2‏/8‏/2011

الكويكب

شيء مذهل وشيء مرعب أن تبتعد الأشياء عنك بسرعة هائلة , أن تشعر أن عينك هي بوابة على فراغ أسود لامتناهي يحوي كل تلك الأشياء .. أحلام أطفال وخيالات غريبة , في تلك الليلة كويكب مرعب وملتهب زار الوادي , الوادي الذي يطل عليه بيتنا , وادي عميق وحالك السواد في الليل , شديد السكون وشديد الرهبة , كنت أشعر دائما بأن هناك وحش مرعب يختبئ في أحشاء الظلام وفي يوم ما سيبتلع قريتنا بكاملها .

لم يكن شعور ووهم وخيال طفل , ربما هو كذلك لكن بالنسبة لي كان غير ذلك , في تلك الليلة الغريبة هبت نسمات , نسمات هادئة لم يشعر بها أحد لكنها أشعرتني بشيء غريب .. في اليوم التالي كنت جالس وهادئ وأنظر من الشرفة إلى لا شيء , لا شيء لأنه لا شيء هناك مهم سوى استنشاق الهواء .. كانت أسلاك الكهرباء تتدلى أمامي بين عمودين , شعرت بعدم الراحة وشعرت بأن كل شيء هو فوضى وهراء , بعد لحظة من ابتعدت الأسلاك من أمامي بسرعة هائلة وكأن شيئا ما جذبها نحوه , كان ذلك الشعور هائل ولم أستطع تحمله فأغمضت عيني وفتحتها فذهب عني , كل شيء عاد كما كان .

لم أعيره أي اهتمام حتى جاء الليل , كنت أهم بالنوم ووضعت رأسي على الوسادة وأغمضت عيني , أتاني ذلك الشعور بسرعة , كنت أرى فراغ لانهائي من الظلام وسريري وكل حاجياتي وكل أثاث بيتنا غاص في ذلك الفراغ بسرعة كبيرة , كاد رأسي ينفجر ففتحت عيني وذهب ذلك الشعور , أدركت أنه سيستمر وسأعاني منه .

كانت عيني هي بوابة , عندما أغلقها أترك عالمي وأنتقل لعالم آخر , وعندما أفتحها أعود لعالمي , ذلك الفراغ الأسود الهائل كان مستعد ليبتلع كوكب الأرض بكامله بكل بساطة , كنت أخاف منه وكنت أخاف أن أعلق فيه للأبد وكنت أخاف من الفوضى .

شعور رهيب يأتيني ليلة بعد ليلة ويزداد .. حتى جائت تلك الليلة التي لم أتمنى أن تأتي أبدا , كنت خائف من الضياع , كنت خائف أن أفقد رأسي ليبتلعه ذلك الوحش الأسود ! .. في تلك الليلة كويكب مرعب وملتهب زار الوادي , الوادي الذي يطل عليه بيتنا , كويكب قادم من الجحيم , جاء ليبتلع أي شيء ليلقيه في ذلك الفراغ .

في تلك الليلة تحقق كل ما كنت أخاف حدوثه .. كالعادة نمت وتوقعت أن أرى ذلك السواد مجددا لكن لم يحصل ذلك , كانت ليلة هادئة وجميلة وغير مزعجة , نمت بعمق .. حتى استفقت فجأة وأنا أصرخ , سريري كنت أمسك به لكني لم أستطع تثبيته , لقد غاص في ذلك المجهول وكذلك كل حاجياتي وكل أثاث بيتنا .. أسرعت لغرفة أمي وطرقت الباب بقوة والفزع يقتلني , كان كل ما أضع عيني عليه يبتعد عني إلى الهاوية .. في النهاية خرجت أمي بتكاسل , لم أستطع الكلام ولا تفسير شيء لأن رأسي كان سينفجر , أمسكت بيدها وأخذتها لغرفتي حتى ترى ما يحصل , لكنها ضحكت كثيرا مني .. يا إلهي ! لم ترى ما رأيت , كل ما فعلته لي هو أن أسقتني الماء ثم عادت لغرفتها .. ذهبت لأغسل وجهي لعله يذهب كل ما أشهر به , لكن بلا فائدة .. رأيت آخر شيء ابتلعه ذلك السواد وهو قطعة الصابون وسحبها عبر النافذة , نظرت من النافذة لمنظر هائل ومخيف , كان هناك شيء كبير دائري ملتهب يدور حول نفسه بسرعة جنونية ويجذب كل شيء إليه , لم أستطع التحمل أكثر من ذلك فصرخت بكل قواي حتى في النهاية لم أعد أشعر بالمكان ولا بالوقت , لم أعد في بيتنا , كنت أسبح في ذلك السواد الرهيب وعلقت في ذلك العالم , كنت خائف جدا وكل خوفي أن يبتلع أمي وأبي وأخوتي وقريتنا الجميلة .

