‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص رعب وغموض. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص رعب وغموض. إظهار كافة الرسائل

31‏/12‏/2016

شيلوَه

يبدو الأمر كلحظة عابرة , حين توصلك كائنة غريبة إلى طريق البرية المؤدي بين الغابات إلى بوابة العمر , ستنس الطريق من ذهولك , ثم ستستفيق وهي تغلق الباب عليك بادية بابتسامة وداع أبدي , ستكتشف لاحقا أنهم ضحكوا عليك وخدعوك فالباب لن يفتح مرة أخرى .. إنتهى الأمر

تلك الموسيقى الجذابة ستختف وذلك الإيقاع سيموت .. إنه يوم مصيري ستشعر به بنوبات الفزع وأنت تقف خلف الباب كاشفا مدى الخدعة التي وضعت بها , ستضيع ..

أشعل شعلتك فقد حان وقتك , البس حذائك واتبعنا .. اصمت واتبعنا , لا تسأل حتى ترى النور .. إنه كهف في أديم الأرض أقدم من أبيك آدم , أنصت جيدا ستسمع كل كلمات الرب هنا .. أنت الآن في حضرة أبيك ..

- شيلوَه , تكلم ...
- من تقصد بشيلوَه ؟
- أنت , نعم أنت فلا أحد هنا غيري وغيرك ..
- ولكن اسمي عا ....
- أعرف كل شيء عنك لا تكمل , أنت شيلوَه ... أرني ساقك .... أترى تلك العلامة ؟ رسمتها لك بيدي ..
- انهض يا شيلوَه .. تعالي معي سنذهب لمكان آخر ..
**************
- أترى ذلك الجسد ؟ أليس يشبهك تماما ؟؟
- نعم إنه أنا !! هذا غريب جدا !! ما هذا المكان !!
- ألقوه في النار .. إنه يوم سعدك يا شيلوَه ..
*************
- لقد اتفقت معي أن نتقابل في هذا المطعم صحيح .. تكلمنا على الشبكة البارحة ؟ .. عادل ما بك ؟ صحيح ؟؟!!
- نعم , نعم .. آسف يا سارة كنت أفكر قليلا ..
- هيا اخرج من جو التفكير والغرابة هذا .. امرح قليلا , يبدوا كموعد غرامي أليس كذلك ؟؟ أيعجبك فستاني ؟؟ اخترته لأجلك .. تبدوا أكثر وسامة من الصور التي أرسلتها لي ..
- آه , شكرا على لطفك وأنت ايضا جميلة ..
- عادل ما بك ؟ منذ أن جئنا وأنت شارد الذهن ..
- هل سمعت يوما باسم شيلوَه ؟؟
- ما هذا الإسم الغريب ؟؟ لا لا لم أسمع به ! انهض , تعال نتمشى بالخارج لعلك تصبح على ما يرام ..
****************
- إنه أول لقاء لنا ما بك ! يبدوا انك تخجل من الفتيات ..
- نعم صحيح أنا خجول فأنت جميلة جدا ..
- شكرا هذا لطف منك لقد أحرجتني ..
***************
إنه فصل الشتاء , حيث موسم الصيد يخرج هو ووالده لصيد الأيائل .. ألم يمت والده من قبل ؟ المفترض أنه مات برصاصة انطلقت من بندقية صيد !! إنتبه يا عادل فذلك الأيل هو والدك لا تقتله .. لكن !! صوت الرصاصة أفزع اليمامة في عشها وطارت كل الطيور عن الشجر ... يجر عادل ذلك الأيل ويعود به إلى البيت ويظن والده سيأتي خلفه .. لكنه ما أن فتح الباب وجد في بيته بقرة وقطط وقرود وملابس أمه وإخوته على الأرض ... ألقى الأيل وابتعد إلى الخلف ثم ركض بأقصى قوة مرعوبا .. الغابة عميقة وقد جنح الظلام .. كيف يبدوا العالم في الخارج إذا ؟! كانت الأغصان والشجيرات تعيق سيره حتى وصل إلى منحدر عميق لا يستطيع أن يرى قعره ...

- عادل , أنت هنا ؟
- يا إلهي , لقد أفزعتني سارة .. كيف وصلتي إلى هنا ؟؟
- لا تقلق كنت أشتم ريحك وتبعتك .. لديك رائحة أخاذة ..
- ماذا ..
أخذ يشم نفسه باستغراب ..
- رائحة .. هل أبدوا قذرا ..
- لا تقلق .. هل يعجبك هذا المنحدر ؟؟
- لا إنه مخيف ..
أمسكت بيده ..
- اقترب عادل .. المكان جميل .. اقترب اكثر لا تخف ..
ثم دفعته إلى المنحدر وهوى إلى الظلام .. استغرق وقت طويل وهو ينزل .. وقت طويل جدا ربما سنين .. كم أن هذا المنحدر عميق , على جنباته يرى أناس تقوم الأبقار بضربهم , تقوم برفسهم والسير عليهم ... وهناك من تبتلعهم الأشجار بسيقانها وهناك من يغرق في الوحل ... ثم تحل ظلمة ثم صوت ...
- شيلوَه .. أنت في حضرة أبيك .. قف لقد وصلت إلي .. اقترب من صوتي .. تعال .. تعال .. تعال ..
- أنا لا أراك , أين انت ؟
- قلت لك اتبع صوتي يا شيلوَه .. أنا حيث تريد ..
يسير في الظلمة تائها يتحسس حتى تلمس يداه حائطا رطبا .. ثم يبدأ نور يعم المكان وينجلي كل شيء .. صعق شيلوَة من تلك الجذور اللزجة التي تملأ المكان وتقطر ..
- ما هذا المكان ؟
- إنه مكان أقدم من أبيك آدم .. قلي يا شيلوَه , هل أعجبتك ؟
- من تلك ؟
- سارة , سارة يا شيلوَه هل أعجبتك ..
- نعم إنها جميلة ...
- أنت أعمى يا شيلوَه .. أنت أعمى ولا ترى .. لو نظرت لعيونها ستعلم أنها ليست كما تظن ..
- ما بال عيونها ؟
- ستعود وترى بنفسك ..
****************
- مرحبا عادل , هل كنت بانتظاري ؟ آسفة تأخرت قليلا ..
- لا بأس سارة اجلسي ..
- اشتقت لك .. حقا اشتقت لك .. أنت تكتب اشياء غريبة على صفحتك !! لم هذا التعقيد ؟؟
- لا تشغلي بالك ..
.........................
- عادل ما بك تحدق بي ... عادل أنت بخير ؟؟
- عيونك جميلة يا سارة , هل هي طبيعية أم تضعين عدسات ؟؟
ارتبكت قليلا وتلعثمت ..
- إنها .... إنها حقيقية !!
- لا تبدوا حقيقية يا سارة .. أرني ما لون عيونك , هيا أيتها الشقية أرني ..
- لحظة عادل سأذهب للحمام قليلا وأعود لك ...
- حسنا , أنتم الفتيات دائما تذهبون للحمام ..
***************
- يا سادة يبدوا أنه لا يعرف صحيح ؟
- نعم لا أحد من البشر يعرف ولن يرون .. لا بأس أريه عيونك فلن يرى ..
- حسنا سأعود إليه ..
***************
- تأخرت عليك صحيح ..
- لا لا أبدا ... هيا أرني عيونك ..
- حسنا حسنا لا تستعجل ..
أخذت تزيل العدسات وعادل يحدق بها ...... ثم ..
- كيف ترى عيوني .. ؟؟
يكتم عادل خوفه ورعبه ..
- كم هي جميلة , هل أنت بلهاء لتضعين عدسات ...
*************
- شيلوَه .. استفق , أنت في حضرة أبيك ..
- هل رأيت أم أنك أعمى ؟؟!!
- ماذا تكون تلك ؟؟
- إنها ليست الوحيدة , أرأيت كل أؤلئك الأشخاص الذين في المطعم .. لا أحد منهم من البشر سواك , حتى في مدينتك .. لا أحد من البشر ... أنت أعمى مسكين يا شيلوَه ..

