7‏/9‏/2014

عالم آخر

كل يوم يأخذه والده لمكان قاس , أقسى من الصيف .. مكان أشبه بكوكب يلازم الشمس طوال حياته , وإن شكى وبكى لن يذرف الدموع .. أيام طويلة جدا أو بالأحرى لا يمكن قياس مدتها , تشرق مع الشمس ولا تغيب أبدا .. وإن غابت سيكون الصيف قد انتهى ..

نهاية الصيف في عام موحش بالوحدة , بداية المدرسة .. أقسى شيء يمكن أن يحلم به , كل شيء أصفر أصبح يسقط حتى الشمس .. استيقظ عند الصبح يلبس ملابسه القديمة ويجر حقيبته الكبيرة وينطلق , يوم كباقي أيام الدراسة الطويلة ينتهي ويحل الليل ..

يذهب لينام فتغطيه أمه وتطلب منه أن يغفوا ولا يزعج والده .. مع أن الوقت مبكر يحاول أن يغفوا , يلف نفسه بالغطاء بالكامل فيصبح الظلام قاتم في الداخل ..

لحظات فقط وينطلق نور داخل ذلك الظلام الدامس , وتفتح بوابة على عالم آخر .. يقابله ذلك الكائن بوجه متسائل ..

- حسنا , حسنا .. أقسم لك لم أبح لأحد بشيء !!

قال ذلك الكائن ..

- حسنا , أرني يديك ..

مد ذلك الفتى يديه ليحملق ذلك الكائن بهما ...

- امممم , حسنا أنت صادق , أدخل .. أهلا بك ..

كأن الشمس أقرب ما تكون , كأن ضيائها أبهر ما يكون .. أدخل إلى الحماية من العالم فوق .. أرض النغمات والألحان تنير عالم آخر يسعد فيها كل إنسان يريد أن يتحرر , ستبدوا السماء أقرب ما تكون وستبدوا الكواكب تتراقص على الألحان ..

"على جميع الساكنين الجدد التقدم لملك الزمان , ليهبهم الوقت الكافي للرضى عن أنفسهم .. تقدمو الآن .."

تقدم ذلك الفتى رويدا رويدا حتى دنى من ذلك الملك .. سأله الملك ..

- هل أنت إنسان أيها الكائن , كيف دخلت إلى هنا ؟

قال الفتى ..

- أنا إنسان , أعرف كيف أدخل من صغري أيها الملك ..

تبسم له الملك ابتسامة عريضة ونهض من مكانه .. 

- أنت من ساكني الليل إذا , اقترب .. تعال ..

اقترب ذلك الفتى أكثر حتى حس بيد الملك على خده , احساس غريب كشحنة من المشاعر .. شيء دافيء جدا انتزع كل شعور سيء من جذوره .. ثم ابتعدت اليد وعاد الملك ليجلس مكانه ..

- أنت الآن إنسان جديد أيها الكائن .. أعرف ما يفعله والدك بك .. تزرنا منذ زمن , هذه اللحظة فقط تقترب مني .. عليك أن تفهم أنه بمجرد شروق شمس عالمك سيكون هناك شيء ما داخل دماغك لم يكن من قبل .. عبر عن نفسك لمن ترغب , ستجد من يحبك ويقدرك .. كن حقيقي كما اعتدت أن تكون .. حياتك أخف من ريشة عصفور , فلا تتردد في الطيران ..

يختفي كل شيء عندما ترفع أمه الغطاء عن رأسه .. إنه الفجر , نهض مصدوما جدا وانطلق ليصلي ثم عاد للنوم , لكنه لم يقدر أن ينام .. تتردد هذه الكلمة برأسه "حياتك أخف من ريشة عصفور , فلا تتردد في الطيران .." ...

"كيف يحصل هذا , لم يحصل لي هذا من قبل .. شيء غريب , الظلمة قاتمة جدا لكن يمكن الرؤية من خلالها .. يا للوضوح .." , الشمس تدنوا شيئا فشيئا من السماء ويعم نورها كل شيء .. ينطلق ذلك الفتى كالعادة للمدرسة لكن هذه المرة يشعر بشعور مختلف , يشعر أنه شيء آخر .. يجلس وحيدا بعيدا يحملق بلا شيء , يشاهد التلاميذ يلعبون الكرة بحماسة , شعر بقليل من الحزن ثم عاد ليحملق مجددا .. سمع صوت نغمات , كلما لمس شيء تنطلق منه نغمة .. استغرب ووقف وأخذ يسير ثم بدأت الأرض تلحن .. سار وسار ثم مر أمام التلاميذ الذين يلعبون والجميع يصرخ به أن يبتعد لكنه لا يكترث .. شيء جميل , كل شيء يعزف ..

داخل الدرس يوزع الأستاذ أوراق الإمتحانات , يحدق بالورقة مليا فيلاحظ أنه لا يعرف أن يجيب على أي سؤال , فيمسك القلم ويبدأ بوضع نقاط والكثير من النقاط وكل نقطة تصدر نغمة وهو يبتسم عميقا وفرح بهذه المعزوفة النادرة .. ثم يغادر المدرسة مع نهاية اليوم ..

عند المغرب يدخل الوالد غاضبا إلى البيت ويصيح بزوجته .. 

- أين ابنك الحقير ذاك , أقسم لأحطم رأسه

تحاول تهدئته ..

- اهدأ يا رجل ما بك , ماذا جرى ؟ أفهمني ..

أعطاها ورقة الإمتحان المليئة بالنقاط , حاولت الأم تبرير الأمر لكن لم تنجح .. دخل غاضبا وضرب الفتى ضربا عنيفا .. 

