغيرت ملامح وجهه وقال بصوت جهم ... إنها لم تولد بعد .. 


ثم أغلق الباب في وجهي ..


عدت أدراجي ببطء حتى لمحت شيء خلف نافذة البيت ...


انتابني الذهول والصمت .. إنها هي تنظر إلي .. تبتسم , تنادي علي ..

تقدمت منها ببطيء , كم هي جميلة ..مدهشة .. أعطتني ورقة وقالت .. يا مسوجبار يا حبيبي , ستجدني عندما أولد ..


استفقت على ضوء الشمس في عيني ... إنه الصباح



أمجد ياسين


31‏/12‏/2016

شيلوَه

يبدو الأمر كلحظة عابرة , حين توصلك كائنة غريبة إلى طريق البرية المؤدي بين الغابات إلى بوابة العمر , ستنس الطريق من ذهولك , ثم ستستفيق وهي تغلق الباب عليك بادية بابتسامة وداع أبدي , ستكتشف لاحقا أنهم ضحكوا عليك وخدعوك فالباب لن يفتح مرة أخرى .. إنتهى الأمر

تلك الموسيقى الجذابة ستختف وذلك الإيقاع سيموت .. إنه يوم مصيري ستشعر به بنوبات الفزع وأنت تقف خلف الباب كاشفا مدى الخدعة التي وضعت بها , ستضيع ..

أشعل شعلتك فقد حان وقتك , البس حذائك واتبعنا .. اصمت واتبعنا , لا تسأل حتى ترى النور .. إنه كهف في أديم الأرض أقدم من أبيك آدم , أنصت جيدا ستسمع كل كلمات الرب هنا .. أنت الآن في حضرة أبيك ..

- شيلوَه , تكلم ...
- من تقصد بشيلوَه ؟
- أنت , نعم أنت فلا أحد هنا غيري وغيرك ..
- ولكن اسمي عا ....
- أعرف كل شيء عنك لا تكمل , أنت شيلوَه ... أرني ساقك .... أترى تلك العلامة ؟ رسمتها لك بيدي ..
- انهض يا شيلوَه .. تعالي معي سنذهب لمكان آخر ..
**************
- أترى ذلك الجسد ؟ أليس يشبهك تماما ؟؟
- نعم إنه أنا !! هذا غريب جدا !! ما هذا المكان !!
- ألقوه في النار .. إنه يوم سعدك يا شيلوَه ..
*************
- لقد اتفقت معي أن نتقابل في هذا المطعم صحيح .. تكلمنا على الشبكة البارحة ؟ .. عادل ما بك ؟ صحيح ؟؟!!
- نعم , نعم .. آسف يا سارة كنت أفكر قليلا ..
- هيا اخرج من جو التفكير والغرابة هذا .. امرح قليلا , يبدوا كموعد غرامي أليس كذلك ؟؟ أيعجبك فستاني ؟؟ اخترته لأجلك .. تبدوا أكثر وسامة من الصور التي أرسلتها لي ..
- آه , شكرا على لطفك وأنت ايضا جميلة ..
- عادل ما بك ؟ منذ أن جئنا وأنت شارد الذهن ..
- هل سمعت يوما باسم شيلوَه ؟؟
- ما هذا الإسم الغريب ؟؟ لا لا لم أسمع به ! انهض , تعال نتمشى بالخارج لعلك تصبح على ما يرام ..
****************
- إنه أول لقاء لنا ما بك ! يبدوا انك تخجل من الفتيات ..
- نعم صحيح أنا خجول فأنت جميلة جدا ..
- شكرا هذا لطف منك لقد أحرجتني ..
***************
إنه فصل الشتاء , حيث موسم الصيد يخرج هو ووالده لصيد الأيائل .. ألم يمت والده من قبل ؟ المفترض أنه مات برصاصة انطلقت من بندقية صيد !! إنتبه يا عادل فذلك الأيل هو والدك لا تقتله .. لكن !! صوت الرصاصة أفزع اليمامة في عشها وطارت كل الطيور عن الشجر ... يجر عادل ذلك الأيل ويعود به إلى البيت ويظن والده سيأتي خلفه .. لكنه ما أن فتح الباب وجد في بيته بقرة وقطط وقرود وملابس أمه وإخوته على الأرض ... ألقى الأيل وابتعد إلى الخلف ثم ركض بأقصى قوة مرعوبا .. الغابة عميقة وقد جنح الظلام .. كيف يبدوا العالم في الخارج إذا ؟! كانت الأغصان والشجيرات تعيق سيره حتى وصل إلى منحدر عميق لا يستطيع أن يرى قعره ...

- عادل , أنت هنا ؟
- يا إلهي , لقد أفزعتني سارة .. كيف وصلتي إلى هنا ؟؟
- لا تقلق كنت أشتم ريحك وتبعتك .. لديك رائحة أخاذة ..
- ماذا ..
أخذ يشم نفسه باستغراب ..
- رائحة .. هل أبدوا قذرا ..
- لا تقلق .. هل يعجبك هذا المنحدر ؟؟
- لا إنه مخيف ..
أمسكت بيده ..
- اقترب عادل .. المكان جميل .. اقترب اكثر لا تخف ..
ثم دفعته إلى المنحدر وهوى إلى الظلام .. استغرق وقت طويل وهو ينزل .. وقت طويل جدا ربما سنين .. كم أن هذا المنحدر عميق , على جنباته يرى أناس تقوم الأبقار بضربهم , تقوم برفسهم والسير عليهم ... وهناك من تبتلعهم الأشجار بسيقانها وهناك من يغرق في الوحل ... ثم تحل ظلمة ثم صوت ...
- شيلوَه .. أنت في حضرة أبيك .. قف لقد وصلت إلي .. اقترب من صوتي .. تعال .. تعال .. تعال ..
- أنا لا أراك , أين انت ؟
- قلت لك اتبع صوتي يا شيلوَه .. أنا حيث تريد ..
يسير في الظلمة تائها يتحسس حتى تلمس يداه حائطا رطبا .. ثم يبدأ نور يعم المكان وينجلي كل شيء .. صعق شيلوَة من تلك الجذور اللزجة التي تملأ المكان وتقطر ..
- ما هذا المكان ؟
- إنه مكان أقدم من أبيك آدم .. قلي يا شيلوَه , هل أعجبتك ؟
- من تلك ؟
- سارة , سارة يا شيلوَه هل أعجبتك ..
- نعم إنها جميلة ...
- أنت أعمى يا شيلوَه .. أنت أعمى ولا ترى .. لو نظرت لعيونها ستعلم أنها ليست كما تظن ..
- ما بال عيونها ؟
- ستعود وترى بنفسك ..
****************
- مرحبا عادل , هل كنت بانتظاري ؟ آسفة تأخرت قليلا ..
- لا بأس سارة اجلسي ..
- اشتقت لك .. حقا اشتقت لك .. أنت تكتب اشياء غريبة على صفحتك !! لم هذا التعقيد ؟؟
- لا تشغلي بالك ..
.........................
- عادل ما بك تحدق بي ... عادل أنت بخير ؟؟
- عيونك جميلة يا سارة , هل هي طبيعية أم تضعين عدسات ؟؟
ارتبكت قليلا وتلعثمت ..
- إنها .... إنها حقيقية !!
- لا تبدوا حقيقية يا سارة .. أرني ما لون عيونك , هيا أيتها الشقية أرني ..
- لحظة عادل سأذهب للحمام قليلا وأعود لك ...
- حسنا , أنتم الفتيات دائما تذهبون للحمام ..
***************
- يا سادة يبدوا أنه لا يعرف صحيح ؟
- نعم لا أحد من البشر يعرف ولن يرون .. لا بأس أريه عيونك فلن يرى ..
- حسنا سأعود إليه ..
***************
- تأخرت عليك صحيح ..
- لا لا أبدا ... هيا أرني عيونك ..
- حسنا حسنا لا تستعجل ..
أخذت تزيل العدسات وعادل يحدق بها ...... ثم ..
- كيف ترى عيوني .. ؟؟
يكتم عادل خوفه ورعبه ..
- كم هي جميلة , هل أنت بلهاء لتضعين عدسات ...
*************
- شيلوَه .. استفق , أنت في حضرة أبيك ..
- هل رأيت أم أنك أعمى ؟؟!!
- ماذا تكون تلك ؟؟
- إنها ليست الوحيدة , أرأيت كل أؤلئك الأشخاص الذين في المطعم .. لا أحد منهم من البشر سواك , حتى في مدينتك .. لا أحد من البشر ... أنت أعمى مسكين يا شيلوَه ..