يقف الآن أمام تمثال عملاق قابع وسط الأدغال الكثيفة , لكن الأغلال حول عنقه في يوم المحكمة , لا يستطيع التمييز بين الواقع والخيال .. مخدر وصور كائنات مخيفة تتراقص أمامه ..
- عادل , أنت مسكين .. أعمى , إنه يوم الخلاص , يوم المحكمة ..
- أيتها الخبيثـ .....
- كلهم تآمروا ضدك حتى أبيك .. أنت مسكين ..
- أنت كاذبة , أنتِ مسخ !!

إنه يوم الخلاص تتوقف فيه الفصول والأرض صفراء ... كل الحكاية خدعة , الطنين يشغل البال , إنك هبطت على الكوكب الخطأ , ما كان يجدر بك الهبوط هنا ... حذرتك شيلوَه .. حذرتك شيلوَه , لا يسعني فعل شيء لك الآن , آسف ...

أمجد ياسين



23‏/1‏/2014

بقية الجحيم

الدنيا غريبة , مجرد شعور يتخلخل عبر مسامات الحائط من الفراغ الهائل الذي يقبع هناك منذ سنين طويلة , إن أحر شهور السنة هي أبرد شهور السنة وأبردها هي أحرها .. إن كلمت رجال الدين سيقولون لك أن النهاية قريبة , ذلك الوقت سيتمكن فيه الناس من رؤية  الشياطين بوضوح ....

في شهر منتصف الصيف اجتاحت نصف العالم الغربي عاصفة رهيبة لدرجة أنك تظن أن العاصفة ابتلعت العالم بأكمله ولن تصدق أن أحدا في جانب العالم يعاني من الحر الشديد , ستكون الفكرة مجرد ترهات .. وحتى أنك لن تضطر للتفكير أو الإهتمام عندما تكون في سجن بعيد عن ظروف الحياة , لن تهتم هناك بالعواطف ولا بالمشاعر ولا بالفكرة ولا بالفضول .. ستكون شخص صارم صلب قاس وحش يختبيء داخل كومة جلد بشرية بريئة .. تريد أن تأكل شيء لا يؤكل وتمر السنين دون أن تسأل أو تتكلم وستفقد الإهتمام بالوقت وستفتفتد حقا رؤية نفسك بالمرآة ..

عندما ترسم الكائنات على وجهها سمة البشاعة , هذه حكمة الرب في أهل الجحيم , لا يمكن التفريق بين جحيم الأرض والجحيم هناك .. الآن سيعلنون أنه وجب عليك أن تتوقف عن قتل البشر , في ليلة تعاين فيها أعلى وأخفض درجة حرارة في تاريخك , تلقى في مكعب شبه عار ولا أحد يلطف بك .. فيه أعلى نسبة بكتيريا وطفيليات في العالم , تأكل جلدك وأنت حي , دماغك يذوب من الهلوسات .. أصوات غريبة من كل مكان .. لكن في النهاية تنام نوم المصروع المنهك ..

أطول ليلة في التاريخ يحلم بها أطول رواية حيث سينتي كل شيء غدا معلقا على حبل .. ما أن حلّت الساعة الثانية بعد منتصف الليل حتى ارفعت درجة الحرارة إلى 40 درجة فتبدأ في ذرف العرق وتبدأ بالنضوج .. لكن لا شعور لأن الحلم سيأخذ بقية الجسد إلى مكان آخر ويترك ذلك الملقى يتعفن .. ربما يدفنوه في الصحراء وربما يرموه للوحوش ..

"كانت هناك عائلة تسكن في منزل من ثلاث جدران له نافذتان وليس هناك باب أو سقف , عندما تمطر السماء لا يصل المطر إليهم .. الأغرب أنه إن أرادوا الخروج فإنهم يتسلقون السقف .. ينظر إلهم من خلف نبتة صبار يقتربون من البحر لكن البحر سرعان ما يجف , ومع انحسار الماء يظهر هناك حوت ضخم يصارع الموت .. بعد برهة يتشقق لتخرج منه شجرة عملاقة تغرس جذورها في الأرض .. رأسها يناطح السماء وتقطر بالقطران وتنبت رؤوس الشياطين .. تلقي بثمارها في كل العالم لتنبت المزيد من الأشجار ويغرق العالم في الضباب .."   .

 يستفيق وهو يرى ثلاثة يجرونه من قدميه إلى نهايته , ليس مضطرا للبس اللباس البرتقالي , القانون الجديد ينص بدهن أجسادهم بالقطران ثم يعلقون على حبل من الحديد المشيك .. لم يكن هناك من يحضر مراسم القتل تلك , كان أشبه بكلب أجرب يتم التخلص منه حتى لا ينقل وبائه للناس .. وما أن بدأ اثنين منهم بمحاولة ربطه بالحبال المشيكة حتى بدأ يرى كل شيء كأنه ضباب .. يحاولان جاهدين الإمساك بالحبال لكنها بدت كالوهم أو السراب .. اختفت المادة حتى صرخ الضابط باحراقه , لكن النار لم تشتعل لأن السماء أخذت الهواء .. هبت ريح حارة من الشرق وهدر صوت قاصف تشققت منه السماء فمات أو اندثر الجميع .. تبخر كل شيء حتى أصبح بإمكانه الخروج والتحرك والإنطلاق حيث يريد .. أصبح بإمكانه اختراق الجدران .. عندما هرب وجد نفسه في وسط الصحراء ..

كان الوقت ظهرا وظهرت البرودة الشديدة لتشعل الجليد في الأرض بينما هو شبه عار يواجه ذلك العذاب .. دفعته الرياح بقوة وألقت به أمام بحر كبير جدا .. لا يمكن التنبؤ بنهايته , السماء تدور باللولبات السحبية وهناك تشققات كثيرة في الأعلى .. شاهد بقرب البحر البيوت المثلثة .. بالقرب منها فقط كانت تمطر السماء بالهلام , الأرض لزجة وهناك أصوات أشبه بأصوات العبادة .. اقترب منها ونظر من نافذة إحداها .. رآى كائنات لديها ذنب يتعبدون لتماثيل على هيئة حوت .. وما أن ينتهي المطر حتى يخرجون كالجراد من السقوف منطلقين نحو البحر .. هناك يضحون بأصغر أبنائهم ويقطعوهم إلى أشلاء ويلقونها في البحر فيجف مظهر العملاق الراكد داخله .. إنه ما يسمونه "حوت أزمير" , يتحول إلى شجرة عملاق تخترق السماء وتمطر بثمار غريبة وقطران فيحل الليل داكن ..

فجأة توقف بجانبه قطار غريب فخرج منه أحدهم يصيح .. "الرحلة إلى "أزمير" .. لا يجدر بك البقاء هنا طويلا !!" فدفعه إلى الداخل .. فارتفعت درجات الحرارة كثيرا والتهب القطار الذي كان يسير بسرعة شديدة وبدون صوت , لا يسعك سوى رؤية نيران عظيمة تلتهب خلف نوافذه , ثم يأت أحدهم يوزع على الراكبين كتب صغيرة مكتوب عليها "دليل أزمير" وما أن وصل إليه حتى توقف وسأله ..

- هل أنت صاحب السجن الملعون ؟

قال له برهبة ..

- لست ملعون سيدي , اليوم حكم علي بالإعدام بطريقة بشعة .

صاح به ..

- اخرس أيها الغبي .. لو لم تكن ملعون لما دخلت هذا القطار , خذ واقرأ ..

