27‏/6‏/2013

الصدى - الجزء الثاني

في ذلك اليوم لم يعد الأب , فرق كبيرة من الشرطة اختفت , سيارات اختفت .. أناس اختفوا , لقد فتحت بوابات ما كان لها أن تفتح سوى في مخيلات ليالي مظلمة .. سوى في قصص "المسجون في الغربة" التي كان (توماس) يقرأها كل يوم .. عن اختلاط عوالم ببعضها بسبب زيادة استنزاف الأرض , كل شخص سينحشر في زاوية لا تفتح إلا على الجانب المظلم منه .. حتى إن صرخ لن يسعفه صراخه .. فقط عليه أن يرضخ لأؤلئك الفضوليين القذرين , الذين لم يروا آدمي منذ زمن بعيد , عليه أن يتشبث بالأرض ليتحول إلى شجرة ويرتاح .. لكن لم يحصل يوما أن تحول إنسان إلى شجرة .


بــــــــلع العوالـــــــــــم

في الخمسينات من القرن المنصرم جرت أنشطة ومشاريع تحت اسم "الإرتباط البعدي" التي من شأنها أن تفتح عالمنا على عوالم ما كانت حاضرة حتى في كوابيسنا ,اُعتقد أنها أفضل لنا لنحصل على معرفة جديدة وكل ما في الأمر هي المعرفة العسكرية البحتة , لأن الوطن كان مدمنا على الحرب .. قريبا جدا وبالتحديد في 15 كانون أول عام 1995 أعلن الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) في خطاب قصير أن العالم سيتغير بشكل جديد , بالتزامن مع خطابه ألقى بابا الفاتيكان خطابا قال فيه .. ".. طالما حلم العالم بالسلام , ومحبة الرب هي السلام لكننا ابتعدنا عن الرب , الآن هو يرسل لنا هدية , هدية ليست فقط لنا , بل لكل الاكوان .. سيكون هناك أصدقاء جدد , معارف وعلوم جديدة , من منا لم يحلم بأصدقاء جدد من خارج مخيلتنا .. استعدوا لذلك اليوم , إنه قادم .." , عندما أنهى خطابه كان الجميع يصفق وفرح واستمر التصفيق نهارا كاملا .. ظهرت أحزاب متشددة تقول أن الرب جعل لنا من المعرفة الكثير , لكننا لم نصل إليها كلها بعد .. لكننا في خطوة إليها .. ولم يُفصَح عن مضمون أو ماهية تلك الهدية أو الإكتشاف الذي أحرزه العالم .. بعد سنين قليلة ظهرت تكنولوجيا متدرجة خيالية أبهرت العالم , قيل أنها من صنع علماء أفنوا عمرهم في مختبرات العلم ..


جاء طبيب آخر لغرفة (توماس) الذي أمضى ليلتين في غيبوبة , في النهاية استفاق فجأة وسط استغراب الطبيب وأمه .. سار إلى النافذة لينظر إلى النتوءات الأرضية التي اختفت , نظر إلى أمه والطبيب وقال ..

- "هذا هو كل الخوف الذي انتظره الإنسان" .

.. يا صغير لماذا تهذي , سيصح لك الكلام وستحظى بالأذن الصاغية عندما تكبر , توقف عن مشاهدة الكارتون .. غادر الطبيب بعدما اطمئن أن (توماس) بخير ..


في تلك الليلة كان (توماس) يقرأ كتابه "المسجون في الغربة" بينما أمه تسير ذهابا وإيابا كالمجنونة في انتظار زوجها , قطعت خطوط الهاتف والكهرباء كانت غير مستقرة .. "لا تنتظر أكثر مما ينبغي , فالإنتظار قاتل" هكذا كتبت (أميريسون إيميلي) في كتابها الذي يعشقه (توماس) , يقرأ تارة ويحدق في النافذة تارة وإلى أمه القلقة تارة .. وضع الكتاب جانبا وذهب إلى النافذة ينظر , قال ..

- أمي , لا تنتظري , فلن يعود أبي !!

قالت له بقلب منفطر ..

- أسكت (توماس) , لا تقل الفال على أبيك .. سيعود أنا متأكد ..