يقف الآن أمام تمثال عملاق قابع وسط الأدغال الكثيفة , لكن الأغلال حول عنقه في يوم المحكمة , لا يستطيع التمييز بين الواقع والخيال .. مخدر وصور كائنات مخيفة تتراقص أمامه ..
- عادل , أنت مسكين .. أعمى , إنه يوم الخلاص , يوم المحكمة ..
- أيتها الخبيثـ .....
- كلهم تآمروا ضدك حتى أبيك .. أنت مسكين ..
- أنت كاذبة , أنتِ مسخ !!

إنه يوم الخلاص تتوقف فيه الفصول والأرض صفراء ... كل الحكاية خدعة , الطنين يشغل البال , إنك هبطت على الكوكب الخطأ , ما كان يجدر بك الهبوط هنا ... حذرتك شيلوَه .. حذرتك شيلوَه , لا يسعني فعل شيء لك الآن , آسف ...

أمجد ياسين



7‏/9‏/2014

عالم آخر

كل يوم يأخذه والده لمكان قاس , أقسى من الصيف .. مكان أشبه بكوكب يلازم الشمس طوال حياته , وإن شكى وبكى لن يذرف الدموع .. أيام طويلة جدا أو بالأحرى لا يمكن قياس مدتها , تشرق مع الشمس ولا تغيب أبدا .. وإن غابت سيكون الصيف قد انتهى ..

نهاية الصيف في عام موحش بالوحدة , بداية المدرسة .. أقسى شيء يمكن أن يحلم به , كل شيء أصفر أصبح يسقط حتى الشمس .. استيقظ عند الصبح يلبس ملابسه القديمة ويجر حقيبته الكبيرة وينطلق , يوم كباقي أيام الدراسة الطويلة ينتهي ويحل الليل ..

يذهب لينام فتغطيه أمه وتطلب منه أن يغفوا ولا يزعج والده .. مع أن الوقت مبكر يحاول أن يغفوا , يلف نفسه بالغطاء بالكامل فيصبح الظلام قاتم في الداخل ..

لحظات فقط وينطلق نور داخل ذلك الظلام الدامس , وتفتح بوابة على عالم آخر .. يقابله ذلك الكائن بوجه متسائل ..

- حسنا , حسنا .. أقسم لك لم أبح لأحد بشيء !!

قال ذلك الكائن ..

- حسنا , أرني يديك ..

مد ذلك الفتى يديه ليحملق ذلك الكائن بهما ...

- امممم , حسنا أنت صادق , أدخل .. أهلا بك ..

كأن الشمس أقرب ما تكون , كأن ضيائها أبهر ما يكون .. أدخل إلى الحماية من العالم فوق .. أرض النغمات والألحان تنير عالم آخر يسعد فيها كل إنسان يريد أن يتحرر , ستبدوا السماء أقرب ما تكون وستبدوا الكواكب تتراقص على الألحان ..

"على جميع الساكنين الجدد التقدم لملك الزمان , ليهبهم الوقت الكافي للرضى عن أنفسهم .. تقدمو الآن .."

تقدم ذلك الفتى رويدا رويدا حتى دنى من ذلك الملك .. سأله الملك ..

- هل أنت إنسان أيها الكائن , كيف دخلت إلى هنا ؟

قال الفتى ..

- أنا إنسان , أعرف كيف أدخل من صغري أيها الملك ..

تبسم له الملك ابتسامة عريضة ونهض من مكانه .. 

- أنت من ساكني الليل إذا , اقترب .. تعال ..

اقترب ذلك الفتى أكثر حتى حس بيد الملك على خده , احساس غريب كشحنة من المشاعر .. شيء دافيء جدا انتزع كل شعور سيء من جذوره .. ثم ابتعدت اليد وعاد الملك ليجلس مكانه ..

- أنت الآن إنسان جديد أيها الكائن .. أعرف ما يفعله والدك بك .. تزرنا منذ زمن , هذه اللحظة فقط تقترب مني .. عليك أن تفهم أنه بمجرد شروق شمس عالمك سيكون هناك شيء ما داخل دماغك لم يكن من قبل .. عبر عن نفسك لمن ترغب , ستجد من يحبك ويقدرك .. كن حقيقي كما اعتدت أن تكون .. حياتك أخف من ريشة عصفور , فلا تتردد في الطيران ..

يختفي كل شيء عندما ترفع أمه الغطاء عن رأسه .. إنه الفجر , نهض مصدوما جدا وانطلق ليصلي ثم عاد للنوم , لكنه لم يقدر أن ينام .. تتردد هذه الكلمة برأسه "حياتك أخف من ريشة عصفور , فلا تتردد في الطيران .." ...

"كيف يحصل هذا , لم يحصل لي هذا من قبل .. شيء غريب , الظلمة قاتمة جدا لكن يمكن الرؤية من خلالها .. يا للوضوح .." , الشمس تدنوا شيئا فشيئا من السماء ويعم نورها كل شيء .. ينطلق ذلك الفتى كالعادة للمدرسة لكن هذه المرة يشعر بشعور مختلف , يشعر أنه شيء آخر .. يجلس وحيدا بعيدا يحملق بلا شيء , يشاهد التلاميذ يلعبون الكرة بحماسة , شعر بقليل من الحزن ثم عاد ليحملق مجددا .. سمع صوت نغمات , كلما لمس شيء تنطلق منه نغمة .. استغرب ووقف وأخذ يسير ثم بدأت الأرض تلحن .. سار وسار ثم مر أمام التلاميذ الذين يلعبون والجميع يصرخ به أن يبتعد لكنه لا يكترث .. شيء جميل , كل شيء يعزف ..

داخل الدرس يوزع الأستاذ أوراق الإمتحانات , يحدق بالورقة مليا فيلاحظ أنه لا يعرف أن يجيب على أي سؤال , فيمسك القلم ويبدأ بوضع نقاط والكثير من النقاط وكل نقطة تصدر نغمة وهو يبتسم عميقا وفرح بهذه المعزوفة النادرة .. ثم يغادر المدرسة مع نهاية اليوم ..