"إنها رحلة من ألف سنة إلى مسافات كبيرة , كل الملعونين هنا لهم شرف الوصول إلى "أزمير" مملكة الجحيم .. ليس لكم خلاص ولا سبيل للنجاة , القطار يسير لألف سنة فعدوا على أصابعكم وحافظوا على نبض قلوبكم , حاولوا تجنب الصرخات .. للمساعدة انتظروا البقية تسمى "بقية الجحيم" ..

هنا بدأ الراكبين بأكل أنفسهم وبالصراخ وما رأى إلا ذلك الشخص يطلب إليه صارخا أن يفعل مثلهم , ثم بدأ يضربه .. "تخلص من جسدك أيها الملعون" .. بعد أن يئس منه ذهب فعم الهدوء في حجيرة القطار تلك ثم هم الجميع بالخروج وهم ينزفون ومقطعي الأشلاء ..
ذلك لم يكن مبشرا بالخير , دخلت دفعة جديدة من الراكبين لكنهم الأكثر رهبة في تاريخ مخيلته .. وحوش عديدة الأرجل وكائنات لزجة وكائنات تزحف تخرج منها سوائل وروائح نتنة .. ما وجد إلا إحداها يجلس على الكرسي مقدمته ويصدر صوت مخيف ورائحته لا تطاق .. على ما يبدوا أنه كان جائع لكنه لم يبد أية ردة فعل اتجاه من يجلس مقدمة منه .. 

بعد برهة عاد ذلك الشخص ليوزع كتب صغيرة تحمل عنوان "بقية الجحيم" .. " لم تقدروا على فعل ذلك .. اختبرو الأسوأ , تجنبوا الألم وخلصوا قبل أن تُخلّصوا .. تمت مضاعفة الرحلة لألفي سنة .. أنتم الأقل حظا في "أزمير" .."

ما هي إلا لحظات حتى بدأ الرعب في مشهد دموي , كل واحد بدأ في أكل الآخر , هم ذلك البشع أمامه بالهجوم لكن فجأة انخفضت درجات الحرارة كثيرا فتجمد المكان وكل أؤلئك اللزجين البشعين .. كانت تلك الحجيرة لا تحتمل ولا يمكن تصور فظاعتها .. يسير ببطئ محاولا الخروج وهو يسمع صوت الجليد يتكسر عن ركبتيه .. ثم بدأ القطار يهتز وفتحت نوافذ على بحر عظيم وأخذ يقذف العديد من الملعونين في ذلك البحر , من ليس لديهم شرف الوصول إلى "أزمير" .. بينما هو ينظر والفجوة تحاول إبتلاعه كانت الشياطين تطرق على عنقه بأصابعها وتترك ندوبا تنمو بسرعة كالمرض الخبيث الذي يأكل اللحم .. ثم رآى ديدان تنمو عليه وأحد أؤلئك الشياطين يهمس له ..

- لم ينته الإختبار بعد !

يعطوه الجزء الثاني من "بقية الجحيم .. أبناء أزمير" .. "مقدرا لك أن تبق وتقابل الحوت , لست مؤهلا لتحيى ولست مؤهلا لتكون إنسانا .. المحطة التالية 500 سنة , عملية اعداد جسمك .. وكل الإختبارات طوال الألف سنة القادمة ستؤهلك للوصول إلى "أزمير" .."

توقف القطار في مكان أسود يخرج الجميع ليدخلوا فيه ثم يعودون إلى القطار وقد اكتسبوا أشكالا مختلفة .. يصيح ذلك الشخص ..

- تهانينا لمن تم اختياره .. تخطيتم أخف المراحل صعوبة .. ولتصمدوا ويجب أن تصمدوا يجب أن تناموا الألف سنة القادمة ..

ثم قام بتوزيع حبوب سوداء تشرب مع القطران فغفى الجميع أو مات .. لا يمكن الشعور عندها أنك بشري , يمكنه أن يرى نفسه معلقا للإعدام واثنين يحاولان ربطه بينما هو يحاول افتراسهما .. عندما دخلت الأرض عصر المسوخ وقامت "أزمير" بابتلاع الشمس خرج الجميع في مناهضة المسوخ , كان هناك قتل كثير وتم انتقاء المجرمين لدخول القطار الذي يبعد ما يقارب من 1500 سنة من الآن .. سرت شائعات عن مملكة "الدرادو" البيضاء التي تنتقي أفضل الخلق ..

لم يطق صبرا ليذهب لتسجيل نفسه لتلك المملكة , لكنهم أوقفوه بعد أن عرفوا أنه من "أزمير" .. فتسائل " أليس هناك خلاص للشياطين" .. فأخبروه أن يلق بنفسه إلى البحر قبل أن يصل إلى "الحوت" لأنه هناك لا رجعة , فأعطوه حبة بيضاء تشرب مع الماء فلم يتردد بأخذها .. هنا بدأ يتلوى وهو نائم في قطار "أزمير" وجسده يحاول إرجاع شكله فلفت انتباه من يشرف عليهم حتى صاح بالجميع ..

- الأعداء يخترقون القطار ..

هنا استفاق وفتح عينيه ونهض متمايلا والشياطين تحاول الإمساك به , لكنها لا تقدر فقد أصبح كالضباب أو الوهم حتى ألقى بنفسه إلى البحر ثم نام ولم يفق إلا في مكان أبيض جدا ..

عندما فتح عينيه وجد المئات من الناس يحضرون مراسم إعدامه وكانت هناك كل عائلته .. بكى كثيرا حتى صاح "أليس هناك خلاص للشياطين ؟" فسقط الحبل واختفى السجن واستفاق في مستشفى .. 

بعد 10 سنوات استفاق من غيبوبة دخل فيها بعد أن سقط عن شجرة مثمرة , كان بعمر 10 سنوات حينها .. خافت أخته عليه كثيرا فهرعت تركض وسط الغابة لتخبر أهلها لكن النهر ابتلعها .. فحكم عليه في محكمة الجحيم أنه قاتل ..


أمجد ياسين

8‏/9‏/2013

الإنسان الخامس

ذلك الغشاء الجلدي الذي يحيط بذلك الجسد , يسجنه داخل كوخ وردي .. كان ينتظر وصوت قلبه .. دق , دق , دق , في تلك اللحظة فصل الحبل الغريب واندثر الصراخ في الكون , يحمله بين يديه راكضا إلى البيت ليخبر أمه أن المولود ولد .. اختبر ذلك الشعور الذي يرويه كل رجل , يحمل ذلك الكائن المتجسد بين يديه يحدق فيه مرارا وتكرار ويشمه ويتلمس يديه ووجهه .. لكن قصفة رعد كبيرة أفاقته من بين يديه , كان طفل غريب , فتح عينيه من أول ساعة .. كان لديه بؤبؤ كبير أسود ويتحرك , كان بإمكانه مد يديه الصغيرتين ليمسك اصبع والده , بانت ضحكته الغريبة وبانت له أسنان .. أصيب الوالد بدهشة فحمله إلى أمه ..

- عزيزتي , هل هذا شيء طبيعي ؟؟!

حملته الأم التعبة بين ذراعيها تقبله قائلة بدون اكتراث .. 

- إنه مميز عزيزي , انظر كم هو جميل !

بعد شرود طويل قال .. نعم , نعم عزيزتي , إنه مذهل ..

الآن عليه أن يعايش ذلك العصر بعد أن كان يصارع ذلك السجن , وصرخته لم تصل بعد إلى مجرة "اللحن" , إنه عام سبق كل الأعوام .. إنه معجزة لو علم به الكهنة في ذلك الدير لأخذوه إلى سراديبهم المظلمة ..

خلال أسبوع فقط أصبح ذلك المولود فتى كأن عمره خمسة سنوات , ووالده يداري نفسه أن ما يحصل شيء طبيعي وكذلك أمه لا تبالي بالأمر .. أخفى الوالد الأمر عن أي إنسان وكذلك أحرق شهادة ميلاده , كان يدرك أن أمرا غير طبيعيا في ذلك الولد , خطب ما يحصل ..

