23‏/1‏/2014

بقية الجحيم

الدنيا غريبة , مجرد شعور يتخلخل عبر مسامات الحائط من الفراغ الهائل الذي يقبع هناك منذ سنين طويلة , إن أحر شهور السنة هي أبرد شهور السنة وأبردها هي أحرها .. إن كلمت رجال الدين سيقولون لك أن النهاية قريبة , ذلك الوقت سيتمكن فيه الناس من رؤية  الشياطين بوضوح ....

في شهر منتصف الصيف اجتاحت نصف العالم الغربي عاصفة رهيبة لدرجة أنك تظن أن العاصفة ابتلعت العالم بأكمله ولن تصدق أن أحدا في جانب العالم يعاني من الحر الشديد , ستكون الفكرة مجرد ترهات .. وحتى أنك لن تضطر للتفكير أو الإهتمام عندما تكون في سجن بعيد عن ظروف الحياة , لن تهتم هناك بالعواطف ولا بالمشاعر ولا بالفكرة ولا بالفضول .. ستكون شخص صارم صلب قاس وحش يختبيء داخل كومة جلد بشرية بريئة .. تريد أن تأكل شيء لا يؤكل وتمر السنين دون أن تسأل أو تتكلم وستفقد الإهتمام بالوقت وستفتفتد حقا رؤية نفسك بالمرآة ..

عندما ترسم الكائنات على وجهها سمة البشاعة , هذه حكمة الرب في أهل الجحيم , لا يمكن التفريق بين جحيم الأرض والجحيم هناك .. الآن سيعلنون أنه وجب عليك أن تتوقف عن قتل البشر , في ليلة تعاين فيها أعلى وأخفض درجة حرارة في تاريخك , تلقى في مكعب شبه عار ولا أحد يلطف بك .. فيه أعلى نسبة بكتيريا وطفيليات في العالم , تأكل جلدك وأنت حي , دماغك يذوب من الهلوسات .. أصوات غريبة من كل مكان .. لكن في النهاية تنام نوم المصروع المنهك ..

أطول ليلة في التاريخ يحلم بها أطول رواية حيث سينتي كل شيء غدا معلقا على حبل .. ما أن حلّت الساعة الثانية بعد منتصف الليل حتى ارفعت درجة الحرارة إلى 40 درجة فتبدأ في ذرف العرق وتبدأ بالنضوج .. لكن لا شعور لأن الحلم سيأخذ بقية الجسد إلى مكان آخر ويترك ذلك الملقى يتعفن .. ربما يدفنوه في الصحراء وربما يرموه للوحوش ..

"كانت هناك عائلة تسكن في منزل من ثلاث جدران له نافذتان وليس هناك باب أو سقف , عندما تمطر السماء لا يصل المطر إليهم .. الأغرب أنه إن أرادوا الخروج فإنهم يتسلقون السقف .. ينظر إلهم من خلف نبتة صبار يقتربون من البحر لكن البحر سرعان ما يجف , ومع انحسار الماء يظهر هناك حوت ضخم يصارع الموت .. بعد برهة يتشقق لتخرج منه شجرة عملاقة تغرس جذورها في الأرض .. رأسها يناطح السماء وتقطر بالقطران وتنبت رؤوس الشياطين .. تلقي بثمارها في كل العالم لتنبت المزيد من الأشجار ويغرق العالم في الضباب .."   .

 يستفيق وهو يرى ثلاثة يجرونه من قدميه إلى نهايته , ليس مضطرا للبس اللباس البرتقالي , القانون الجديد ينص بدهن أجسادهم بالقطران ثم يعلقون على حبل من الحديد المشيك .. لم يكن هناك من يحضر مراسم القتل تلك , كان أشبه بكلب أجرب يتم التخلص منه حتى لا ينقل وبائه للناس .. وما أن بدأ اثنين منهم بمحاولة ربطه بالحبال المشيكة حتى بدأ يرى كل شيء كأنه ضباب .. يحاولان جاهدين الإمساك بالحبال لكنها بدت كالوهم أو السراب .. اختفت المادة حتى صرخ الضابط باحراقه , لكن النار لم تشتعل لأن السماء أخذت الهواء .. هبت ريح حارة من الشرق وهدر صوت قاصف تشققت منه السماء فمات أو اندثر الجميع .. تبخر كل شيء حتى أصبح بإمكانه الخروج والتحرك والإنطلاق حيث يريد .. أصبح بإمكانه اختراق الجدران .. عندما هرب وجد نفسه في وسط الصحراء ..

