26‏/5‏/2013

الصدى - الجزء الأول

أعتقد أن الأمر غريبا جدا , في كل مرة أسمع والداي يتهامسان ... هناك مشكلة في الصبي .. لكني لم أدر أية مشكلة التي يتحدثون عنها .. كل يوم يأت رجلا يحمل حقيبة إلى بيتنا , يتفحصني ويذهب .. كان يخبرهم  أنني  أعاني من شيء غريب .. ربما لم يكتشف بعد وربما ينال ذلك الرجل شرف اكتشافه ..


في صباح ذات يوم كان الوالد يصرخ بصوت عال على ابنه لأنه لم يرد الذهاب إلى المدرسة , أصر أنه لا يريد الذهاب لأنه يظن أن هناك معلمة متوحشة لها أنياب , ما كان من الوالد سوى طمئنته وإخباره أن الناس ليسوا وحوشا .. في النهاية اقتنع الطفل وذهب بسيارة والده ..


عند الساعة الثامنة وربع توقفت السيارة عند بوابة المدرسة ونزل الفتى وودعه والده .. كان يوما هادئا جدا , كان يعرف أنه تأخر عن الدوام المعتاد .. دخل ببطئ من البوابة ثم توقف يحدق في القفل المكسور .. شعر بخوف شديد , عندها كان والده قد ابتعد كثيرا ولا مجال للعودة .. لأول مرة يسمع صدى قرع نعله على الدرج , لا يعقل أن يكون الجميع في الصفوف هادئين بهذا الشكل ,لا أحد في الأرجاء , كيف يُكسر قفل المدرسة ؟ , لقد بدأ الهاجس الذي يخبره كل ليلة أنه سيضيع .. لم يتوقع أن يضيع بهذا الشكل .


عندما وصل إلى الطابق الثاني سمع صوت إغلاق الأبواب بعنف في الأسفل .. أصابه انهيار عصبي وتجمد في مكانه وأخذ يبكي , كان يرى ما حوله بغشاوة بسبب غزارة الدموع , ثم فجأة وجد من يمد له محرمة ليمسح دموعه , كانت فتاة  .. قالت له ..

- تعال !

- قال لها ..

- إلى أين ؟

- قالت ..

- مابك ؟ إلى الصف .. !

كان سمعه شديدا حتى أنه سمع وقع يدها على مقبض الباب , ثم ذاك الصرير المزعج البطيء ينتشر صداه داخل رأسه .. ماذا خلف الباب ؟ هل هذه الفتاة حقيقية ؟ ... ثم فتح الباب , فأغمض عينه ثم فتحها رويدا رويدا ليسمع صوت المعلمة تناديه ..

- (توماس) تعال , لم تبك يا حبيبي ؟ لا تخف .. اقترب !

تنفس الصعداء واقترب منها بحذر , جل نظره تركز على فم المعلمة باحثا عن أنياب , لكن لم يكن هناك شيء .. ذهب ليجلس وسط نظرات زملاؤه بين مبتسم ومحدق فيه .. جلس خافضا رأسه وعادت المعلمة لشرح الدرس .. 

بعد فترة , سألت المعلمة فجأة ..

- (توماس) , أين تقع جبال الأنديز ؟

ارتبك ولم يستطع الإجابة , شعر بأحدهم يضربه بإصبعه ويهمس ..

- تقع في الأرجنتين (توماس) .. أجبها ..

التفت خلفه وكانت تلك الفتاة التي أعطته محرمة , شعر بالثقة وهو ينظر لوجهها , كأنها تخبره ألا يخشَ شيئا .. قال للمعلمة ..

- تقع على كوكب الأرض .. !!

علت الضحكات والسخرية من حوله حتى أنه لم يعد يسمع شيء ولم يعد يرى سوى شفتي المعلمة تتحركان وكأنها كانت تقول شيء ما .. ثم ذهب كل شيء .. فتح عينيه ليجد نفسه يجلس على أريكة ويحمل في يده كتاب .. هذا ليس حقيقي , فلا يمكنه تحريك أي عضو من جسده .. ثم عاد المشهد .. كان الجميع  في ساحة المدرسة .. وهو واقفا عند البوابة التي رآها أول مرة , لكن لم يكن هناك قفل مكسور , المدرسة تعج بالحركة والطلاب , بعد برهة قرع الجرس وانطلق الجميع إلى الحصة , وذهب خلفهم ثم عاد ليسمع صوت صدى أقدامهم وصدى صوتهم يتردد , قبل أن يصعد الدرج رأى سماء سوداء من بعيد ..

كانت هي هي .. نفس المعلمة ونفس الحصة ونفس الوقت يتكرر , لكن هذه المرة لم يكن (توماس) متأخرا .. ما كان متغيرا فقط هو أن تلك الفتاة لم تكن موجودة .. أخفض رأسه وأخذت المعلمة تشرح ..

بعد فترة , سألت المعلمة فجأة ..

- (توماس) , أين تقع جبال الأنديز ؟

رفع رأسه وقال ..

- تقع في الأرجنتين .. !!

