7‏/9‏/2011

لعنة الضباب

تنجذب إلى النافذة , وحيدة بريئة جميلة , تنسل الرياح الباردة من النافذة فتلسع جسدها , تحملق رغم البرد بين الضباب وتشاهد أناس من بعيد يسيرون , تبتسم ببطئ شديد وتضم نفسها وتأخذ شهيقا عميقا , عرفت أنها ليست وحيدة , ما دام هناك أناس في الخارج لا مكان للوحدة .. يمضي النهار بطوله ويحل الليل الساكن وتنام الفتاة الوحيدة البريئة الجميلة , تنام وكلها دفيء وأمان .. كل ما يقلقها هو أن لا تعود النافذة تعرض لها شيء , أن يخلوا ذلك الشارع من الناس , تنهض مسرعة وتجد الصباح قد حل , أول ما فعلته هو أن ترى من النافذة , في ذلك اليوم الشديد البرودة والكثيف الضباب , لم تعرض لها النافذة شيء والشارع اختفى , كل شيء أصبح أبيض من كثافة الضباب , قلقت وحزنت وتألمت أن تدوم الصورة للأبد , هبت نسمات باردة فجأة أزاحت بعض الضباب , استطاعت أن تلمح الشارع .. كان المطر غزير جدا , على جانب الشارع كان هناك شخص وحيد جالس تحت شجرة , بدى عليها القلق وشعرت بما يشعر به من البرد , كل الشارع فارغ إلا ذلك الشخص , ماذا يفعل , ولما هو جالس هناك ؟ .. راقبته طويلا حتى نهض من مكانه ومضى , ابتسمت وأغلقت النافذة وذهبت إلى السرير لتلتمس الدفيء .. فجاة يرن الهاتف , أسرع إليه وقالت .. مرحبا , من المتصل ؟ .. قال : هلا زرتني غدا في الشارع  سأكون على المقعد تحت الشجرة صباحا .. قالت بذهول .. أنت هو .. !! قال : نعم , أنا هو .. 

في اليوم التالي في الصباح الذي لم ترى فيه الشمس من كثافة الضباب, تكرر المشهد .. لم يعد هناك أناس في الخارج والشارع بالكاد يرى , عند النافذة تنظر وتكاد تبكي , اتصال الأمس لم يفارق تفكيرها للحظة .. جمعتها مشاعر الخوف وحب الإستطلاع والبراءة , في النهاية لبست أفضل فستان وحملت ضمة ورد في يدها وانطلقت عبر الشارع ووسط الضباب إلى المقعد تحت الشجرة .. على جانبها كان أبيض وخلفها أبيض وأمامها أبيض .. لا شيء ظاهر , لا شجر ولا مركبات ولا بنايات ولا حتى الشارع نفسه اختفى .. سارت طويلا .. طويلا جدا , ولكن لم تصل , توقفت وأخذت تبكي بصوت خافت ودموعها المتساقطة تختفي داخل الضباب حيث لا أرض ولا سماء .. حل الليل أخيرا وخفت كثافة الضباب وبدأت الأشياء بالظهور رويدا رويدا , اهتدت عبر إنارة الشارع حتى جلست أخيرا على المقعد لتنتظر ذلك الشخص المجهول , أنبت نفسها وتعجبت مما جرى .. لقد تأخرت عليه , لن يأت .. طال انتظارها وغلب عليها النوم فجأة ! .

صوت يناديها .. سيلين .. سيلين .. من هنا !! استيقظت مفزوعة وأخذت تنظر لكل الجهات ولم تدر كيف غلب عليها النوم .. سكنت فجأة , صوت من مكان ما ينادي .. سيلين .. سيلين .. من هنا !! نادت بخوف قائلة : من أنت , وكيف عرفت اسمي ؟ لكن لم يجب .. عاد لينادي .. سيلين .. سيلين .. من هنا !! بهدوء وبطئ وترقب تبعت مصدر الصوت حتى قادها إلى داخل غابة مليئة بالضباب والخوف , الزهور في يدها ذبلت وأخذت بتلاتها تتساقط دون أن تدري .