كان الوقت ظهرا وظهرت البرودة الشديدة لتشعل الجليد في الأرض بينما هو شبه عار يواجه ذلك العذاب .. دفعته الرياح بقوة وألقت به أمام بحر كبير جدا .. لا يمكن التنبؤ بنهايته , السماء تدور باللولبات السحبية وهناك تشققات كثيرة في الأعلى .. شاهد بقرب البحر البيوت المثلثة .. بالقرب منها فقط كانت تمطر السماء بالهلام , الأرض لزجة وهناك أصوات أشبه بأصوات العبادة .. اقترب منها ونظر من نافذة إحداها .. رآى كائنات لديها ذنب يتعبدون لتماثيل على هيئة حوت .. وما أن ينتهي المطر حتى يخرجون كالجراد من السقوف منطلقين نحو البحر .. هناك يضحون بأصغر أبنائهم ويقطعوهم إلى أشلاء ويلقونها في البحر فيجف مظهر العملاق الراكد داخله .. إنه ما يسمونه "حوت أزمير" , يتحول إلى شجرة عملاق تخترق السماء وتمطر بثمار غريبة وقطران فيحل الليل داكن ..

فجأة توقف بجانبه قطار غريب فخرج منه أحدهم يصيح .. "الرحلة إلى "أزمير" .. لا يجدر بك البقاء هنا طويلا !!" فدفعه إلى الداخل .. فارتفعت درجات الحرارة كثيرا والتهب القطار الذي كان يسير بسرعة شديدة وبدون صوت , لا يسعك سوى رؤية نيران عظيمة تلتهب خلف نوافذه , ثم يأت أحدهم يوزع على الراكبين كتب صغيرة مكتوب عليها "دليل أزمير" وما أن وصل إليه حتى توقف وسأله ..

- هل أنت صاحب السجن الملعون ؟

قال له برهبة ..

- لست ملعون سيدي , اليوم حكم علي بالإعدام بطريقة بشعة .

صاح به ..

- اخرس أيها الغبي .. لو لم تكن ملعون لما دخلت هذا القطار , خذ واقرأ ..

"إنها رحلة من ألف سنة إلى مسافات كبيرة , كل الملعونين هنا لهم شرف الوصول إلى "أزمير" مملكة الجحيم .. ليس لكم خلاص ولا سبيل للنجاة , القطار يسير لألف سنة فعدوا على أصابعكم وحافظوا على نبض قلوبكم , حاولوا تجنب الصرخات .. للمساعدة انتظروا البقية تسمى "بقية الجحيم" ..

هنا بدأ الراكبين بأكل أنفسهم وبالصراخ وما رأى إلا ذلك الشخص يطلب إليه صارخا أن يفعل مثلهم , ثم بدأ يضربه .. "تخلص من جسدك أيها الملعون" .. بعد أن يئس منه ذهب فعم الهدوء في حجيرة القطار تلك ثم هم الجميع بالخروج وهم ينزفون ومقطعي الأشلاء ..
ذلك لم يكن مبشرا بالخير , دخلت دفعة جديدة من الراكبين لكنهم الأكثر رهبة في تاريخ مخيلته .. وحوش عديدة الأرجل وكائنات لزجة وكائنات تزحف تخرج منها سوائل وروائح نتنة .. ما وجد إلا إحداها يجلس على الكرسي مقدمته ويصدر صوت مخيف ورائحته لا تطاق .. على ما يبدوا أنه كان جائع لكنه لم يبد أية ردة فعل اتجاه من يجلس مقدمة منه .. 

بعد برهة عاد ذلك الشخص ليوزع كتب صغيرة تحمل عنوان "بقية الجحيم" .. " لم تقدروا على فعل ذلك .. اختبرو الأسوأ , تجنبوا الألم وخلصوا قبل أن تُخلّصوا .. تمت مضاعفة الرحلة لألفي سنة .. أنتم الأقل حظا في "أزمير" .."