قالت له المعلمة .. أحسنت وأخذت تصفق له وطلبت من الجميع أن يصفق له .. بينما هو ينظر خلفه ويقول .. شكرا للمساعدة !! ..

انتهى الدوام وقرع جرس المدرسة , لذا كان على (توماس) أن ينتظر والده عند بوابة المدرسة .. الغريب أنه عندما وصل البوابة اختفى كل الأولاد وعاد ليرى القفل المكسور .. ثم أظلمت السماء بغيوم قاتمة وهبت رياح قوية .. شعر بخوف من وحدته حتى طلّت سيارة والده من بعيد , كلما اقتربت بدت مختلفة وغريبة عما يألفه .. توقفت بجانبه سيارة سوداء قاتمة حتى زجاجها .. فتح الزجاج وسمع صوت من بين الظلمة يقول له ..

- اصعد (توماس) !

حاول (توماس) أن يلمح أي شخص داخل السيارة لكنه لم يستطع من شدة الظلمة , لاحظ شيء آخر وهو اشتمامه لرائحة كبريت تنبعث من داخل السيارة .. لم يصعد من شدة خوفه وسأل برهبة ..

- من أنت ؟ .. أنت لا تبدو كأبي !

قال له الصوت ..

- هذا ليس وقته (توماس) , هيّا قبل أن يسوء الجو ..

بالفعل , بعد برهبة بدأت تمطر مطرا ساخنا جدا وامتلأ الأفق بالبخار والضباب الكثيف .. لم يكن من (توماس) سوى الصعود إلى السيارة الغريبة .. جلس في مقصورة سوداء شعر فيها ببعض البرد , لم يكن هناك شيء يمكّنه من رؤية السائق , فقط جدار معدني بينه وبين السائق , (توماس) كان مرعوبا جدا حتى أنه سأل وأسنانه تقرقع ..

- من أنت سيدي , كيف أراك , وإلى أين تأخذني ؟

أجابه ..

- لا تخف (توماس) , توقف عن الرجفان , ستعرفني وتراني قريبا عندما نصل إلى البيت ..

توقفت السيارة عند بناء ضخم هرمي الشكل , ثم جاء أشخاص يلبسون الأسود ووجوههم غير واضحة المعالم وفتحوا الباب للسائق .. حاول (توماس) أن يراه بصمت .. لكنه لم يقدر على ذلك لأن الزجاج ما عاد شفافا فجأة .. بينما كان يحاول أن يعرف ما المشكلة فُتح الباب وكان أمامه أحد أؤلئك الأشخاص الغريبين يمد له يده ..

شعر (توماس) بنوع من الطمأنينة رغم خوفه واستغرابه .. نزل من السيارة فوجد أن أشخاصا آخرين قدموا لإصطحابه بطريقة رسمية وكأنه شخصا مهما .. أدخلوه إلى ذلك المبنى الغريب فقد بدأت أضواء تنير على طول طريق الدخول وصولا إلى مصعد حمله إلى أعلى حيث مكان مرتفع جدا مبني من كريستال أسود قاتم , هناك تركه الجميع وأغلقت الأبواب .. الشيء الذي قتل خوفه وصدمته وجعله يتحرك هو رؤيته للأريكة وعليها كتاب .. تلك الأريكة التي رآها فجأة وهو داخل الصف .. 

ناداها صوت من خلفه ..

- لا تستغرب (توماس) , استيقظ وستجد أن كل ذلك حقيقي .. لقد زرت هذا المكان من قبل , أليس كذلك ؟! ..

التفت (توماس) بخوف ..

- من أنت سيدي , لم لا تظهر .. لم لا أراك .. ما هذا المكان ؟

قال له ..

- كيف والغيوم تملأ رأسك .. استيقظ , إذهب إلى الأريكة واقرأ الكتاب ..

تقدم (توماس) رويدا رويدا وجلس وحمل الكتاب , فتحه وقرأ ..

"كنت هنا حتى قبل أن تولد , لست بحاجة للخوف لأنه سيدمر قدرتك على الإستيقاظ .. أنت هنا لأجل شيء واحد .. أوصل رسالتنا , أطلق جذورك لتتغلغل داخلنا .. أنت مميز وقد اخترناك لتحذّر من "بلع العوالم" !!"

التفت (توماس) متعجبا ..

- ما معنى هذا سيدي , لا أستطيع أن أفهم .. 

قال له ..

- أنا هو الكتاب الذي بيديك , أنا حاكم هذا العالم وأنا من بنيته .. يوشك كل شيء على الإنهيار , لا يمكن أن يتحمل أكثر .. استيقظ وحذّر الناس .. فكّر بمن تحب واستيقظ (توماس) ..

لم تأت في ذهنه سوى صورة تلك الفتاة التي ساعدته في المدرسة , حاول أن يتذكر وأن يسأل وعندها ظهرت أطياف من ملامح من يكلمه .. كان أغرب شيء يمكن أن يراه في حياته ..

فتح عينيه ..

كان في سريره في غرفته .. هناك صوت في الخارج ثم فتح الباب .. تقدم ذلك الطبيب من جديد وأخذ يتفحص (توماس) .. هذه المرة لم يكن (توماس) هادئا وخجولا كعادته .. نهض فجأة وصرخ في وجه الطبيب ..