في العمق في مكان مقفر وأصفر اللون انقطع الصوت وتوقف عن مناداتها .. سارت بحذر حتى وجدت جرف صغير أشبه بالوادي مليء بأناس يغلب عليهم المرض والجوع والعطش , وجوههم شاحبة ومائلة للزرقة , كانت تحمل قلبا رقيقا وحنونا .. نزلت عن الجرف ونظر إلى الناس باستغراب شديد ثم قالت .. ما الذي جاء بكم إلى هنا ؟؟ لكن لم يجب احد .. أمسكت بيد أحدهم وسحبته وطلبت من الجميع ان يخرجوا من هنا , أخبرتهم ان في الخارج هناك ماء وطعام وعمل , إن المدينة بحاجة إليهم ليملؤها .. صاح أحد الرجال بتعب : أيتها الفتاة لم أتيت إلى هنا , لم تبعت ذلك الماكر حين كان يناديك , لقد ارتكبت خطأ فادحا , لن نخرج من هنا ولن تخرجي أبدا , لقد علقنا في البعد الموازي , ستأتي الكائنات الشريرة وتقتلع عيوننا .. قالت الفتاة : ومن أخبرك يا عم بذلك ؟ , قال : لا تسألي , فقط مجرد ساعات وسترين .. صاحت بهم : إذا ماذا تنتظرون , الموت والضياع ؟ , هناك مخرج .. من حيث جئنا سنعود , قال أحدهم : نحن جئنا لبعد وعالم آخر والطريق تتغير باستمرار , إنهم يتلاعبون بنا .. سكنت سيلين للحظة وتكاد دقات قلبها تسمع من حولها .. بترقب وحذر نظرت من حولها في ذلك المكان المقفر .. نزلت سكينة مفاجئة عليها وخفت ضربات قلبها حين لمحت بتلات الزهور المتساقطة خلفها .. تبعت البتلات وكذلك الجميع حتى وصلوا إلى غابة قاتمة , وظل أسود تبعهم وأخذ يصيح بصوت مخيف حتى يثنيهم عن المضي .. تشبث الجميع ببعضهم وانطلقوا حتى خرجوا من البوابة عند ذلك المقعد تحت الشجرة .. وجدوا رجلا عجوز يتكئ على عصا , التفت إليهم وقال : احرقوا هذا المقعد وادفنوا رماده ولن تروا ضبابا بعد اليوم .. 

عند النافذة صباحا تجلس سيلين الفتاة البريئة الوحيدة الجميلة , تحدق في الشارع وترى الناس يسيرون ذهابا وإيابا ونور الشمس يكاد يمنعها من الرؤية , فجأة تهب نسمات باردة تلسع جسدها .. تغلق النافذة وتعود لسريرها وتنام .. شكرا يا أمي .

6 تعليقات :

pretty yoyo يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم......

رائعة كالعادة استاذ امجد.....ولكننى لم افهم الجملة الاخيرة....

واعجبتنى بعض تعبيراتك واوصافك التى تعطى انطباعات قوية عن شخصيات القصة...ك"البراءة" مثلا..حيث انها اصبحت صفة غير موجودة كثيرا(ولن اقول نادرة)....

تـــــحــــــياتى.....^_^

سر الأرض يقول...

مرحبا اختي pretty yoyo العزيزة ..

أشكرك على تعليقك .. أما الجملة الأخيرة "شكرا يا أمي" .. هذا شعور كل شخص يعيش وحيدا وكل شخص يخاف من الوحدة خاصة عند الإناث , شعور الوحدة سيء وهذا ما دفع بطلة القصة سيلين لدخول المجهول من اجل البحث عن الناس الضائعين , لكن عندما عثرت عليهم وأعادتهم عادت لبيتها وكانت كلها طمأنينة من أنها ليست وحيدة هذا على نطاق ما تراه من النافذة , لكن عند النوم في السرير وحيدة أول ما تستحضره في ذهنا هي الأم أو الزوج وفي القصة استحضرت الأم لأنها أقرب حتى تشعر بالحس البشري أينما ذهبت وحتى إن فارقت النافذة .