عند المغرب يدخل الوالد غاضبا إلى البيت ويصيح بزوجته .. 

- أين ابنك الحقير ذاك , أقسم لأحطم رأسه

تحاول تهدئته ..

- اهدأ يا رجل ما بك , ماذا جرى ؟ أفهمني ..

أعطاها ورقة الإمتحان المليئة بالنقاط , حاولت الأم تبرير الأمر لكن لم تنجح .. دخل غاضبا وضرب الفتى ضربا عنيفا .. 

إنه وقت البكاء الآن , شيء صامت ودموع تذرف وأزهار تنبت من الدموع .. ما هو الألم ؟ يمكنك أن تجلس على حافة الكون وتبكي ليسمعك العظيم , يمكنك سماع هدير دوران الكون الهائل فتتوقف دموعك .. ساعة البندول تصدر صوتا غريبا تعلن نهاية الزمن فيتوقف الكون عن الدوران , فتعود لتبكي مجددا فيعود الزمن ويعود الكون يدور .. فتدرك حينها أن البكاء والحزن شيئان مقدسان في معبد الحياة .. شيء جديد تغير في دماغك ..

حل الليل وذهب للنوم ودموعه تذرفان .. لف نفسه بالغطاء ودخل إلى ذلك العالم .. قابله ذلك الكائن مستغربا ..

- وجهك سيء , هناك شيء على وجهك .. هل ضربك أحد ؟

هز له الفتى رأسه بحزن ..

كأن شيء طارىء حصل .. ذهب ذلك الكائن وغاب قليلا وعاد ومعه مجموعة أخرى أخذوا يتكلمون بشأن الفتى .. ثم اقتربوا منه وقال أحدهم ..

- غير مسموح أن يتعرض أحد في هذا العالم للأذى , وأنت تعرضت للأذى لهذا لن تدخل اليوم .. يجب أن تشفى أولا .. 

أخذه ذلك الكائن لباب آخر وطلب منه الدخول فدخل , كان عالم جديد آخر لكنه غريب جدا .. كله ظلمة قاتمة ووسط الظلمة تسبح كواكب عديدة جميلة الشكل وهناك طريق مضيئة جدا وسط الظلمة تتصل بكل كوكب , كأنها عملية اختيار .. فانطلق ذلك الفتى يسير بدون وجهة فحط على كوكب صخري خالي سوى من الطيور , لكن فجأة ظهر له كائنات مختلفة تقول أنها جائت لتعالجه .. فجأة لم يعد الفتى يشعر بشيء واختفى كل الشعور من أمامه ..

رحلت روحه بعيدا جدا , وأصبح جسده الصغير خاويا ملقى على ظهر جبل صخري وتلك الكائنات تقوم بأمر ما به .. طالت الفترة حتى بزغ فجر العالم , فجاءت الأم توقظ ابنها .. لكنه لا يستجيب , مرارا وتكرارا لكن الفتى أصبح خاوي تماما .. صرخت بصعقة حتى استفاق زوجها مسرعا ..

- ما بك يا امرأة !!!

عقد لسانها عن الكلام وهي تنوح ..

أمسك بيد الفتى فسقطت من يده , لا نبض ولا نفس وذلك الإزرقاق على وجهه يبدوا جليا .. صعق الأب وأخذ يرجف برهبة شديدة , حمل ابنه للمشفى مسرعا .. لكن أعلن أن الفتى مات مختنقا وتم دفن جثمانه فيما بعد .. 

حزن عميق حل في ذلك البيت البئيس , الوالد يشعر بالذنب ويلوم نفسه والأم تورمت عيناها من البكاء .. "يا ليتني لم أضربه .." 

تلك الكائنات كانت مشغولة على رأس ذلك الجبل الصخري بمعالجة الفتى .. مر وقت طويل وشرقت الشمس كثيرا ودار الكون طويلا والبندول يتراقص باضطراب .. 

بعد سبع سنين نزلت تلك الكائنات عن الجبل الصخري تحمل نعش فيه جسد إنسان , سارت حتى وصلت عند بوابة عالم آخر عند ذلك الكائن , ثم سلموه النعش فأدخله للداخل ووضعه عند ملك الزمان .. فأخذ يحدق فيه ..

"لا تسلبوا طفولته منه , دعوا وجهه .. "

ثم حدث نور كبير ثم شرقت شمس العالم عند الفجر , على الطريق كانت السماء فوقه تبرق نجوما ووجه في السماء يبتسم له باستمرار .. وصل مسرعا لبيته ثم طرق الباب ..

فتح الأب الباب فصعق , جحظت عيناه كثيرا ثم صرخ ..

- يا امرأة , تعالي وانظري , بحق السماء تعالي ..

صعقت هي الأخرى وبكت ..

- انه ابننا , القدر أعاده لنا .. انظر إنه جميل .. كبير ..

أخذت تتحسس وجهه بينما الأب يتمتم مرعوبا ..

- مستحيل !!

 أنا إنسان جديد الآن .. حياتي أخف من ريشة عصفور , فلم أكن لأتردد في الطيران ..

لم تتوقف السماء عن البريق , ولم يتوقف هو عن الحزن حتى يستمر الكون في الدوران , وما زال يزور ذلك العالم لكنه لم يفكر بالطيران مجددا ..



أمجد ياسين

12‏/11‏/2013

روح في الزقاق

"أحمد الله أني ولدت لأشهد الكثير من المغامرات وإلا كنت قد فوتّها" , في أحد مخيمات اللجوء يرقد ما يقرب من مليون شخص بهدوء , وجوه شاحبة وبطون فارغة وعلى قارعة الطرقات تجد أكوام من النفايات وبرك من المجاري ومساكن الحشرات , حتى لو نظرت إلى السماء فلن تراها جيدا , هناك الكثير من تلك العوالق . لم تعد هناك دول ولا أقاليم , تحول العالم إلى مستعمرات تختلط فيها الجنسيات والثقافات والأديان بشكل فوضوي .. في النهاية تشكلت هناك عزلة تامة وهدوء تام .. طوابير من الخلق تنتظر المعونات , أغلبهم يملكون رؤوس صلعاء مليئة بالبثور .. يهرشون أجسادهم بشكل جنوني , موبوءون .. لا يكترثون لشيء أبدا , فقط يريدون الطعام , هؤلاء القوم كانوا في يوم أطباء ومهندسين وعلماء وأرباب بيوت .. كانت لديهم حياة , كانت ..
إنها جزء من الحقيقة تكتب من بين الروائح الخانقة في زمن اختفت فيه كل المشاعر وحتى مفهوم الإنسانية .

أنا واحد منهم , أعيش كما يعيشون في بيئة موبوءة مليئة بالجراد , بيئة مجردة لن تسمح لك باسترجاع الماضي ولا حتى بناء الحاضر والمستقبل هو جنون وهراء , قلبي أصبح يابس من شدة جفاء المشاعر .. أكتب هذه المذكرات لمن ما زال إنسانا .