كان على والده أن يسجله في المدرسة , شيء لا يصدق كيف يحصل ذلك النمو السريع .. أخذه ماسكا بيده إلى المدرسة , فطلبوا منه شهادة ميلاد الفتى .. كانت هنا المعضلة , لذا تدبر الأب الأمر بأن وكل لأحد معارفه أن يزوّر للفتى شهادة ميلاد تظهره بعمر الخمس سنوات تحت ذرائع عدة , فكانت له وتم تسجيل الفتى في المدرسة في الصف الأول من العام الدراسي 1998..

عام جديد خشي فيه الوالد أن يظهر فيه الفتى على غير عمره الطبيعي , ستحصل صدمة وسط كل المجتمع .. لكن ما كان غير متوقع أن الفتى حافظ على حجمه وعمره لفترة تعدت السبعة أشهر دون أن يتغير ودون أن ينمو ..

أول يوم في المدرسة تمكن الفتى الذي أطلق عليه اسم (إيثان) من العثور على صديق , تمكن من جذب اهتمامه وبدأ علاقته بقطعة حلوى .. كان يبدي اهتماما كبيرا بذلك الطفل الصديق , يساعده في دروسه ويدافع عنه ويعطيه من ماله ولا يعود إلى البيت حتى يتأكد أن يوصله إلى بيته بأمان , وكان ينتظر يوم الغد ليراه مجددا .. وكان يكثر من زياراته له ..

بدى (إيثان) في تلك الفترة ليس كأي طفل عادي , لديه لسان فصيح ومعلومات لم يعرف من أين حصل عليها , كان يميل إلى الصمت والوحدة ولا يقبل من أحد التقرب منه سوى صديقه ذلك , وكثيرا ما يُستدعى والده أو والدته إلى المدرسة بسبب تصرفاته الغريبة .. في ذات مرة رأت المعلمة (إيثان) يتصفح صحيفة وعندما اقتربت منه بدت الصحيفة قديمة جدا تعود لعام 1938 , كان (إيثان) يتصفح مقال يقول أن (هتلر) يهدد بحرب شاملة , اقتربت المعلمة من (إيثان) متسائلة من أين له تلك الصحيفة القديمة ... لكنه لم يكترث لها بل سألها إن كانت فعلا ستندلع حرب قريبا .. لكن المعلمة طمأنته أن تلك الصحيفة موغلة في القدم وأن تلك الأخبار حدثت وانتهت ..

دائما كان والده يخبره أن عليه أن يكون عاقلا ويكف عن التصرف بغرابة ..  في ذات يوم تغيرت تصرفات (إيثان) فجأة فلم يعد يقول أبي أو أمي بل أصبح ينادي على كل منهما بإسمه فقط وبدأت عيناه تظهران ذلك البريق الغريب .. في ذات يوم لمحه والده يبدل ملابسه فرأى شيئا غريبا فيه .. جسده ليس كجسد أي شخص , إنه غريب ولا يمكن وصفه بأي شكل .. من يومها أدرك الوالد بأن هواجسه اتجاه ابنه قد أصبحت جلية وأصبح يشعر بالخوف والقلق الدائمين ..

يوما ما اختفى الفتى (إيثان) بعد أن أخبر صديقه الصغير عن سر طلب ألا يبوح به .. قال له أن مهمته انتهت وعليه أن يعود , وعندما سأله الطفل إلى أين ؟ .. قال له .. تعال معي وسترى , واختفى ذلك الطفل أيضا من يومها ولم يعثر أحدا لهما على أثر .. وانتقلت القصة الحضرية إلى عالم موغل في القدم سيعايشه صديقه معه , ليس كما يتخيله أي شخص وليس كما يذكر في الروايات ..

في قبيلة بدائية جدا تدعى "شكا شكا" يقف ذلك الصديق خلف خيمة مذهولا ومصدوما ينتظر شيء ما .. كان بإمكانه سماع صوت امرأة تصرخ بقوة وكأنها تتألم , ثم فجأة يخرج الجميع من الخيمة متهللين بولادة صبي صغير جدا , بدى جميل جدا .. لكن ما أثار استغراب ذلك الطفل أن أهل تلك القبيلة قدموا الطفل له وطلبوا منه أن يحمله .. فحمله بين ذراعيه متعجبا مما يحصل معه .. فجأة يستفيق ذلك الطفل بين ذراعيه فاتحا عينيه الواسعتين ومظهرا ملامح كبيرة .. فجأة تكلم قائلا .. مرحبا , مما دفع الصديق الصغير لإلقائه من يده مرعوبا وصارخا فتجمع حوله أفراد القبيلة يهدؤوا من روعه .. فجأة وقف الطفل المولود على قدميه ينفظ غبار الأرض عنه .. ثم نمى حتى أصبح بعمر الخمس سنوات أمام ناظر الجميع .. الطفل الصديق يحدق إلى ذلك الجسد يتشكل وينمو بسرعة غريبة خلال دقائق من ولادته .. صاح به ..

- أنا (إيثان) .. تعال لا تخف .. !!


أخذ يقترب خطوات وهو يرى أفراد القبيلة يعطوه دفعة ويشجعوه , استغرب لم لم يتسائل أحدهم عما حصل للتو .. عزم على الذهاب مع (إيثان) الجديد ليريه السر ومع الوقت اعتاد على تلك الغرابة التي تلف ذلك العالم الغريب والقديم .. 

ذهب (إيثان) بذلك الطفل الصديق إلى كهف قديم وواسع مليء بالهوابط والنوازل .. سار به في زقاقات متعددة الأحجام والأطوال حتى وصل إلى الفتحة التي يجب على من يريد دخولها أن يزحف على بطنه .. وبعد قليل من الغبار وصل به إلى قاعة دائرية في منتصفها وعاء كبير مصنوع من حجر من السماء البعيدة , ثم جثى (إيثان) على ركبتيه وطلب من الطفل الصديق أن يفعل مثله .. ثم جلس في وضعية ممارس اليوغا , ثم بدأ يتكلم ..


- "اسمي الحقيقي هو (نينا) , وهنا مسقط رأسي , لست أدري من هو والدي ومن هي والدتي .. استفقت هنا داخل هذا الوعاء , لكن سرعان ما غادرت هذا المكان إلى سجن من غشاء جلدي وردي اللون .. وما رأيته هناك في الخارج هي ولادتي الرابعة , لست أدري إن كانت هناك واحدة أخرى فالأمر مؤلم للغاية لأعضائي .. ففي كل مرة أبصر شيئا جديد , ما أبدوا لك عليه ليس حقيقيا .. عمري لا يمكنني حسابه وحجمي يتماشى مع مكاني .. أعرف أشياء ليس على البشر أن يعرفوها وإن عرفوها سيبكون جميعا .. أنا (نينا) , هاتِ يديكِ يا (عدرا) .. واسألي"


قال ذلك الطفل بغرابة ..

- أدرك في البداية أن اسمي ليس (عدرا) , وأنا لست أنثى !

رد عليه (نينا) ..


- اسمك سيكون (عدرا) , وستصبح أنثى .. عينيك على دم ولادتي في قارورة الغار , هناك , أتراها ؟ .. جئت أنا وتوأمتي والدم أخبرني بذلك , لهذا جبت كل الأزمان لأعثر عليها , وها أنتِ هنا يا أختي .. لعقتك وذقت طعمك وتشابه دمي مع دمك وعقلي مع عقلك .. وعقدتك أنك لا تشعرين بعمرك وغيّرك الزمن إلى أنت "فتى ذكر" وتظن أنك صغير وعمرك لا يمكن حسابه ولا عمري أيضا .. نقرتك نقرة بإصبعي يوما في المدرسة وفقتِ من طفولتك وعرفت جزءا من الحقيقة ... هلّا تضمينني الآن يا ... أختي !!