هرعت الأم و (توماس) عندما فجأة عاد التلفاز للعمل وعاد بث الأخبار .. ".. لا يمكننا تفسير ما يحصل .. تشويش .. الحكومة ساكتة .. كل شيء بدأ يختفي .. تشويش ..  ماذا قال المراقب للعاملين في مشروع "الإرتباط البعدي" , قال .. "أقفلوا المشروع !!" علانية بعد أكثر من 50 سنة من بدئ عمله , أعلنوها صراحة على التلفاز .. "نحن آسفون , ارتكبنا خطأ علميا , لا مجال للعودة .. الزموا أماكن نائية , اتركوا كل شيء له علاقة بالتكنولوجيا .. نحن آسفون ." ثم طردوا الصحفيين واختفى رجال الحكومة وكل من يمثلهم في سراديب تحت الأرض .. لقد انتهت الإتفاقية الزرقاء , ما عاد هناك ثقة .. جاؤوا ليغدروا , كانوا يخططون لذلك منذ زمن سحيق .. تشويش .. انقطاع البث .." .

- ما هذا الهراء الذي يهذي به هؤلاء , دعنا نرحل (توماس) .. الأمور غريبة ..

لكن (توماس) انسل من بين يديها هاربا إلى الشارع , راكضا بكل قوة جاعلا أمه الثكلى تركض خلفه حتى أضاعته .. ذاهبا إلى المدرسة , دخل من البوابة , كان القفل مكسور .. أصوات قرع نعال على الدرج , صوت المعلمة تشرح داخل الصف .. منتظرا قليلا حتى جاءت تلك الفتاة ممسكة بيده ..

صوتها غائر جدا ..

- تعال (توماس) , لا تخف .. اليوم آخر يوم في المدرسة , لقد جاء الصيف ..

ناداها ..

- (إيميلي) .. سوف يغادرون المبنى قريبا , اقترب الوقت ..

لم يعهدها تبستم عميقا له هكذا , هزها باكيا ..

- أتفهمين (إيميلي) , أنت لك ذكرى وضعتيها في الكتاب .. أريد استرجاع أبي , لا أريد لهذا أن يحدث .. هذه نهاية , هذه نهاية .. 

فُتح باب الصف وإذا بالمعلمة تناديه ..

- (توماس) , من كنت تكلم .. دائما تتأخر ودائما تبكي , تعال يا حبيبي ..

يفتح عينيه ليرى تلك اللمبة مترددة في الإضاءة , وعندما يغلقها يرى وجه المعلمة .. 

- علي أن أفسر .. !

- لا تفسر (توماس) , لا تخبر أحدا .. الزم الصمت ..

هذا يوم سترى فيه الناس يشعلون نار المحرقة , سيضعون فيها حواسيبهم وهواتفهم النقالة وتلفازهم وسياراتهم .. أشياء مليئة بالأسلاك اعتدت أن تراها دائما , تذكرها فقط وارسم لها لوحات , أخبر من بعدنا إن كان هناك بعدنا أننا كنا متطورين .. إياك أن تفتح عينك .. !

في صباح اليوم التالي اكتظت المدينة بالسيارات التي تحمل بداخلها أناس يودون الهرب مما يجري .. كانوا يظنون أن ما يحدث لم يبدأ بعد .. في منتصف الطريق تجمع الهواء مشكلا لولبا مسطحا بلع الإكتظاظ كاملا .. ثم هدأ الزمير , رمشة عين لتجد الشارع خالي .. وخلف المدينة ترى نارا ودخانا أسود يتصاعد , اختفى نصف الجيش بعدما حاول إجلاء السكان بعرباته .. أما الباقي فعجزوا عن الإتيان بأية مساعدة .. في تلك الليلة كانت مدينة لندن مظلمة بشكل كامل , لم ينر ضوء كهربائي واحد .. 