تركت قبعتي على الطاولة ثم انطلقت عبر زقاق ضيق , يمكنك أن تجد فيه كل أنواع الرهبة والسوء .. لن تشعر بالإيجابية فيه ولن تتوقع أن يهطل المطر فيه ولا أن ترى شمسا برتقالية فيه , ستبكي بدون دموع فيه وستلقى جفاءا قاتلا فيه .. إنها رحلة أو بالأحرى مغامرة عزمت على خوضها منطلقا ن بين الطحالب والعناكب والجرذان وملائكة الموت .. خط مستقيم ليس فيه اعوجاج , أثناء مسيري صادفت سيدة قادمة عبر الزقاق باتجاهي , لم يجدر بها أن تأتي نحوي لأنه يجدر بي العودة لأفسح لها الطريق .. وقفت وجهها في وجهي , كانت خانعة ويائسة وبائسة وفقيرة للغاية , كانت أشبه بشيء ميت , لم تكن تتحرك ولم تكن تنظر لي .. أردت أن أكلمها فسألت ..

- ما وجهتك يا سيدتي ؟

لكنها لم تجب .. لمحتها تمسك بقوة ببطاقة معونات , كانت صراع مع الحياة , عجلة تحترق بالماء .. شيء غير معقول . لم أشأ أن أزعجها فعدت طريقي لأجعلها تمر .. سرت للحظات حتى اختفى وقعها من خلفي , التفت فوجدها قد عادت أدراجها .. احترت في أمرها فدرت لأكمل طريقي عبر الزقاق , أثناء مسيري صادفت عودتها مجددا باتجاهي وكان يتبعها شيء ما .. عندما وصلت توقفت أمامي بدون حراك ولا كلام .. لم اقدر أن أسألها عما تريد لأنني لمحت خلفها فتى شديد الحسن بشكل لم اشهد مثله في حياتي , كل شيء فيه جيد إلا ثيابه .. سألتها ..

- هل هذا ابنك ؟!

لكنها لم تجب فقلت ..

- حسنا , سأفسح لك الطريق , ها أنا عائد ..

عدت أدراجي مرة أخرى أسير بترقب وكل طاقتي مركزة في أذني , لقد عادت الكرة مرة أخرى حيث اختفى وقعها من خلفي ورأيتها تعود هي والفتى .. جن جنوني فحاولت الركض خلفها لأسألها لكن الزقاق لم يسمح لي وهي كانت سريعة بشكل كبير .. أسرعت خطاي حتى أنهي من ذلك الموقف وأنهي من ذلك الزقاق .. بدى هنا نور في النهاية فعرفت أني وصلت , عند المخرج وجدتها تقف هي والفتى .. قلت لها  بحرقة ..

- أرجوك , ماذا تريدين ؟ تكلمي معي أو على الأقل أظهري بعض الإيماءات .

لكنها لم تكترث ولم تحرك ساكنا .. حتى فجأة انطلق داخل القاق تاركة الفتى خلفها وأنا أقف بحيرة أحدق فيها وفي الفتى حتى توارت عن الأنظار , أردت أن أتابع المسير في تلك المنطقة حتى لمحت بطاقتها على الأرض , التقطتها وأخذت أصرخ عليها ..

"هي , سيدتي لقد أوقعت بطاقتك .. يا .." لكن لا شيء حدث , اختفت بسرعة وتركتني في حيرة وذلك الفتى ينظر إلي بشكل غريب .. حاولت أن أعطي البطاقة لذلك الفتى لعله يلحق بها لكنه رفض وقال ..

- هذه ليست بطاقة مؤن , إنها من أجل السينما ..

تبسمت منه وقلت ..

- سينما , أتقصد سينما كما في الماضي ؟؟

قال ..

- نعم , هل تريد أن تراها ؟

قلت ..

- نعم ..

أخذني معه عبر ذلك الحي إلى السينما كما يقول , لم يخبرني من يكون ولمن ينتمي وكيف تكون هنا .. كان صامتا للغاية .. 
أدخلني إلى غرفة كبيرة فيها جدران عالية ملئة بالثقوب والعناكب .. أشار إلى الحائط وقال ..

- هذه هي السينما .. اجلس !

لم يكن المكان يوحي بأنه سينما , فقط فوضى والكثير من الأوساخ .. الفتى جلس على الأرض فحذوت حذوه لأني أردت أن أعرف ما يريد حقا .. طلب مني أن أحدق إلى الجدران ..

عندها بدأ يتمت بأصوات متناغمة ..

"تخيل .. تخيل .. إنه مكان تخيل . إنس ما تراه وتخيل .. تعمق واسترسل" 

ثم بدأ يضم نفسه وأنا أحدق فيه بدهشة , فجأة تغير واقع الحال .. اكتسح المكان نمط جديد , جميل , شعور جميل , ألوان جميلة , روائح جميلة , صور جميلة .. اختفى كل شيء عايشته في تلك الغرفة وتبدل .. لم يكن الفتى ليفلت نفسه حتى فجأة قال لي ..

- من هنا جئت , من هنا تكونت .. تلك السيدة كانت تتخيل ..

بدى وجهه مشرقا للغاية فأشار إلى يدي ففتحتها فأخذ البطاقة وطلب مني أن أنظر من خلالها .. من خلالها رأيت كل شيء , ذكريات وخيالات فاض بها دماغي وأغرق من حولي , أحلام تدور حولي .. زوجتي وأبنائي , حياة جميلة وأرياف وعصافير .. كل شيء لم يكن لأصدقه لولا أني رأيته .. شعرت بأن الوقت كان طويل ..

فجأة انتهى كل شيء وعدت أرى الجدران المثقوبة والفوضى .. قال لي الصبي أن أنهض وذهبنا خارجا , وجدت هناك كل شيء تخيلته ورأيته .. كان عليّ أن أعود بها إلى المخيم ثم إلى المستعمرات ثم للعالم .. الصبي أمامي يفسح لي الطريق .. الزقاق الذي عهدته أصبح اوسع وأجمل شيء رأيته وأنا أتسائل ..

- هل هذا سيغير كل شيء  ؟!

قال لي أنه على الجميع أن يتخيل . في المخيم وجدت السيدة قد ماتت على الطريق , كل السكان يهيمون على وجوههم ناحية المعونات , لم يكن شيء ليغير .. لكن الفتى أخبرني أن أنتظر الغد ..


أمجد ياسين

8‏/9‏/2013

الإنسان الخامس

ذلك الغشاء الجلدي الذي يحيط بذلك الجسد , يسجنه داخل كوخ وردي .. كان ينتظر وصوت قلبه .. دق , دق , دق , في تلك اللحظة فصل الحبل الغريب واندثر الصراخ في الكون , يحمله بين يديه راكضا إلى البيت ليخبر أمه أن المولود ولد .. اختبر ذلك الشعور الذي يرويه كل رجل , يحمل ذلك الكائن المتجسد بين يديه يحدق فيه مرارا وتكرار ويشمه ويتلمس يديه ووجهه .. لكن قصفة رعد كبيرة أفاقته من بين يديه , كان طفل غريب , فتح عينيه من أول ساعة .. كان لديه بؤبؤ كبير أسود ويتحرك , كان بإمكانه مد يديه الصغيرتين ليمسك اصبع والده , بانت ضحكته الغريبة وبانت له أسنان .. أصيب الوالد بدهشة فحمله إلى أمه ..