لم يتردد ذلك الصديق الطفل بل هم بمعانقة (نينا) بعمق وحرقة وكأنه يعلم الحقيقة .. في ترك اللحظة أخذ (نينا) بلعقه وتنظيف وجهه من شذرات الزمن , ثم حمله وطلب منه أن ينام في الوعاء الكبير .. غمضة عين وذهب ذلك الطفل الصغير في النوم الأبدي وطاف كل الأحلام ..


خرج (نينا) من كهفه يحمل حربته وذهب ليفعل أمر تاق لفعله منذ ولادته الأولى .. أن يقتل سيده , لقد اكتشف حينها أنه كاذب مخادع ضحك عليه كل تلك الدهور في حكاية أن أخته أكلتها عظائة الموت العجوز وسلمته حربة قالت أنها صنعت من عظام أخته ولا يمكنها أن تقتل أحدا من أي زمن .. كل تلك الدهور خبأ عنه قصة الوعاء وقارورة الغار , وتمرد وسافر بين الأزمان خلال خمسة ولادات فقط وإن استهلكها فإنه سيعلق في زمن ما وسيموت وستتألم عظامه .. خلال ولادته الثالثة وجد أخته وحملها معه عبر ولادة رابعة إلى قبيلة "شكا شكا" ثم اختفى إلى الكهف ..

الآن يقف أمام سيده بغضب لم يغضب مثله من قبل قائلا بصوت أبح يسبقه لهاث حار ..



- أنا (نينا) , لقد وجدت أختي (عدرا) .. إنها معي ..

ضحك ذلك السيد منه ضحكة جعلت كل تلك الكائنات عديدة الأرجل تختبيء في أرض الغابة .. قهقهة طويلة جعلت (نينا) يزداد غضبا واشتعالا ..


- توقف عن الضحك , قلت لك لقد وجدت أختي (عدرا) ..

نهره ذلك السيد غاضبا ..


- توقف عن ذكرها أيها الأحمق , قلت لك .. لقد ماتت , أكلتها العظائة , لكنك لا تقتنع بي وأضعت طبيعتك في التنقل بين الأزمنة .. أيها الغبي , هل تريد أن تصبح مثلهم .. تأكل وتنمو لك أعضاء وتفقد قدرتك على الحب وتتحول إلى كائن متكاثر .. هل تريد أن تغادر هذا المكان .. !!

رد عليه (نينا) .. 


- حسنا ..!


ثم غاب عن ناظريه عائدا إلى الكهف وكله أمل أن يرى ما يصبوا إليه .. ألّا يكذّبه حدسه الغريزي اتجاه توأمته , دخل الكهف بحذر حتى رسى أمام الوعاء الكبير محدقا مندهشا فرحا يريد أن يصرخ ويبكي , لكنه لا يريد أن يفسد العالم .. وجد أن أخته (عدرا) قد عادت لطبيعتها .. أنثى نزعت عنها قشرة ذلك الطفل الصديق , نزعت عنها ملابس ذلك الزمن وفِكر ذلك الزمن وشذرات ذلك الزمن في كومة بجانب الوعاء جعلت (نينا) يمضي وقتا في إزلتها قبل أن يحمل أخته عائدا إلى سيده ..



الشمس خافتة في وسط سماء تعلوها الصلابة , عند باب الكهف يحمل أخته بين ذراعيه وشعرها الطويل جدا يلتف حول عنقه .. يحملها ويسير ويسير حتى انتصب أمام سيده يقدم له برهانا عن زيف ادعائه .. عن كذبه الطويل .. 

- أنظر يا شرذمة , هذه أختي (عدرا) .. جلدها أملس ورائحتها كرائحتي ولها طعم كطعمي .. ألديك حجة ..


في تلك اللحظة بدت الفوضى تعم ذلك السيد , الصوت يسبق لسانه والنور يسبق عينه وبدأ يرتجف ثم بدأ عرشه يذوب في نهر أخضر .. هنا كان على (نينا) أن يطهر دنياه من خطيئة طويلة ارتكبها هذا المخلوق .. وضع أخته تحت شجرة بازيلاء ثم عاد بحربته ينهي الأمر وينال حريته وينهال على نفسه من المعرفة الخفية .. طعنه بحربته في قلبه ثم نزعها وقد جفّت وجرى نهر من الدم القاني يجري إلى مستقر الشمس في الطفح الجبلي حيث ستشرب منه الوحوش البهيمية التي لا بد لها أن تحبس هناك ..


عاد إلى أخته مطلقا آخر لهثة غضب وجلس بجانبها يلعقها وينظفها .. ثم نقرها بإصبعه حتى استفاقت , فبدت أحسن شيء يمكن لكوكب الأرض أن يحمله , وبدت منهل المعرفة لأي بشرية تطلبه .. حملها بشعرها الطويل إلى نهر "أوز أوز" عند مدرسة حوريات البحر أنصاف السمك تعلمها الذهب الأبيض لتعود إلى طبيعتها الأم ... أول ولادة سبقت كل الولادات أضاعتها مخلوقات بين الأزمنة .. إنه عصر جديد ستسر به قبيلة "شكا شكا" ..

داخل الكهف الذي يصطف خلفه كل أفراد قبيلة "شكا شكا" ينتظرون القرار من (نينا) .. قرار صعب لآخر ولادة مكررة , ولادة ستغادر بالتوأمين الفريدين إلى زمن آخر سيكتب عليهما فيه بالموت والأكل والتناسل وضياع الحب والعاطفة .. طال وقته داخل الكهف والجميع في الخارج حزينون ينتظرون برقة بالغة قراره النهائي .. يدركون أنه تعذب وتعب وآن أن يتفرد بأخته آخر نوع منه ..


بعد ذلك الوقت خرج (نينا) من الكهف يحمل أخته ذات الشعر الطويل يلفه حول عنقه .. يريد أن يتكلم وهو يبكي على تراب ذلك العالم .. يبكي بألم ..


- "يا شعب "شكا شكا" , لقد قررت أن أعيش مثل البشر في زمانهم .. هذا قراري وقرار أختي (عدرا) العزيزة .. اثبتوا فسيزوركم يوما نسلنا .. فالدنيا ستموت وكم سنعيش ولكن إلى الموت جميعا , سننتقل إلى رحم جديد آخر ولادة .. الولادة الخامسة , لا تبكوا علينا , هذا آخر شيء .."

يومها أغلقت الدنيا بسماء متلبدة وبرق قاصف بعنف .. داخل المستشفى أم تكافح لولادة توأم .. أول ولادة لها ظهرت على الدنيا , صبي وفتاة في غاية الجمال , لم ير أحدا يوما جمال كجمالهما .. يدعيان (إيثان) و (إيتا) ..



أمجد ياسين

27‏/6‏/2013

الصدى - الجزء الثاني

في ذلك اليوم لم يعد الأب , فرق كبيرة من الشرطة اختفت , سيارات اختفت .. أناس اختفوا , لقد فتحت بوابات ما كان لها أن تفتح سوى في مخيلات ليالي مظلمة .. سوى في قصص "المسجون في الغربة" التي كان (توماس) يقرأها كل يوم .. عن اختلاط عوالم ببعضها بسبب زيادة استنزاف الأرض , كل شخص سينحشر في زاوية لا تفتح إلا على الجانب المظلم منه .. حتى إن صرخ لن يسعفه صراخه .. فقط عليه أن يرضخ لأؤلئك الفضوليين القذرين , الذين لم يروا آدمي منذ زمن بعيد , عليه أن يتشبث بالأرض ليتحول إلى شجرة ويرتاح .. لكن لم يحصل يوما أن تحول إنسان إلى شجرة .