وجدت الأم (توماس) نائما في غرفته على ضوء شمعة خافت وذلك الكتاب بجانبه .. حملت الكتاب بهدوء , كان بإمكانها أن تقرأه في الظلمة , الكلمات منيرة من تلقاء نفسها .. " ابتسامة طويلة عندما يأتون إليك , يحاكمونك وليس بينهم أية قاضي , الهستيريا تصيبك بالخدر وتبدأ في قول أسرار لم تدرك كيف تقولها .. ستكون قد اعترفت وتحررت ولكن يشترط عليك أن تسير في ظلمة ليلة عاصفة حاملا شمعة .. ستفكر أنك خارج سجن وعندما تدرك الحقيقة ستكون نهاية التفكير .." .

صعقة أصابت الأم , كأنها تعرف الكلمات .. ثم تقول أنها لا تعرفها , انطلقت إلى النافذة .. من كل نتؤات الأرض برزت حبال ضوء محيطة بها , وهي تحملق مستغربة .. إذا بـ (توماس) يأخذ بيدها ويطلب منها أن يغادرا المكان .. وآخر حبال الضوء يكتمل عندما وصلا إلى المدرسة .. قال لها ..

- دعينا نبقى خلف البوابة .. 

وهي من صدمتها لم تعرف كيف تسأل , متى عاد , وماذا يجري .. ! , يراقبان حبل الضوء كيف يلتقي .. ثم فجأة تنير كامل المدينة وكامل ناطحات السحاب وكل الطرقات إلا المدرسة .. ثم يُبتلع كل شيء وتعود المدينة جرداء .. بدت المدرسة كأن عمرها آلاف السنين , (توماس) ينظر إليها مطمئنا .. وأمه ترتجف رعبا ..

- (توماس) , هل هذا حقيقي ؟

ضمها إليه محاولا تهدئتها .. عليهما الآن أن يخرجا إلى الحشائش .. الصورة القديمة للعالم .. عليه أن يكون قلقا وحذرا ومترقبا , لم يقرأ يوما ولم يتسن له أن يقرأ عن البداية .. فقط يسير باحثا عن الناس , يجب أن يكون هناك أناس مختبؤون .. 

لم يتسن له أن يبق مع أمه لأنها سقطت في جحر الأرنب العميق , وهو تعثر بين الحشائش وواجه الكثير من "المرشدين" الغريبي المظهر .. جل ما كانوا يقولوه ..

- تعال ! , تعال !

فقط هرب عائدا إلى المدرسة , لاجئا إلى الصف متمنيا أن يسمع صدى أحد , صور , أصوات , تمنى أن تؤنسه تلك الفتاة , تمنى أن تسأله المعلمة "أين تقع جبال الأنديز ؟" ليخطئ ويسمع أصوات الضحكات , كان عليه أن يغفو حقا , ظن أنه مجرد كابوس , حلم .. هكذا ينام في أكثر الأيام غرابة ورعبا , بدون شمعة ولا فانوس .. تحت جدران مهترئة معشوشبة .. منتظرا الصدى ..



السيناريو يكتمل في القصة القادمة .. أمجد ياسين


8 تعليقات :

Pretty Yoyo يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم

قصة غريبة جداً .. ولكن هذا ما جعلها رائعة جداً أيضاً

فى انتظار جديدك أخى..

بالتوفيق

أمجد ياسين يقول...

أهلا بك أختي (بريتي يويو) ..

سعيد بوجودك هنا ..

جمعة مباركة ..

Mohammed Selk يقول...

نريد النهاية من فضلك أخي في أقرب وقت

غير معرف يقول...

جميله جدا فعلا بس في كلام مش واضح اووي

أمجد ياسين يقول...

أخي / تي الغير معرف , إن كنت تقصد بالكلام الغير واضح بأن الخط يكون كبير ومتداخل .. فهذه ليس مشكلة من المدونة بل في المتصفح الذي تستخدمه وأعتقد أنك تستخدم جوجل كروم والمشكلة منه .. لذا أنصحك باستخدام متصفح موزيلا فايرفوكس .. تحياتي

almasry يقول...

للكاتب أنت مريض بجد متسكتش علي نفسك بزمتك ودينك أنت فاهم حاجه من الأنت كاتبو ربنا يشفيك

أمجد ياسين يقول...

شكرا لك أخي almasry , لا أعرف لما هذا الكلام بحقي ..

لكن شكرا لوجودك ..

تحياتي

إحساس الصداقة يقول...

يسعدلي أيامك ,., إستمر في الإبداع

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017