- عزيزتي , هل هذا شيء طبيعي ؟؟!

حملته الأم التعبة بين ذراعيها تقبله قائلة بدون اكتراث .. 

- إنه مميز عزيزي , انظر كم هو جميل !

بعد شرود طويل قال .. نعم , نعم عزيزتي , إنه مذهل ..

الآن عليه أن يعايش ذلك العصر بعد أن كان يصارع ذلك السجن , وصرخته لم تصل بعد إلى مجرة "اللحن" , إنه عام سبق كل الأعوام .. إنه معجزة لو علم به الكهنة في ذلك الدير لأخذوه إلى سراديبهم المظلمة ..

خلال أسبوع فقط أصبح ذلك المولود فتى كأن عمره خمسة سنوات , ووالده يداري نفسه أن ما يحصل شيء طبيعي وكذلك أمه لا تبالي بالأمر .. أخفى الوالد الأمر عن أي إنسان وكذلك أحرق شهادة ميلاده , كان يدرك أن أمرا غير طبيعيا في ذلك الولد , خطب ما يحصل ..

كان على والده أن يسجله في المدرسة , شيء لا يصدق كيف يحصل ذلك النمو السريع .. أخذه ماسكا بيده إلى المدرسة , فطلبوا منه شهادة ميلاد الفتى .. كانت هنا المعضلة , لذا تدبر الأب الأمر بأن وكل لأحد معارفه أن يزوّر للفتى شهادة ميلاد تظهره بعمر الخمس سنوات تحت ذرائع عدة , فكانت له وتم تسجيل الفتى في المدرسة في الصف الأول من العام الدراسي 1998..

عام جديد خشي فيه الوالد أن يظهر فيه الفتى على غير عمره الطبيعي , ستحصل صدمة وسط كل المجتمع .. لكن ما كان غير متوقع أن الفتى حافظ على حجمه وعمره لفترة تعدت السبعة أشهر دون أن يتغير ودون أن ينمو ..

أول يوم في المدرسة تمكن الفتى الذي أطلق عليه اسم (إيثان) من العثور على صديق , تمكن من جذب اهتمامه وبدأ علاقته بقطعة حلوى .. كان يبدي اهتماما كبيرا بذلك الطفل الصديق , يساعده في دروسه ويدافع عنه ويعطيه من ماله ولا يعود إلى البيت حتى يتأكد أن يوصله إلى بيته بأمان , وكان ينتظر يوم الغد ليراه مجددا .. وكان يكثر من زياراته له ..

بدى (إيثان) في تلك الفترة ليس كأي طفل عادي , لديه لسان فصيح ومعلومات لم يعرف من أين حصل عليها , كان يميل إلى الصمت والوحدة ولا يقبل من أحد التقرب منه سوى صديقه ذلك , وكثيرا ما يُستدعى والده أو والدته إلى المدرسة بسبب تصرفاته الغريبة .. في ذات مرة رأت المعلمة (إيثان) يتصفح صحيفة وعندما اقتربت منه بدت الصحيفة قديمة جدا تعود لعام 1938 , كان (إيثان) يتصفح مقال يقول أن (هتلر) يهدد بحرب شاملة , اقتربت المعلمة من (إيثان) متسائلة من أين له تلك الصحيفة القديمة ... لكنه لم يكترث لها بل سألها إن كانت فعلا ستندلع حرب قريبا .. لكن المعلمة طمأنته أن تلك الصحيفة موغلة في القدم وأن تلك الأخبار حدثت وانتهت ..

دائما كان والده يخبره أن عليه أن يكون عاقلا ويكف عن التصرف بغرابة ..  في ذات يوم تغيرت تصرفات (إيثان) فجأة فلم يعد يقول أبي أو أمي بل أصبح ينادي على كل منهما بإسمه فقط وبدأت عيناه تظهران ذلك البريق الغريب .. في ذات يوم لمحه والده يبدل ملابسه فرأى شيئا غريبا فيه .. جسده ليس كجسد أي شخص , إنه غريب ولا يمكن وصفه بأي شكل .. من يومها أدرك الوالد بأن هواجسه اتجاه ابنه قد أصبحت جلية وأصبح يشعر بالخوف والقلق الدائمين ..

يوما ما اختفى الفتى (إيثان) بعد أن أخبر صديقه الصغير عن سر طلب ألا يبوح به .. قال له أن مهمته انتهت وعليه أن يعود , وعندما سأله الطفل إلى أين ؟ .. قال له .. تعال معي وسترى , واختفى ذلك الطفل أيضا من يومها ولم يعثر أحدا لهما على أثر .. وانتقلت القصة الحضرية إلى عالم موغل في القدم سيعايشه صديقه معه , ليس كما يتخيله أي شخص وليس كما يذكر في الروايات ..

في قبيلة بدائية جدا تدعى "شكا شكا" يقف ذلك الصديق خلف خيمة مذهولا ومصدوما ينتظر شيء ما .. كان بإمكانه سماع صوت امرأة تصرخ بقوة وكأنها تتألم , ثم فجأة يخرج الجميع من الخيمة متهللين بولادة صبي صغير جدا , بدى جميل جدا .. لكن ما أثار استغراب ذلك الطفل أن أهل تلك القبيلة قدموا الطفل له وطلبوا منه أن يحمله .. فحمله بين ذراعيه متعجبا مما يحصل معه .. فجأة يستفيق ذلك الطفل بين ذراعيه فاتحا عينيه الواسعتين ومظهرا ملامح كبيرة .. فجأة تكلم قائلا .. مرحبا , مما دفع الصديق الصغير لإلقائه من يده مرعوبا وصارخا فتجمع حوله أفراد القبيلة يهدؤوا من روعه .. فجأة وقف الطفل المولود على قدميه ينفظ غبار الأرض عنه .. ثم نمى حتى أصبح بعمر الخمس سنوات أمام ناظر الجميع .. الطفل الصديق يحدق إلى ذلك الجسد يتشكل وينمو بسرعة غريبة خلال دقائق من ولادته .. صاح به ..

- أنا (إيثان) .. تعال لا تخف .. !!


أخذ يقترب خطوات وهو يرى أفراد القبيلة يعطوه دفعة ويشجعوه , استغرب لم لم يتسائل أحدهم عما حصل للتو .. عزم على الذهاب مع (إيثان) الجديد ليريه السر ومع الوقت اعتاد على تلك الغرابة التي تلف ذلك العالم الغريب والقديم .. 

ذهب (إيثان) بذلك الطفل الصديق إلى كهف قديم وواسع مليء بالهوابط والنوازل .. سار به في زقاقات متعددة الأحجام والأطوال حتى وصل إلى الفتحة التي يجب على من يريد دخولها أن يزحف على بطنه .. وبعد قليل من الغبار وصل به إلى قاعة دائرية في منتصفها وعاء كبير مصنوع من حجر من السماء البعيدة , ثم جثى (إيثان) على ركبتيه وطلب من الطفل الصديق أن يفعل مثله .. ثم جلس في وضعية ممارس اليوغا , ثم بدأ يتكلم ..