بــــــــلع العوالـــــــــــم

في الخمسينات من القرن المنصرم جرت أنشطة ومشاريع تحت اسم "الإرتباط البعدي" التي من شأنها أن تفتح عالمنا على عوالم ما كانت حاضرة حتى في كوابيسنا ,اُعتقد أنها أفضل لنا لنحصل على معرفة جديدة وكل ما في الأمر هي المعرفة العسكرية البحتة , لأن الوطن كان مدمنا على الحرب .. قريبا جدا وبالتحديد في 15 كانون أول عام 1995 أعلن الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) في خطاب قصير أن العالم سيتغير بشكل جديد , بالتزامن مع خطابه ألقى بابا الفاتيكان خطابا قال فيه .. ".. طالما حلم العالم بالسلام , ومحبة الرب هي السلام لكننا ابتعدنا عن الرب , الآن هو يرسل لنا هدية , هدية ليست فقط لنا , بل لكل الاكوان .. سيكون هناك أصدقاء جدد , معارف وعلوم جديدة , من منا لم يحلم بأصدقاء جدد من خارج مخيلتنا .. استعدوا لذلك اليوم , إنه قادم .." , عندما أنهى خطابه كان الجميع يصفق وفرح واستمر التصفيق نهارا كاملا .. ظهرت أحزاب متشددة تقول أن الرب جعل لنا من المعرفة الكثير , لكننا لم نصل إليها كلها بعد .. لكننا في خطوة إليها .. ولم يُفصَح عن مضمون أو ماهية تلك الهدية أو الإكتشاف الذي أحرزه العالم .. بعد سنين قليلة ظهرت تكنولوجيا متدرجة خيالية أبهرت العالم , قيل أنها من صنع علماء أفنوا عمرهم في مختبرات العلم ..


جاء طبيب آخر لغرفة (توماس) الذي أمضى ليلتين في غيبوبة , في النهاية استفاق فجأة وسط استغراب الطبيب وأمه .. سار إلى النافذة لينظر إلى النتوءات الأرضية التي اختفت , نظر إلى أمه والطبيب وقال ..

- "هذا هو كل الخوف الذي انتظره الإنسان" .

.. يا صغير لماذا تهذي , سيصح لك الكلام وستحظى بالأذن الصاغية عندما تكبر , توقف عن مشاهدة الكارتون .. غادر الطبيب بعدما اطمئن أن (توماس) بخير ..


في تلك الليلة كان (توماس) يقرأ كتابه "المسجون في الغربة" بينما أمه تسير ذهابا وإيابا كالمجنونة في انتظار زوجها , قطعت خطوط الهاتف والكهرباء كانت غير مستقرة .. "لا تنتظر أكثر مما ينبغي , فالإنتظار قاتل" هكذا كتبت (أميريسون إيميلي) في كتابها الذي يعشقه (توماس) , يقرأ تارة ويحدق في النافذة تارة وإلى أمه القلقة تارة .. وضع الكتاب جانبا وذهب إلى النافذة ينظر , قال ..

- أمي , لا تنتظري , فلن يعود أبي !!

قالت له بقلب منفطر ..

- أسكت (توماس) , لا تقل الفال على أبيك .. سيعود أنا متأكد ..

هرعت الأم و (توماس) عندما فجأة عاد التلفاز للعمل وعاد بث الأخبار .. ".. لا يمكننا تفسير ما يحصل .. تشويش .. الحكومة ساكتة .. كل شيء بدأ يختفي .. تشويش ..  ماذا قال المراقب للعاملين في مشروع "الإرتباط البعدي" , قال .. "أقفلوا المشروع !!" علانية بعد أكثر من 50 سنة من بدئ عمله , أعلنوها صراحة على التلفاز .. "نحن آسفون , ارتكبنا خطأ علميا , لا مجال للعودة .. الزموا أماكن نائية , اتركوا كل شيء له علاقة بالتكنولوجيا .. نحن آسفون ." ثم طردوا الصحفيين واختفى رجال الحكومة وكل من يمثلهم في سراديب تحت الأرض .. لقد انتهت الإتفاقية الزرقاء , ما عاد هناك ثقة .. جاؤوا ليغدروا , كانوا يخططون لذلك منذ زمن سحيق .. تشويش .. انقطاع البث .." .

- ما هذا الهراء الذي يهذي به هؤلاء , دعنا نرحل (توماس) .. الأمور غريبة ..

لكن (توماس) انسل من بين يديها هاربا إلى الشارع , راكضا بكل قوة جاعلا أمه الثكلى تركض خلفه حتى أضاعته .. ذاهبا إلى المدرسة , دخل من البوابة , كان القفل مكسور .. أصوات قرع نعال على الدرج , صوت المعلمة تشرح داخل الصف .. منتظرا قليلا حتى جاءت تلك الفتاة ممسكة بيده ..

صوتها غائر جدا ..

- تعال (توماس) , لا تخف .. اليوم آخر يوم في المدرسة , لقد جاء الصيف ..

ناداها ..

- (إيميلي) .. سوف يغادرون المبنى قريبا , اقترب الوقت ..

لم يعهدها تبستم عميقا له هكذا , هزها باكيا ..

- أتفهمين (إيميلي) , أنت لك ذكرى وضعتيها في الكتاب .. أريد استرجاع أبي , لا أريد لهذا أن يحدث .. هذه نهاية , هذه نهاية .. 

فُتح باب الصف وإذا بالمعلمة تناديه ..

- (توماس) , من كنت تكلم .. دائما تتأخر ودائما تبكي , تعال يا حبيبي ..

يفتح عينيه ليرى تلك اللمبة مترددة في الإضاءة , وعندما يغلقها يرى وجه المعلمة .. 

- علي أن أفسر .. !

- لا تفسر (توماس) , لا تخبر أحدا .. الزم الصمت ..

هذا يوم سترى فيه الناس يشعلون نار المحرقة , سيضعون فيها حواسيبهم وهواتفهم النقالة وتلفازهم وسياراتهم .. أشياء مليئة بالأسلاك اعتدت أن تراها دائما , تذكرها فقط وارسم لها لوحات , أخبر من بعدنا إن كان هناك بعدنا أننا كنا متطورين .. إياك أن تفتح عينك .. !

في صباح اليوم التالي اكتظت المدينة بالسيارات التي تحمل بداخلها أناس يودون الهرب مما يجري .. كانوا يظنون أن ما يحدث لم يبدأ بعد .. في منتصف الطريق تجمع الهواء مشكلا لولبا مسطحا بلع الإكتظاظ كاملا .. ثم هدأ الزمير , رمشة عين لتجد الشارع خالي .. وخلف المدينة ترى نارا ودخانا أسود يتصاعد , اختفى نصف الجيش بعدما حاول إجلاء السكان بعرباته .. أما الباقي فعجزوا عن الإتيان بأية مساعدة .. في تلك الليلة كانت مدينة لندن مظلمة بشكل كامل , لم ينر ضوء كهربائي واحد .. 

وجدت الأم (توماس) نائما في غرفته على ضوء شمعة خافت وذلك الكتاب بجانبه .. حملت الكتاب بهدوء , كان بإمكانها أن تقرأه في الظلمة , الكلمات منيرة من تلقاء نفسها .. " ابتسامة طويلة عندما يأتون إليك , يحاكمونك وليس بينهم أية قاضي , الهستيريا تصيبك بالخدر وتبدأ في قول أسرار لم تدرك كيف تقولها .. ستكون قد اعترفت وتحررت ولكن يشترط عليك أن تسير في ظلمة ليلة عاصفة حاملا شمعة .. ستفكر أنك خارج سجن وعندما تدرك الحقيقة ستكون نهاية التفكير .." .