إنه وقت البكاء الآن , شيء صامت ودموع تذرف وأزهار تنبت من الدموع .. ما هو الألم ؟ يمكنك أن تجلس على حافة الكون وتبكي ليسمعك العظيم , يمكنك سماع هدير دوران الكون الهائل فتتوقف دموعك .. ساعة البندول تصدر صوتا غريبا تعلن نهاية الزمن فيتوقف الكون عن الدوران , فتعود لتبكي مجددا فيعود الزمن ويعود الكون يدور .. فتدرك حينها أن البكاء والحزن شيئان مقدسان في معبد الحياة .. شيء جديد تغير في دماغك ..

حل الليل وذهب للنوم ودموعه تذرفان .. لف نفسه بالغطاء ودخل إلى ذلك العالم .. قابله ذلك الكائن مستغربا ..

- وجهك سيء , هناك شيء على وجهك .. هل ضربك أحد ؟

هز له الفتى رأسه بحزن ..

كأن شيء طارىء حصل .. ذهب ذلك الكائن وغاب قليلا وعاد ومعه مجموعة أخرى أخذوا يتكلمون بشأن الفتى .. ثم اقتربوا منه وقال أحدهم ..

- غير مسموح أن يتعرض أحد في هذا العالم للأذى , وأنت تعرضت للأذى لهذا لن تدخل اليوم .. يجب أن تشفى أولا .. 

أخذه ذلك الكائن لباب آخر وطلب منه الدخول فدخل , كان عالم جديد آخر لكنه غريب جدا .. كله ظلمة قاتمة ووسط الظلمة تسبح كواكب عديدة جميلة الشكل وهناك طريق مضيئة جدا وسط الظلمة تتصل بكل كوكب , كأنها عملية اختيار .. فانطلق ذلك الفتى يسير بدون وجهة فحط على كوكب صخري خالي سوى من الطيور , لكن فجأة ظهر له كائنات مختلفة تقول أنها جائت لتعالجه .. فجأة لم يعد الفتى يشعر بشيء واختفى كل الشعور من أمامه ..

رحلت روحه بعيدا جدا , وأصبح جسده الصغير خاويا ملقى على ظهر جبل صخري وتلك الكائنات تقوم بأمر ما به .. طالت الفترة حتى بزغ فجر العالم , فجاءت الأم توقظ ابنها .. لكنه لا يستجيب , مرارا وتكرارا لكن الفتى أصبح خاوي تماما .. صرخت بصعقة حتى استفاق زوجها مسرعا ..

- ما بك يا امرأة !!!

عقد لسانها عن الكلام وهي تنوح ..

أمسك بيد الفتى فسقطت من يده , لا نبض ولا نفس وذلك الإزرقاق على وجهه يبدوا جليا .. صعق الأب وأخذ يرجف برهبة شديدة , حمل ابنه للمشفى مسرعا .. لكن أعلن أن الفتى مات مختنقا وتم دفن جثمانه فيما بعد .. 

حزن عميق حل في ذلك البيت البئيس , الوالد يشعر بالذنب ويلوم نفسه والأم تورمت عيناها من البكاء .. "يا ليتني لم أضربه .." 

تلك الكائنات كانت مشغولة على رأس ذلك الجبل الصخري بمعالجة الفتى .. مر وقت طويل وشرقت الشمس كثيرا ودار الكون طويلا والبندول يتراقص باضطراب .. 

بعد سبع سنين نزلت تلك الكائنات عن الجبل الصخري تحمل نعش فيه جسد إنسان , سارت حتى وصلت عند بوابة عالم آخر عند ذلك الكائن , ثم سلموه النعش فأدخله للداخل ووضعه عند ملك الزمان .. فأخذ يحدق فيه ..

"لا تسلبوا طفولته منه , دعوا وجهه .. "

ثم حدث نور كبير ثم شرقت شمس العالم عند الفجر , على الطريق كانت السماء فوقه تبرق نجوما ووجه في السماء يبتسم له باستمرار .. وصل مسرعا لبيته ثم طرق الباب ..

فتح الأب الباب فصعق , جحظت عيناه كثيرا ثم صرخ ..

- يا امرأة , تعالي وانظري , بحق السماء تعالي ..

صعقت هي الأخرى وبكت ..

- انه ابننا , القدر أعاده لنا .. انظر إنه جميل .. كبير ..

أخذت تتحسس وجهه بينما الأب يتمتم مرعوبا ..

- مستحيل !!

 أنا إنسان جديد الآن .. حياتي أخف من ريشة عصفور , فلم أكن لأتردد في الطيران ..

لم تتوقف السماء عن البريق , ولم يتوقف هو عن الحزن حتى يستمر الكون في الدوران , وما زال يزور ذلك العالم لكنه لم يفكر بالطيران مجددا ..



أمجد ياسين

5 تعليقات :

غير معرف يقول...

رائعة فعلا قصة جيدة

Uouo Uo يقول...


جزاكم الله خيرا"

شركه تنظيف

Ayoob S Rsh يقول...

صاحب المدونة انا جدا احب القصص واحب اقرأ لكن المشكلة مافيه مواقع جيدة كثيرة فا لو تكرمة وتعرض لنا افضل المواقع اللي انت تعرفها اكون جدا جدا شاكر وشكرا لكم ولقصصكم الجميلة اعجبني الموقع جدا .

الربح من الانترنت يقول...

موضوع فعلا جميل لكنه غريب ايضا لكن تسلم اخى ومشكوور

مهندس بترول يقول...

هل صليت على حبييك محمد اليوم

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017