تحياتي .

سر الأرض يقول...

أخي المتاجر ..

كيف عرف ؟ ... استخدم نفس الأسلوب لجذب كل الناس من المدينة إليه وجعلهم يعلقون في البعد الموازي , لعلمك هذا الشخص ليس إنسان وإنما كائن روحي , ربما اخترق شركة الإتصالات وربما موه نفسه داخل الهاتف ليوصل رسالته ..

أنا لم أحدد كيف ولك في النهاية وصلت رسالته للفتاة ليجتذبها بعد أن عرف نقطة ضعفها وهي الخوف من الوحدة .

تحياتي

سر الأرض يقول...

من الجميل ان تعرف كل شيء ..

البعد الموازي هو عبارة عن مكان أو بالاحرى حياة متكاملة تحتوي على كائنات عاقلة وربما غير عاقلة ولكن في مكان بعيد ان قدرة البشر للوصول غليه او رؤيته إلا باستخدام تقنيات معينة والتي تسمى بالسحر .

هناك ابعاد كثيرة في الكون , والجن ونحن البشر نقع كل منا في بعد موازي للبعد الآخر أي بشكل خطين أفقييين لا يلقتيان إلا بحالة واحدة وهي حالة السفر بين الأبعاد وتسمى البوابة ومنها يتمكن الساحر والمشعوذ استحضار الجن وقوى الشر لإستخدامها في أمور عدة وهذا بالضبط ما تفعله حركة المتنورين العالمية "الماسون" .

أما عن الأبعاد الأخرى وهي التي تتواجد فيها الملائكة والجنة والنار وهي أبعاد مختلفة تماما ومخلوقة من شيء مختلف تماما عن بعد البشر والجن ومن تواصل مع هذه الأبعاد هم الأنبياء وطبعا الملائكة تستطيع الإنتقال من بعدها إلى بعدنا , وتلك الأبعاد هي ما تسمى السماوات السبع .. أما الأبعاد الكونية ربما هي ما تسمى الأراضين السبع ..

شكرا وتحياتي .

سر الأرض يقول...

أولا مرحبا ...

بالنسبة للسؤال الاول , سيلين هي واحدة من أعداد كبيرة من الناس الذين استطاع ذلك الكائن "الشرير وانا وضعته هنا على انه شرير" ان يجذبهم إلى بعده مستغلا نقطة ضعف كل شخص منهم , وكما أخبرتك أن سيلين تعاني من الخوف من الوحدة , وعندما أرسلها إلى باقي الناس لم يكن يساعدها بل حتى تقع في فخه كما وقع الآخرون ولولا بتلات الزهور المتساقطة لما استطاعت العودة وكذلك باقي الناس .

اما لماذا يريد ذلك الكائن جذب الناس لذلك البعد فالسبب هو لانه شرير , وللشر اهداف في ذلك .. ربما للتخلص من البشر او أن للبشر فائدة له ..

في النهاية لا تستبعد ان تكون سيلين تحلم وما يدل على ذلك هو قولها الأخير "شكرا يا أمي " كل شيء وارد في القصة .

تحياتي

هويتك صمت يقول...

، منتديات هويتك -
منتديات -
شات هويتك -
منتدى هويتك -
هويتك -
هويتك -
العاب هويتك -
العاب فلاشية -
العاب فلاشية 2012 -
الاوراق المتساقطة -
مسلسل الاوراق المتساقطة -
رمزيات بلاك بيري -
رمزيات بلاك بيري 2013 -
رمزيات -
روايات -
رواية -
حل تمارين -
حل اسئلة -
وظائف وزارة الخارجيه -
وظائف وزارة الخارجيه 1433 -
وظائف 1433 -
وظائف -
ملحقات الفوتوشوب -
فوتوشوب -
فساتين -
اسماء بنات -
صور

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017