- "اسمي الحقيقي هو (نينا) , وهنا مسقط رأسي , لست أدري من هو والدي ومن هي والدتي .. استفقت هنا داخل هذا الوعاء , لكن سرعان ما غادرت هذا المكان إلى سجن من غشاء جلدي وردي اللون .. وما رأيته هناك في الخارج هي ولادتي الرابعة , لست أدري إن كانت هناك واحدة أخرى فالأمر مؤلم للغاية لأعضائي .. ففي كل مرة أبصر شيئا جديد , ما أبدوا لك عليه ليس حقيقيا .. عمري لا يمكنني حسابه وحجمي يتماشى مع مكاني .. أعرف أشياء ليس على البشر أن يعرفوها وإن عرفوها سيبكون جميعا .. أنا (نينا) , هاتِ يديكِ يا (عدرا) .. واسألي"


قال ذلك الطفل بغرابة ..

- أدرك في البداية أن اسمي ليس (عدرا) , وأنا لست أنثى !

رد عليه (نينا) ..


- اسمك سيكون (عدرا) , وستصبح أنثى .. عينيك على دم ولادتي في قارورة الغار , هناك , أتراها ؟ .. جئت أنا وتوأمتي والدم أخبرني بذلك , لهذا جبت كل الأزمان لأعثر عليها , وها أنتِ هنا يا أختي .. لعقتك وذقت طعمك وتشابه دمي مع دمك وعقلي مع عقلك .. وعقدتك أنك لا تشعرين بعمرك وغيّرك الزمن إلى أنت "فتى ذكر" وتظن أنك صغير وعمرك لا يمكن حسابه ولا عمري أيضا .. نقرتك نقرة بإصبعي يوما في المدرسة وفقتِ من طفولتك وعرفت جزءا من الحقيقة ... هلّا تضمينني الآن يا ... أختي !!

لم يتردد ذلك الصديق الطفل بل هم بمعانقة (نينا) بعمق وحرقة وكأنه يعلم الحقيقة .. في ترك اللحظة أخذ (نينا) بلعقه وتنظيف وجهه من شذرات الزمن , ثم حمله وطلب منه أن ينام في الوعاء الكبير .. غمضة عين وذهب ذلك الطفل الصغير في النوم الأبدي وطاف كل الأحلام ..


خرج (نينا) من كهفه يحمل حربته وذهب ليفعل أمر تاق لفعله منذ ولادته الأولى .. أن يقتل سيده , لقد اكتشف حينها أنه كاذب مخادع ضحك عليه كل تلك الدهور في حكاية أن أخته أكلتها عظائة الموت العجوز وسلمته حربة قالت أنها صنعت من عظام أخته ولا يمكنها أن تقتل أحدا من أي زمن .. كل تلك الدهور خبأ عنه قصة الوعاء وقارورة الغار , وتمرد وسافر بين الأزمان خلال خمسة ولادات فقط وإن استهلكها فإنه سيعلق في زمن ما وسيموت وستتألم عظامه .. خلال ولادته الثالثة وجد أخته وحملها معه عبر ولادة رابعة إلى قبيلة "شكا شكا" ثم اختفى إلى الكهف ..

الآن يقف أمام سيده بغضب لم يغضب مثله من قبل قائلا بصوت أبح يسبقه لهاث حار ..



- أنا (نينا) , لقد وجدت أختي (عدرا) .. إنها معي ..

ضحك ذلك السيد منه ضحكة جعلت كل تلك الكائنات عديدة الأرجل تختبيء في أرض الغابة .. قهقهة طويلة جعلت (نينا) يزداد غضبا واشتعالا ..


- توقف عن الضحك , قلت لك لقد وجدت أختي (عدرا) ..

نهره ذلك السيد غاضبا ..


- توقف عن ذكرها أيها الأحمق , قلت لك .. لقد ماتت , أكلتها العظائة , لكنك لا تقتنع بي وأضعت طبيعتك في التنقل بين الأزمنة .. أيها الغبي , هل تريد أن تصبح مثلهم .. تأكل وتنمو لك أعضاء وتفقد قدرتك على الحب وتتحول إلى كائن متكاثر .. هل تريد أن تغادر هذا المكان .. !!

رد عليه (نينا) .. 


- حسنا ..!


ثم غاب عن ناظريه عائدا إلى الكهف وكله أمل أن يرى ما يصبوا إليه .. ألّا يكذّبه حدسه الغريزي اتجاه توأمته , دخل الكهف بحذر حتى رسى أمام الوعاء الكبير محدقا مندهشا فرحا يريد أن يصرخ ويبكي , لكنه لا يريد أن يفسد العالم .. وجد أن أخته (عدرا) قد عادت لطبيعتها .. أنثى نزعت عنها قشرة ذلك الطفل الصديق , نزعت عنها ملابس ذلك الزمن وفِكر ذلك الزمن وشذرات ذلك الزمن في كومة بجانب الوعاء جعلت (نينا) يمضي وقتا في إزلتها قبل أن يحمل أخته عائدا إلى سيده ..



الشمس خافتة في وسط سماء تعلوها الصلابة , عند باب الكهف يحمل أخته بين ذراعيه وشعرها الطويل جدا يلتف حول عنقه .. يحملها ويسير ويسير حتى انتصب أمام سيده يقدم له برهانا عن زيف ادعائه .. عن كذبه الطويل .. 

- أنظر يا شرذمة , هذه أختي (عدرا) .. جلدها أملس ورائحتها كرائحتي ولها طعم كطعمي .. ألديك حجة ..


في تلك اللحظة بدت الفوضى تعم ذلك السيد , الصوت يسبق لسانه والنور يسبق عينه وبدأ يرتجف ثم بدأ عرشه يذوب في نهر أخضر .. هنا كان على (نينا) أن يطهر دنياه من خطيئة طويلة ارتكبها هذا المخلوق .. وضع أخته تحت شجرة بازيلاء ثم عاد بحربته ينهي الأمر وينال حريته وينهال على نفسه من المعرفة الخفية .. طعنه بحربته في قلبه ثم نزعها وقد جفّت وجرى نهر من الدم القاني يجري إلى مستقر الشمس في الطفح الجبلي حيث ستشرب منه الوحوش البهيمية التي لا بد لها أن تحبس هناك ..


عاد إلى أخته مطلقا آخر لهثة غضب وجلس بجانبها يلعقها وينظفها .. ثم نقرها بإصبعه حتى استفاقت , فبدت أحسن شيء يمكن لكوكب الأرض أن يحمله , وبدت منهل المعرفة لأي بشرية تطلبه .. حملها بشعرها الطويل إلى نهر "أوز أوز" عند مدرسة حوريات البحر أنصاف السمك تعلمها الذهب الأبيض لتعود إلى طبيعتها الأم ... أول ولادة سبقت كل الولادات أضاعتها مخلوقات بين الأزمنة .. إنه عصر جديد ستسر به قبيلة "شكا شكا" ..

داخل الكهف الذي يصطف خلفه كل أفراد قبيلة "شكا شكا" ينتظرون القرار من (نينا) .. قرار صعب لآخر ولادة مكررة , ولادة ستغادر بالتوأمين الفريدين إلى زمن آخر سيكتب عليهما فيه بالموت والأكل والتناسل وضياع الحب والعاطفة .. طال وقته داخل الكهف والجميع في الخارج حزينون ينتظرون برقة بالغة قراره النهائي .. يدركون أنه تعذب وتعب وآن أن يتفرد بأخته آخر نوع منه ..