- لا أشكوا من شيء , دعني لوحدي .. عد لبيتك ..

قال له الطبيب ..

- اهدأ بني , ستكون على ما يرام , لا تخف ..

أخذ (توماس) يهز والده بحرقة مخاطبا إياه ..

- أرجوك أبي , دعه يذهب .. لا أريده هنا .. لا أشكو من شيء .. 

طلب الوالد من الطبيب أن يغادر معتذرا له .. ثم أغلق باب غرفة (توماس) , وسط خوف واستغراب وقلبه الذي يخفق بسرعة وتنفسه المتسارع يحاول أن يتذكر وأن يستجمع ما حصل , وصورة تلك الفتاة في مخيلته .. محاولا النوم لكن دون جدوى .. بعد فترة نام فعلا بعمق ..

استيقظ فجأة على ضجة واهتزاز عنيف , دخل الوالد إلى غرفة (توماس) وحمله وخرج هو وزوجته خارجا .. كان هناك عشرات الناس في الخارج , خائفون ومرتابون وقلقون ويصلون .. سأل (توماس) والده ..

- ماذا يجري أبي ؟

قال له ..

- لا تخف بني .. يبدو أنه زلزال !!

انقضى الليل المخيف على صراخ الناس وصوت الهزات المتتالية ..

في الصباح هدأ كل شيء , لم تتضرر أي بناية ولم يصب أحدا بأذى .. عاد الجميع لبيوتهم وجلس (توماس) ووالده ووالدته أمام التلفاز ونشرة الأخبار تبث ..

" .. ضربت ليلة أمس سلسلة من الهزات مدينة لندن وضواحيها .. حسب التقارير أن أغلب مدن العالم تعرضت للهزات بالتزامن مع هزات مدينة لندن .. تخبر دائرة الرصد والزلازال المواطنين الأعزاء أن الخطر انحدر , وتدعوا الجميع للعودة لمنازلهم وتؤكد لكم أن الخطر قد زال .."

رفع (توماس) وجهه إلى أبيه محدقا ملفتا انتباه والده .. سأله ..

- ما بك (توماس) , هل أنت بخير ؟ أرأيت كل شيء سيكون على ما يرام !

قال توماس بصوت سمع والده صداه يتردد في رأسه ..

- لا

لبس والده لباس الشرطة ليلتحق بعمله ذلك الصباح فقد كثرت تقارير الحوادث في أرجاء لندن بعد الهزات الأرضية ... هم بالخروج إذا بـ (توماس) يتشبث بقدمه ..

- حذّر الناس أبي , أنقذهم .. لقد بدأ "بلع العوالم" .

ربت الأب على رأسه مبتسما وقال ..

- حسنا , ولكن توقف عن مشاهدة أفلام الكارتون ..

ذهب (توماس) لغرفته وأخذ يراقب من النافذة ليرى شيئا مخيفا .. الأرض تتصدع محدثة نتوءا بارزة في الأرض , هرع نازلا إلى أمه ليخبرها فسقط على رأسه داخلا في غيبوبة ..


يتبـــــــــــــع في الجزء الثاني - أمجد ياسين

12 تعليقات :

غير معرف يقول...

رائعة

أمجد ياسين يقول...

شكرا لوجودك أخي / تي الغير معرف ..

تحياتي

غير معرف يقول...

شكرا لك اخي امجد قصة جدا رائعة
اخوك محمد من العراق

غير معرف يقول...

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم♥♥

غير معرف يقول...

القصة تعبر عن شخصية صآحبهآ فِي بعض آلأحيآن ،


أمجــــد گـيف حـآلگ ؟ :((

أمجد ياسين يقول...

ربما أختي الغير معرفة .. ربما جدا

أنا بخير جدا الحمد لله , أنتي كيفك ؟

غير معرف يقول...

يـــآرب ع طول يآأمجد تگون بخير ...


إممممم أنـــآ بخير دآمگ بخير :)) ،،

غير معرف يقول...

في انتظار الجزء الثاني...
غبت عما تكتب طوييييييﻻ يا أجمد .. أعتذر

إباء

أمجد ياسين يقول...

أنا معذور أخي / تي الغير معرف ..

لدي تخريج وما يسبقه من أمور ثقيلة وضغط دراسي ..

تحياتي لك

Pretty Yoyo يقول...


جميلة جداً حتى الآن..
فى انتـــــظار الجزء الثانى أخـــــى أمجد ...

ومبـــــــــــــــــــروك على المدونة..ولو أنها متأخرة ^_^

تحياتى وأتمنى لك التوفيق

أمجد ياسين يقول...

مرحبا أختي (بريتي يويو) ..

سعيد بوجودك الجميل , وسعيد بتعليقك ..

وشكرا على المباركة وأتمنى أن تكون المدونة جميلة عن سابقتها ..

اعتني بصحتك

غير معرف يقول...

أبدعت وأنا من أقدم المتابعين لك بصمت...ولن أنسى قصةالرفيق .

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017