ما هي إلا لحظات حتى بدأ الرعب في مشهد دموي , كل واحد بدأ في أكل الآخر , هم ذلك البشع أمامه بالهجوم لكن فجأة انخفضت درجات الحرارة كثيرا فتجمد المكان وكل أؤلئك اللزجين البشعين .. كانت تلك الحجيرة لا تحتمل ولا يمكن تصور فظاعتها .. يسير ببطئ محاولا الخروج وهو يسمع صوت الجليد يتكسر عن ركبتيه .. ثم بدأ القطار يهتز وفتحت نوافذ على بحر عظيم وأخذ يقذف العديد من الملعونين في ذلك البحر , من ليس لديهم شرف الوصول إلى "أزمير" .. بينما هو ينظر والفجوة تحاول إبتلاعه كانت الشياطين تطرق على عنقه بأصابعها وتترك ندوبا تنمو بسرعة كالمرض الخبيث الذي يأكل اللحم .. ثم رآى ديدان تنمو عليه وأحد أؤلئك الشياطين يهمس له ..

- لم ينته الإختبار بعد !

يعطوه الجزء الثاني من "بقية الجحيم .. أبناء أزمير" .. "مقدرا لك أن تبق وتقابل الحوت , لست مؤهلا لتحيى ولست مؤهلا لتكون إنسانا .. المحطة التالية 500 سنة , عملية اعداد جسمك .. وكل الإختبارات طوال الألف سنة القادمة ستؤهلك للوصول إلى "أزمير" .."

توقف القطار في مكان أسود يخرج الجميع ليدخلوا فيه ثم يعودون إلى القطار وقد اكتسبوا أشكالا مختلفة .. يصيح ذلك الشخص ..

- تهانينا لمن تم اختياره .. تخطيتم أخف المراحل صعوبة .. ولتصمدوا ويجب أن تصمدوا يجب أن تناموا الألف سنة القادمة ..

ثم قام بتوزيع حبوب سوداء تشرب مع القطران فغفى الجميع أو مات .. لا يمكن الشعور عندها أنك بشري , يمكنه أن يرى نفسه معلقا للإعدام واثنين يحاولان ربطه بينما هو يحاول افتراسهما .. عندما دخلت الأرض عصر المسوخ وقامت "أزمير" بابتلاع الشمس خرج الجميع في مناهضة المسوخ , كان هناك قتل كثير وتم انتقاء المجرمين لدخول القطار الذي يبعد ما يقارب من 1500 سنة من الآن .. سرت شائعات عن مملكة "الدرادو" البيضاء التي تنتقي أفضل الخلق ..

لم يطق صبرا ليذهب لتسجيل نفسه لتلك المملكة , لكنهم أوقفوه بعد أن عرفوا أنه من "أزمير" .. فتسائل " أليس هناك خلاص للشياطين" .. فأخبروه أن يلق بنفسه إلى البحر قبل أن يصل إلى "الحوت" لأنه هناك لا رجعة , فأعطوه حبة بيضاء تشرب مع الماء فلم يتردد بأخذها .. هنا بدأ يتلوى وهو نائم في قطار "أزمير" وجسده يحاول إرجاع شكله فلفت انتباه من يشرف عليهم حتى صاح بالجميع ..

- الأعداء يخترقون القطار ..

هنا استفاق وفتح عينيه ونهض متمايلا والشياطين تحاول الإمساك به , لكنها لا تقدر فقد أصبح كالضباب أو الوهم حتى ألقى بنفسه إلى البحر ثم نام ولم يفق إلا في مكان أبيض جدا ..

عندما فتح عينيه وجد المئات من الناس يحضرون مراسم إعدامه وكانت هناك كل عائلته .. بكى كثيرا حتى صاح "أليس هناك خلاص للشياطين ؟" فسقط الحبل واختفى السجن واستفاق في مستشفى .. 

بعد 10 سنوات استفاق من غيبوبة دخل فيها بعد أن سقط عن شجرة مثمرة , كان بعمر 10 سنوات حينها .. خافت أخته عليه كثيرا فهرعت تركض وسط الغابة لتخبر أهلها لكن النهر ابتلعها .. فحكم عليه في محكمة الجحيم أنه قاتل ..


أمجد ياسين

4 تعليقات :

Pretty Yoyo يقول...

رائعة كعادتك اخى ...^_^

أمجد ياسين يقول...

السلام عليكم ..

شكرا أختي العزيزة "بريتي يويو" على تعليقك ..

شكرا لك

حصان يقول...

قصة رائعة
لك شكرا جزيلا
سوف اقرأ جميع رواياتك في وقت لاحق
الى اللقاء صديق حصان

أمجد ياسين يقول...

شكرا صديقي حصان على زيارتك
أتمنى ان تعجبك رواياتي ..

تحياتي لك

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017