بعد ذلك الوقت خرج (نينا) من الكهف يحمل أخته ذات الشعر الطويل يلفه حول عنقه .. يريد أن يتكلم وهو يبكي على تراب ذلك العالم .. يبكي بألم ..


- "يا شعب "شكا شكا" , لقد قررت أن أعيش مثل البشر في زمانهم .. هذا قراري وقرار أختي (عدرا) العزيزة .. اثبتوا فسيزوركم يوما نسلنا .. فالدنيا ستموت وكم سنعيش ولكن إلى الموت جميعا , سننتقل إلى رحم جديد آخر ولادة .. الولادة الخامسة , لا تبكوا علينا , هذا آخر شيء .."

يومها أغلقت الدنيا بسماء متلبدة وبرق قاصف بعنف .. داخل المستشفى أم تكافح لولادة توأم .. أول ولادة لها ظهرت على الدنيا , صبي وفتاة في غاية الجمال , لم ير أحدا يوما جمال كجمالهما .. يدعيان (إيثان) و (إيتا) ..



أمجد ياسين

26‏/5‏/2013

الصدى - الجزء الأول

أعتقد أن الأمر غريبا جدا , في كل مرة أسمع والداي يتهامسان ... هناك مشكلة في الصبي .. لكني لم أدر أية مشكلة التي يتحدثون عنها .. كل يوم يأت رجلا يحمل حقيبة إلى بيتنا , يتفحصني ويذهب .. كان يخبرهم  أنني  أعاني من شيء غريب .. ربما لم يكتشف بعد وربما ينال ذلك الرجل شرف اكتشافه ..


في صباح ذات يوم كان الوالد يصرخ بصوت عال على ابنه لأنه لم يرد الذهاب إلى المدرسة , أصر أنه لا يريد الذهاب لأنه يظن أن هناك معلمة متوحشة لها أنياب , ما كان من الوالد سوى طمئنته وإخباره أن الناس ليسوا وحوشا .. في النهاية اقتنع الطفل وذهب بسيارة والده ..


عند الساعة الثامنة وربع توقفت السيارة عند بوابة المدرسة ونزل الفتى وودعه والده .. كان يوما هادئا جدا , كان يعرف أنه تأخر عن الدوام المعتاد .. دخل ببطئ من البوابة ثم توقف يحدق في القفل المكسور .. شعر بخوف شديد , عندها كان والده قد ابتعد كثيرا ولا مجال للعودة .. لأول مرة يسمع صدى قرع نعله على الدرج , لا يعقل أن يكون الجميع في الصفوف هادئين بهذا الشكل ,لا أحد في الأرجاء , كيف يُكسر قفل المدرسة ؟ , لقد بدأ الهاجس الذي يخبره كل ليلة أنه سيضيع .. لم يتوقع أن يضيع بهذا الشكل .


عندما وصل إلى الطابق الثاني سمع صوت إغلاق الأبواب بعنف في الأسفل .. أصابه انهيار عصبي وتجمد في مكانه وأخذ يبكي , كان يرى ما حوله بغشاوة بسبب غزارة الدموع , ثم فجأة وجد من يمد له محرمة ليمسح دموعه , كانت فتاة  .. قالت له ..

- تعال !

- قال لها ..

- إلى أين ؟

- قالت ..

- مابك ؟ إلى الصف .. !

كان سمعه شديدا حتى أنه سمع وقع يدها على مقبض الباب , ثم ذاك الصرير المزعج البطيء ينتشر صداه داخل رأسه .. ماذا خلف الباب ؟ هل هذه الفتاة حقيقية ؟ ... ثم فتح الباب , فأغمض عينه ثم فتحها رويدا رويدا ليسمع صوت المعلمة تناديه ..

- (توماس) تعال , لم تبك يا حبيبي ؟ لا تخف .. اقترب !

تنفس الصعداء واقترب منها بحذر , جل نظره تركز على فم المعلمة باحثا عن أنياب , لكن لم يكن هناك شيء .. ذهب ليجلس وسط نظرات زملاؤه بين مبتسم ومحدق فيه .. جلس خافضا رأسه وعادت المعلمة لشرح الدرس .. 

بعد فترة , سألت المعلمة فجأة ..

- (توماس) , أين تقع جبال الأنديز ؟

ارتبك ولم يستطع الإجابة , شعر بأحدهم يضربه بإصبعه ويهمس ..

- تقع في الأرجنتين (توماس) .. أجبها ..

التفت خلفه وكانت تلك الفتاة التي أعطته محرمة , شعر بالثقة وهو ينظر لوجهها , كأنها تخبره ألا يخشَ شيئا .. قال للمعلمة ..

- تقع على كوكب الأرض .. !!

علت الضحكات والسخرية من حوله حتى أنه لم يعد يسمع شيء ولم يعد يرى سوى شفتي المعلمة تتحركان وكأنها كانت تقول شيء ما .. ثم ذهب كل شيء .. فتح عينيه ليجد نفسه يجلس على أريكة ويحمل في يده كتاب .. هذا ليس حقيقي , فلا يمكنه تحريك أي عضو من جسده .. ثم عاد المشهد .. كان الجميع  في ساحة المدرسة .. وهو واقفا عند البوابة التي رآها أول مرة , لكن لم يكن هناك قفل مكسور , المدرسة تعج بالحركة والطلاب , بعد برهة قرع الجرس وانطلق الجميع إلى الحصة , وذهب خلفهم ثم عاد ليسمع صوت صدى أقدامهم وصدى صوتهم يتردد , قبل أن يصعد الدرج رأى سماء سوداء من بعيد ..

كانت هي هي .. نفس المعلمة ونفس الحصة ونفس الوقت يتكرر , لكن هذه المرة لم يكن (توماس) متأخرا .. ما كان متغيرا فقط هو أن تلك الفتاة لم تكن موجودة .. أخفض رأسه وأخذت المعلمة تشرح ..

بعد فترة , سألت المعلمة فجأة ..

- (توماس) , أين تقع جبال الأنديز ؟

رفع رأسه وقال ..

- تقع في الأرجنتين .. !!

قالت له المعلمة .. أحسنت وأخذت تصفق له وطلبت من الجميع أن يصفق له .. بينما هو ينظر خلفه ويقول .. شكرا للمساعدة !! ..

انتهى الدوام وقرع جرس المدرسة , لذا كان على (توماس) أن ينتظر والده عند بوابة المدرسة .. الغريب أنه عندما وصل البوابة اختفى كل الأولاد وعاد ليرى القفل المكسور .. ثم أظلمت السماء بغيوم قاتمة وهبت رياح قوية .. شعر بخوف من وحدته حتى طلّت سيارة والده من بعيد , كلما اقتربت بدت مختلفة وغريبة عما يألفه .. توقفت بجانبه سيارة سوداء قاتمة حتى زجاجها .. فتح الزجاج وسمع صوت من بين الظلمة يقول له ..

- اصعد (توماس) !

حاول (توماس) أن يلمح أي شخص داخل السيارة لكنه لم يستطع من شدة الظلمة , لاحظ شيء آخر وهو اشتمامه لرائحة كبريت تنبعث من داخل السيارة .. لم يصعد من شدة خوفه وسأل برهبة ..