هناك في ذلك السواد كان ثقب لولبي يقود إلى مالانهاية , يبتلع كل شيء يعبر الفراغ ويسحبه إلى الجحيم , سكنت وفكرت كثيرا .. ذلك الشيء لن يقرر نهايتي .. عرفت كيف أنهي كابوسي , وكيف أجعل ذلك الشيء يرحل من الوادي ويعود من حيث أتى ويأخذ معه كل شيء مقيت وكل شيء هو مخيف ويأخذ كوابيس الصغار .

حاولت ضبط نفسي , نسيت خوفي وغضبت , غضبت كثيرا , كان خوفي يمده بالطاقة ويسارع بي إلى الجحيم , أغمضت عيني ثم بدأت بفتحها رويدا رويدا , مع كل شقة لعيني كنت أرى الظلام ينهار وكنت أرى ذلك الشيء في الوادي رحل , عندما فتحت عيني اختفى كل شيء .

كان الجو بارد والمطر الغزير ينهمر علي , وقفت منتصبا ونظرت حولي , كنت في مكان غريب وبعيد وأشجار كثيفة حولي وأصوات مخيفة في كل مكان , أغمضت عيني وفتحتها , اختفى الكابوس وعدت لسريري وعاد كل شيء لمكانه , حينها كرهت الخوف ولم أعد أنظر لذلك الوادي , القمر المنير أفضل من المجهول المظلم .. عرفت أن كل شيء يأتي فجأة لا بد أن يذهب فجأة , وعرفت أن الحياة ليست سيئة إن تركنا الشر نعيشها بسلام .. ما الذي جرى ليلة البارحة ؟! .. لا أدري , ربما كنت أحلم !! .

8 تعليقات :

pretty yoyo يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم
(لم تكن تحلم يا صغيرى.....أؤكد لك)
نحن من يصنع الكوابيس جميعها..ونحن من ينهيها كذلك..حتى ان كان بعض تلك الكوابيس يبدو واقعيا اكثر من الازم....

*ملحوظة:" وهو قطة الصابون وسحبها عبر النافذة"...
أظنها"قطعـــة"...

شكرا استاذ امجد على القصة المبتكرة...ورمضان كريـم...
تحيــــــــــــــــــاتى

سر الأرض يقول...

أهلا اختي pretty yoyo .. دائما رأيك جميل بقصصي , ودائما يعجبني رأيك واهتمامك ..

لم تتخيلي وستضحكي عندما تعرفي أن ذلك الصغير هو انا , فقد كنت أعاني من نفس الأمر المشابه الذي يعاني منه بطل القصة هنا , لكن القصة فيها زيادات كثيرة عن ما كنت أمر فيه حقا ..

وذلك الكويكب شاهدته بعيني , كنت أعاني من الكوابيس وكنت أخاف من الظلمة ..

هذه القصة مستوحاة عن تجربة شخصية .

رمضان مبارك .

غير معرف يقول...

ســـر الأرض أنت شخص دينمـــآكي جدآ وكلآسيكي ~ تحيآتي كآترينا أسكتلندآ ^_^

سر الأرض يقول...

أهلا أختي كاترينا .. شكرا لإطرائك ..
يعجبني وصفي بالديناميكي والكلاسيكي .. وصف جميل

وخاصة الكلاسيكية , جميلة جدا .

شكرا جزيلا

هديل الحمام يقول...

ما أجمل أن نحول أسوء كوابيسنا أدباً

أخي سر الأرض أجمل ما في كتاباتك وقصصك إنها من نسج الخيال

أغبطك على تسخيرك لخيالك وأحالته قصص جميله تشدنا بأسلوبها الشيق من بدايتها إلى نهايتها

سلمت اناملك ودمت بخيالك الخصب =)

صدى الذكرى يقول...

السلام عليكم ورحمة الله
اخي العزيز امجد اهنئك بهذا الشهر الفضيل وكل عام وانت بخير
يسعدني أنك بخير فأنا متابعة لكتاباتك الرائعة

سر الأرض يقول...

شكرا لك صدى ذكرى وانت بخير

وشكرا لكل الأخوات لوجودهن .

غير معرف يقول...

يبدو ان خيالك واسع جداً وشكراً للقصة الرائعة واتمنى الزيد من تلك الابداعات الرائعة

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017