صعقة أصابت الأم , كأنها تعرف الكلمات .. ثم تقول أنها لا تعرفها , انطلقت إلى النافذة .. من كل نتؤات الأرض برزت حبال ضوء محيطة بها , وهي تحملق مستغربة .. إذا بـ (توماس) يأخذ بيدها ويطلب منها أن يغادرا المكان .. وآخر حبال الضوء يكتمل عندما وصلا إلى المدرسة .. قال لها ..

- دعينا نبقى خلف البوابة .. 

وهي من صدمتها لم تعرف كيف تسأل , متى عاد , وماذا يجري .. ! , يراقبان حبل الضوء كيف يلتقي .. ثم فجأة تنير كامل المدينة وكامل ناطحات السحاب وكل الطرقات إلا المدرسة .. ثم يُبتلع كل شيء وتعود المدينة جرداء .. بدت المدرسة كأن عمرها آلاف السنين , (توماس) ينظر إليها مطمئنا .. وأمه ترتجف رعبا ..

- (توماس) , هل هذا حقيقي ؟

ضمها إليه محاولا تهدئتها .. عليهما الآن أن يخرجا إلى الحشائش .. الصورة القديمة للعالم .. عليه أن يكون قلقا وحذرا ومترقبا , لم يقرأ يوما ولم يتسن له أن يقرأ عن البداية .. فقط يسير باحثا عن الناس , يجب أن يكون هناك أناس مختبؤون .. 

لم يتسن له أن يبق مع أمه لأنها سقطت في جحر الأرنب العميق , وهو تعثر بين الحشائش وواجه الكثير من "المرشدين" الغريبي المظهر .. جل ما كانوا يقولوه ..

- تعال ! , تعال !

فقط هرب عائدا إلى المدرسة , لاجئا إلى الصف متمنيا أن يسمع صدى أحد , صور , أصوات , تمنى أن تؤنسه تلك الفتاة , تمنى أن تسأله المعلمة "أين تقع جبال الأنديز ؟" ليخطئ ويسمع أصوات الضحكات , كان عليه أن يغفو حقا , ظن أنه مجرد كابوس , حلم .. هكذا ينام في أكثر الأيام غرابة ورعبا , بدون شمعة ولا فانوس .. تحت جدران مهترئة معشوشبة .. منتظرا الصدى ..



السيناريو يكتمل في القصة القادمة .. أمجد ياسين


26‏/5‏/2013

الصدى - الجزء الأول

أعتقد أن الأمر غريبا جدا , في كل مرة أسمع والداي يتهامسان ... هناك مشكلة في الصبي .. لكني لم أدر أية مشكلة التي يتحدثون عنها .. كل يوم يأت رجلا يحمل حقيبة إلى بيتنا , يتفحصني ويذهب .. كان يخبرهم  أنني  أعاني من شيء غريب .. ربما لم يكتشف بعد وربما ينال ذلك الرجل شرف اكتشافه ..


في صباح ذات يوم كان الوالد يصرخ بصوت عال على ابنه لأنه لم يرد الذهاب إلى المدرسة , أصر أنه لا يريد الذهاب لأنه يظن أن هناك معلمة متوحشة لها أنياب , ما كان من الوالد سوى طمئنته وإخباره أن الناس ليسوا وحوشا .. في النهاية اقتنع الطفل وذهب بسيارة والده ..


عند الساعة الثامنة وربع توقفت السيارة عند بوابة المدرسة ونزل الفتى وودعه والده .. كان يوما هادئا جدا , كان يعرف أنه تأخر عن الدوام المعتاد .. دخل ببطئ من البوابة ثم توقف يحدق في القفل المكسور .. شعر بخوف شديد , عندها كان والده قد ابتعد كثيرا ولا مجال للعودة .. لأول مرة يسمع صدى قرع نعله على الدرج , لا يعقل أن يكون الجميع في الصفوف هادئين بهذا الشكل ,لا أحد في الأرجاء , كيف يُكسر قفل المدرسة ؟ , لقد بدأ الهاجس الذي يخبره كل ليلة أنه سيضيع .. لم يتوقع أن يضيع بهذا الشكل .


عندما وصل إلى الطابق الثاني سمع صوت إغلاق الأبواب بعنف في الأسفل .. أصابه انهيار عصبي وتجمد في مكانه وأخذ يبكي , كان يرى ما حوله بغشاوة بسبب غزارة الدموع , ثم فجأة وجد من يمد له محرمة ليمسح دموعه , كانت فتاة  .. قالت له ..

- تعال !

- قال لها ..

- إلى أين ؟

- قالت ..

- مابك ؟ إلى الصف .. !

كان سمعه شديدا حتى أنه سمع وقع يدها على مقبض الباب , ثم ذاك الصرير المزعج البطيء ينتشر صداه داخل رأسه .. ماذا خلف الباب ؟ هل هذه الفتاة حقيقية ؟ ... ثم فتح الباب , فأغمض عينه ثم فتحها رويدا رويدا ليسمع صوت المعلمة تناديه ..

- (توماس) تعال , لم تبك يا حبيبي ؟ لا تخف .. اقترب !

تنفس الصعداء واقترب منها بحذر , جل نظره تركز على فم المعلمة باحثا عن أنياب , لكن لم يكن هناك شيء .. ذهب ليجلس وسط نظرات زملاؤه بين مبتسم ومحدق فيه .. جلس خافضا رأسه وعادت المعلمة لشرح الدرس .. 

بعد فترة , سألت المعلمة فجأة ..

- (توماس) , أين تقع جبال الأنديز ؟

ارتبك ولم يستطع الإجابة , شعر بأحدهم يضربه بإصبعه ويهمس ..

- تقع في الأرجنتين (توماس) .. أجبها ..

التفت خلفه وكانت تلك الفتاة التي أعطته محرمة , شعر بالثقة وهو ينظر لوجهها , كأنها تخبره ألا يخشَ شيئا .. قال للمعلمة ..

- تقع على كوكب الأرض .. !!

علت الضحكات والسخرية من حوله حتى أنه لم يعد يسمع شيء ولم يعد يرى سوى شفتي المعلمة تتحركان وكأنها كانت تقول شيء ما .. ثم ذهب كل شيء .. فتح عينيه ليجد نفسه يجلس على أريكة ويحمل في يده كتاب .. هذا ليس حقيقي , فلا يمكنه تحريك أي عضو من جسده .. ثم عاد المشهد .. كان الجميع  في ساحة المدرسة .. وهو واقفا عند البوابة التي رآها أول مرة , لكن لم يكن هناك قفل مكسور , المدرسة تعج بالحركة والطلاب , بعد برهة قرع الجرس وانطلق الجميع إلى الحصة , وذهب خلفهم ثم عاد ليسمع صوت صدى أقدامهم وصدى صوتهم يتردد , قبل أن يصعد الدرج رأى سماء سوداء من بعيد ..

كانت هي هي .. نفس المعلمة ونفس الحصة ونفس الوقت يتكرر , لكن هذه المرة لم يكن (توماس) متأخرا .. ما كان متغيرا فقط هو أن تلك الفتاة لم تكن موجودة .. أخفض رأسه وأخذت المعلمة تشرح ..

بعد فترة , سألت المعلمة فجأة ..

- (توماس) , أين تقع جبال الأنديز ؟

رفع رأسه وقال ..

- تقع في الأرجنتين .. !!

قالت له المعلمة .. أحسنت وأخذت تصفق له وطلبت من الجميع أن يصفق له .. بينما هو ينظر خلفه ويقول .. شكرا للمساعدة !! ..