- من أنت ؟ .. أنت لا تبدو كأبي !

قال له الصوت ..

- هذا ليس وقته (توماس) , هيّا قبل أن يسوء الجو ..

بالفعل , بعد برهبة بدأت تمطر مطرا ساخنا جدا وامتلأ الأفق بالبخار والضباب الكثيف .. لم يكن من (توماس) سوى الصعود إلى السيارة الغريبة .. جلس في مقصورة سوداء شعر فيها ببعض البرد , لم يكن هناك شيء يمكّنه من رؤية السائق , فقط جدار معدني بينه وبين السائق , (توماس) كان مرعوبا جدا حتى أنه سأل وأسنانه تقرقع ..

- من أنت سيدي , كيف أراك , وإلى أين تأخذني ؟

أجابه ..

- لا تخف (توماس) , توقف عن الرجفان , ستعرفني وتراني قريبا عندما نصل إلى البيت ..

توقفت السيارة عند بناء ضخم هرمي الشكل , ثم جاء أشخاص يلبسون الأسود ووجوههم غير واضحة المعالم وفتحوا الباب للسائق .. حاول (توماس) أن يراه بصمت .. لكنه لم يقدر على ذلك لأن الزجاج ما عاد شفافا فجأة .. بينما كان يحاول أن يعرف ما المشكلة فُتح الباب وكان أمامه أحد أؤلئك الأشخاص الغريبين يمد له يده ..

شعر (توماس) بنوع من الطمأنينة رغم خوفه واستغرابه .. نزل من السيارة فوجد أن أشخاصا آخرين قدموا لإصطحابه بطريقة رسمية وكأنه شخصا مهما .. أدخلوه إلى ذلك المبنى الغريب فقد بدأت أضواء تنير على طول طريق الدخول وصولا إلى مصعد حمله إلى أعلى حيث مكان مرتفع جدا مبني من كريستال أسود قاتم , هناك تركه الجميع وأغلقت الأبواب .. الشيء الذي قتل خوفه وصدمته وجعله يتحرك هو رؤيته للأريكة وعليها كتاب .. تلك الأريكة التي رآها فجأة وهو داخل الصف .. 

ناداها صوت من خلفه ..

- لا تستغرب (توماس) , استيقظ وستجد أن كل ذلك حقيقي .. لقد زرت هذا المكان من قبل , أليس كذلك ؟! ..

التفت (توماس) بخوف ..

- من أنت سيدي , لم لا تظهر .. لم لا أراك .. ما هذا المكان ؟

قال له ..

- كيف والغيوم تملأ رأسك .. استيقظ , إذهب إلى الأريكة واقرأ الكتاب ..

تقدم (توماس) رويدا رويدا وجلس وحمل الكتاب , فتحه وقرأ ..

"كنت هنا حتى قبل أن تولد , لست بحاجة للخوف لأنه سيدمر قدرتك على الإستيقاظ .. أنت هنا لأجل شيء واحد .. أوصل رسالتنا , أطلق جذورك لتتغلغل داخلنا .. أنت مميز وقد اخترناك لتحذّر من "بلع العوالم" !!"

التفت (توماس) متعجبا ..

- ما معنى هذا سيدي , لا أستطيع أن أفهم .. 

قال له ..

- أنا هو الكتاب الذي بيديك , أنا حاكم هذا العالم وأنا من بنيته .. يوشك كل شيء على الإنهيار , لا يمكن أن يتحمل أكثر .. استيقظ وحذّر الناس .. فكّر بمن تحب واستيقظ (توماس) ..

لم تأت في ذهنه سوى صورة تلك الفتاة التي ساعدته في المدرسة , حاول أن يتذكر وأن يسأل وعندها ظهرت أطياف من ملامح من يكلمه .. كان أغرب شيء يمكن أن يراه في حياته ..

فتح عينيه ..

كان في سريره في غرفته .. هناك صوت في الخارج ثم فتح الباب .. تقدم ذلك الطبيب من جديد وأخذ يتفحص (توماس) .. هذه المرة لم يكن (توماس) هادئا وخجولا كعادته .. نهض فجأة وصرخ في وجه الطبيب ..

- لا أشكوا من شيء , دعني لوحدي .. عد لبيتك ..

قال له الطبيب ..

- اهدأ بني , ستكون على ما يرام , لا تخف ..

أخذ (توماس) يهز والده بحرقة مخاطبا إياه ..

- أرجوك أبي , دعه يذهب .. لا أريده هنا .. لا أشكو من شيء .. 

طلب الوالد من الطبيب أن يغادر معتذرا له .. ثم أغلق باب غرفة (توماس) , وسط خوف واستغراب وقلبه الذي يخفق بسرعة وتنفسه المتسارع يحاول أن يتذكر وأن يستجمع ما حصل , وصورة تلك الفتاة في مخيلته .. محاولا النوم لكن دون جدوى .. بعد فترة نام فعلا بعمق ..

استيقظ فجأة على ضجة واهتزاز عنيف , دخل الوالد إلى غرفة (توماس) وحمله وخرج هو وزوجته خارجا .. كان هناك عشرات الناس في الخارج , خائفون ومرتابون وقلقون ويصلون .. سأل (توماس) والده ..

- ماذا يجري أبي ؟

قال له ..

- لا تخف بني .. يبدو أنه زلزال !!

انقضى الليل المخيف على صراخ الناس وصوت الهزات المتتالية ..

في الصباح هدأ كل شيء , لم تتضرر أي بناية ولم يصب أحدا بأذى .. عاد الجميع لبيوتهم وجلس (توماس) ووالده ووالدته أمام التلفاز ونشرة الأخبار تبث ..

" .. ضربت ليلة أمس سلسلة من الهزات مدينة لندن وضواحيها .. حسب التقارير أن أغلب مدن العالم تعرضت للهزات بالتزامن مع هزات مدينة لندن .. تخبر دائرة الرصد والزلازال المواطنين الأعزاء أن الخطر انحدر , وتدعوا الجميع للعودة لمنازلهم وتؤكد لكم أن الخطر قد زال .."

رفع (توماس) وجهه إلى أبيه محدقا ملفتا انتباه والده .. سأله ..

- ما بك (توماس) , هل أنت بخير ؟ أرأيت كل شيء سيكون على ما يرام !

قال توماس بصوت سمع والده صداه يتردد في رأسه ..

- لا

لبس والده لباس الشرطة ليلتحق بعمله ذلك الصباح فقد كثرت تقارير الحوادث في أرجاء لندن بعد الهزات الأرضية ... هم بالخروج إذا بـ (توماس) يتشبث بقدمه ..

- حذّر الناس أبي , أنقذهم .. لقد بدأ "بلع العوالم" .

ربت الأب على رأسه مبتسما وقال ..

- حسنا , ولكن توقف عن مشاهدة أفلام الكارتون ..

ذهب (توماس) لغرفته وأخذ يراقب من النافذة ليرى شيئا مخيفا .. الأرض تتصدع محدثة نتوءا بارزة في الأرض , هرع نازلا إلى أمه ليخبرها فسقط على رأسه داخلا في غيبوبة ..


يتبـــــــــــــع في الجزء الثاني - أمجد ياسين

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2021