انتهى الدوام وقرع جرس المدرسة , لذا كان على (توماس) أن ينتظر والده عند بوابة المدرسة .. الغريب أنه عندما وصل البوابة اختفى كل الأولاد وعاد ليرى القفل المكسور .. ثم أظلمت السماء بغيوم قاتمة وهبت رياح قوية .. شعر بخوف من وحدته حتى طلّت سيارة والده من بعيد , كلما اقتربت بدت مختلفة وغريبة عما يألفه .. توقفت بجانبه سيارة سوداء قاتمة حتى زجاجها .. فتح الزجاج وسمع صوت من بين الظلمة يقول له ..

- اصعد (توماس) !

حاول (توماس) أن يلمح أي شخص داخل السيارة لكنه لم يستطع من شدة الظلمة , لاحظ شيء آخر وهو اشتمامه لرائحة كبريت تنبعث من داخل السيارة .. لم يصعد من شدة خوفه وسأل برهبة ..

- من أنت ؟ .. أنت لا تبدو كأبي !

قال له الصوت ..

- هذا ليس وقته (توماس) , هيّا قبل أن يسوء الجو ..

بالفعل , بعد برهبة بدأت تمطر مطرا ساخنا جدا وامتلأ الأفق بالبخار والضباب الكثيف .. لم يكن من (توماس) سوى الصعود إلى السيارة الغريبة .. جلس في مقصورة سوداء شعر فيها ببعض البرد , لم يكن هناك شيء يمكّنه من رؤية السائق , فقط جدار معدني بينه وبين السائق , (توماس) كان مرعوبا جدا حتى أنه سأل وأسنانه تقرقع ..

- من أنت سيدي , كيف أراك , وإلى أين تأخذني ؟

أجابه ..

- لا تخف (توماس) , توقف عن الرجفان , ستعرفني وتراني قريبا عندما نصل إلى البيت ..

توقفت السيارة عند بناء ضخم هرمي الشكل , ثم جاء أشخاص يلبسون الأسود ووجوههم غير واضحة المعالم وفتحوا الباب للسائق .. حاول (توماس) أن يراه بصمت .. لكنه لم يقدر على ذلك لأن الزجاج ما عاد شفافا فجأة .. بينما كان يحاول أن يعرف ما المشكلة فُتح الباب وكان أمامه أحد أؤلئك الأشخاص الغريبين يمد له يده ..

شعر (توماس) بنوع من الطمأنينة رغم خوفه واستغرابه .. نزل من السيارة فوجد أن أشخاصا آخرين قدموا لإصطحابه بطريقة رسمية وكأنه شخصا مهما .. أدخلوه إلى ذلك المبنى الغريب فقد بدأت أضواء تنير على طول طريق الدخول وصولا إلى مصعد حمله إلى أعلى حيث مكان مرتفع جدا مبني من كريستال أسود قاتم , هناك تركه الجميع وأغلقت الأبواب .. الشيء الذي قتل خوفه وصدمته وجعله يتحرك هو رؤيته للأريكة وعليها كتاب .. تلك الأريكة التي رآها فجأة وهو داخل الصف .. 

ناداها صوت من خلفه ..

- لا تستغرب (توماس) , استيقظ وستجد أن كل ذلك حقيقي .. لقد زرت هذا المكان من قبل , أليس كذلك ؟! ..

التفت (توماس) بخوف ..

- من أنت سيدي , لم لا تظهر .. لم لا أراك .. ما هذا المكان ؟

قال له ..

- كيف والغيوم تملأ رأسك .. استيقظ , إذهب إلى الأريكة واقرأ الكتاب ..

تقدم (توماس) رويدا رويدا وجلس وحمل الكتاب , فتحه وقرأ ..

"كنت هنا حتى قبل أن تولد , لست بحاجة للخوف لأنه سيدمر قدرتك على الإستيقاظ .. أنت هنا لأجل شيء واحد .. أوصل رسالتنا , أطلق جذورك لتتغلغل داخلنا .. أنت مميز وقد اخترناك لتحذّر من "بلع العوالم" !!"

التفت (توماس) متعجبا ..

- ما معنى هذا سيدي , لا أستطيع أن أفهم .. 

قال له ..

- أنا هو الكتاب الذي بيديك , أنا حاكم هذا العالم وأنا من بنيته .. يوشك كل شيء على الإنهيار , لا يمكن أن يتحمل أكثر .. استيقظ وحذّر الناس .. فكّر بمن تحب واستيقظ (توماس) ..

لم تأت في ذهنه سوى صورة تلك الفتاة التي ساعدته في المدرسة , حاول أن يتذكر وأن يسأل وعندها ظهرت أطياف من ملامح من يكلمه .. كان أغرب شيء يمكن أن يراه في حياته ..

فتح عينيه ..

كان في سريره في غرفته .. هناك صوت في الخارج ثم فتح الباب .. تقدم ذلك الطبيب من جديد وأخذ يتفحص (توماس) .. هذه المرة لم يكن (توماس) هادئا وخجولا كعادته .. نهض فجأة وصرخ في وجه الطبيب ..

- لا أشكوا من شيء , دعني لوحدي .. عد لبيتك ..

قال له الطبيب ..

- اهدأ بني , ستكون على ما يرام , لا تخف ..

أخذ (توماس) يهز والده بحرقة مخاطبا إياه ..

- أرجوك أبي , دعه يذهب .. لا أريده هنا .. لا أشكو من شيء .. 

طلب الوالد من الطبيب أن يغادر معتذرا له .. ثم أغلق باب غرفة (توماس) , وسط خوف واستغراب وقلبه الذي يخفق بسرعة وتنفسه المتسارع يحاول أن يتذكر وأن يستجمع ما حصل , وصورة تلك الفتاة في مخيلته .. محاولا النوم لكن دون جدوى .. بعد فترة نام فعلا بعمق ..

استيقظ فجأة على ضجة واهتزاز عنيف , دخل الوالد إلى غرفة (توماس) وحمله وخرج هو وزوجته خارجا .. كان هناك عشرات الناس في الخارج , خائفون ومرتابون وقلقون ويصلون .. سأل (توماس) والده ..

- ماذا يجري أبي ؟

قال له ..

- لا تخف بني .. يبدو أنه زلزال !!

انقضى الليل المخيف على صراخ الناس وصوت الهزات المتتالية ..

في الصباح هدأ كل شيء , لم تتضرر أي بناية ولم يصب أحدا بأذى .. عاد الجميع لبيوتهم وجلس (توماس) ووالده ووالدته أمام التلفاز ونشرة الأخبار تبث ..

" .. ضربت ليلة أمس سلسلة من الهزات مدينة لندن وضواحيها .. حسب التقارير أن أغلب مدن العالم تعرضت للهزات بالتزامن مع هزات مدينة لندن .. تخبر دائرة الرصد والزلازال المواطنين الأعزاء أن الخطر انحدر , وتدعوا الجميع للعودة لمنازلهم وتؤكد لكم أن الخطر قد زال .."

رفع (توماس) وجهه إلى أبيه محدقا ملفتا انتباه والده .. سأله ..

- ما بك (توماس) , هل أنت بخير ؟ أرأيت كل شيء سيكون على ما يرام !

قال توماس بصوت سمع والده صداه يتردد في رأسه ..

- لا

لبس والده لباس الشرطة ليلتحق بعمله ذلك الصباح فقد كثرت تقارير الحوادث في أرجاء لندن بعد الهزات الأرضية ... هم بالخروج إذا بـ (توماس) يتشبث بقدمه ..

- حذّر الناس أبي , أنقذهم .. لقد بدأ "بلع العوالم" .

ربت الأب على رأسه مبتسما وقال ..

- حسنا , ولكن توقف عن مشاهدة أفلام الكارتون ..

ذهب (توماس) لغرفته وأخذ يراقب من النافذة ليرى شيئا مخيفا .. الأرض تتصدع محدثة نتوءا بارزة في الأرض , هرع نازلا إلى أمه ليخبرها فسقط على رأسه داخلا في غيبوبة ..


يتبـــــــــــــع في الجزء الثاني - أمجد ياسين

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2021