15‏/11‏/2011

آلبرت آينشتاين

.. لا أدري ما الذنب الذي اقترفته , ولا أدري لما أنا هنا ؟! - برلين عام 1904 (مجمع غريبي الأطوار) , في ليلة الثامن والعشرين من تشرين أول عند الساعة الثامنة مساءا داخل المجمع .. مللت من الوحدة وطول الصمت , لم يحضروا لي رفيق منذ مدة طويلة .. سمعت صوت دبيب المركبات من بعيد وأضوائها دخلت من نافذة غرفتي المكعبة , لن أبالغ أنني لم أرى النور منذ شهرين , لا أدري لماذا لم يتوقف المطر عن الإنهمار في برلين منذ ذلك الوقت , رأيتهم من نافذتي يسحبون شابا بعنف إلى داخل المجمع , كان أملي أن يضعوه بجانبي .. هذا ما حصل فعلا , فقد أصبح رفيقا لي في الغرفة المجاورة , نظرت إليه من فتحة صغيرة بين الغرفتين .. كان يلهث بشدة وكان حزين , نظر إلي ثم صرخ بوجهي فجأة .. كل ألمانيا علمت بقدومهم , يبحثون عنا دائما .. لو تركوني لامتلكت الضوء في يدي .. ثم هدأ وطلب مني أن أسأله سؤال , تبسمت ابتسامة عريضة وقلت له .. أتؤمن بالغول ؟ .. تقدم قليلا وقال .. نعم , أؤمن به .. فقط لأنه غير موجود !! , قلت له .. وماذا عن الحياة ؟ قال .. الحياة شيء واسع جدا .. إنها مرتبطة بالأحكام وكل شيء مرتبط بها .. في مكان ما قوة تتحكم بكل شيء .. استمريت في سؤاله وهو يجيبني بشغف حتى انتصف الليل , شعر بالتعب وعاد ليجلس بينما أنا عدت للنافذة أنظر .. فجأة توقف المطر وانقشعت الغيوم .. لكن القمر لم يظهر , حدقت بالنجوم وحزنت , حزنت فعلا عندما مرت صورة أبي الصامت في مخيلتي .. وأتذكر كلامه لي .. لا شيء يستحق أن نتكلم فيه .. لهذا نشأت في أسرة ربما تكون غريبة الأطوار ..

من خلف الفتحة ناداني , قلت له .. ما بك ؟ قال .. لو تفهمين الشمس جيدا لفهمتي ما هو الضوء !! قلت له .. وما هي الشمس ؟ قال .. الشمس هي غضب قاتل , رغم ذلك نستفيد منها كثيرا .. لو فهمناها جيدا لعرفنا أن الخوف والجوع والألم والحزن يمكن أن ترسل لنا إشارات إيجابية .. قلت له .. أنت رائع , ما اسمك ؟ .. أخبرني باسمه ثم ذهب لينام ..

في مدينة برلين .. بلبلة وأصوات كثيرة هنا وهناك , الجيش مستنفر .. الرئيس سيلقي كلمة مفاجئة .. كنت أرى برلين الجميلة من نافذة زنزانتي المكعبة , كذلك يفعل آلبرت .. لم ندر ما كان يقول , مرت ساعة وانتهى الخطاب .

في اليوم التالي استفقت على صوت المطر .. لقد عادت تمطر من جديد , آلبرت استيقظ مبكرا في ذاك اليوم .. سألته عن خطاب الرئيس وماذا سيثمر .. قال لي .. لا تقلقي , إنهم لا يهتمون بنا !! .

قريبا جدا من ذلك العام اندلعت حرب , كان الجنون يملأ العقول والقلوب .. الفوضى عمت ألمانيا وبرلين نالت الحظ الوافر من الفوضى .. كنت أنا وآلبرت متسمرين عند نوافذنا ننظر للمدينة المحروقة , للمرة الأولى شعرت بالخوف على حياتي ..

برلين عام 1905 (مجمع غريبي الأطوار) في ليلة السابع عشر من تشرين ثان , قذيفة سقطت على المجمع , حريق وقتلى من المحجوزين .. لم نصب بأي أذى , من خوفنا لم نصدر صوتا وبقينا بقرب بعضنا .. لم يمض وقت طويل حتى سمعنا أصوات في الخارج , أصوات كثيرة .. الأسرى يحاولون كسر الأقفال ليخرجونا ..

.. الحرية , كنت أحلم بها .. آلبرت , يا له من صديق .. يا له من حكيم .. يا له من إنسان , كنت أخشى فراقه .. قريبا من المجمع المحترق كنت واقفة وسط البرد القارس والموت , مد آلبرت يده وأمسك بي وطلب مني أن أركض .. ركضنا كثيرا جدا دون تعب , فقط كنت أتبسم .. كل شيء حولي بطيء جدا .. النار والقذائف والموت , لكن آلبرت كان سريعا ..

في الغابة بعيدا عن الموت جلسنا تحت شجرة وأخبرت آلبرت بما رأيته .. قال لي وهو يلهث .. كنت أدرس ذلك , الآن سأكمل ... الأحداث تمر على عجل ..

.. بعد عامين .. برلين عام 1907 , ريف برلين الجميل في الخامس من نيسان .. وصلتني رسالة بريد تقوم ..  من آلبرت إلى الصديقة لينا , أدعوك إلى زيارتي على ضفة نهر (هافل) غربي مدينة برلين .. لم أطق الإنتظار , حملت نفسي صوب نهر هافل .. سرت على الضفة الطويلة وحيدة أبحث عن آلبرت , كنت على يقين أنه ينتظرني هناك .. تغيرت ملامح وجهي فجأة عندما رأيت بيت صغير مقام على الضفة .. وقفت أمامه مسرورة , كتب على ذلك البيت "بيت الحكمة والعلوم" , طرقت الباب وإذا بآلبرت العزيز يفتح لي الباب وهو يبتسم , دعاني للدخول ولم يغلق الباب .. جلست على أريكة قديمة أنتظر بشغف ماذا سيقول لي .. نظر إلى وقال .. مرحبا لينا ! , قلت له .. أهلا آلبرت كيف حالك ؟! قال .. أنا بخير , طلبت منك زيارتي لأسألك سؤال وهو .. هل تعرفين ما سيحدث خلال السبع سنوات القادمة ؟! قلت له باستغراب .. لا ! قال .. حسنا , سأخبرك .. عشنا معا لمدة ربما تكون قليلة داخل مجمع غبي وحدثت حرب مجنونة كدنا نموت فيها , ألم تدركي أنها كانت مقدمة لشيء أكبر ؟؟! قلت له .. تعني حرب جديدة ؟ قال .. نعم , حرب جديدة ولكن حرب عظيمة سيموت فيها بشر كثيرون , لذا إن كنت لا تدرين , أنا تمكنت من بناء آلة الزمن , هل تذكرينها ؟ قلت له .. نعم , لقد أخبرتني بها في داخل المجمع .. قال .. نعم , وأخبرتك عن الضوء , آلتي بنيتها على مبدأ الضوء وبها نستطيع أن نسافر للمستقبل , لذا دعوتك إلى هنا حتى تنطلقي للمستقبل وحتى لا تري الموت القادم .. قلت له وعلى وجهي علامات البكاء .. وأنت , هل ستأتي معي ؟ قال .. لا أستطيع ذلك , أنت ما زلت طفلة وأنا كبرت , أتمنى أن تري المستقبل وأن تذكريني دائما ... بكيت ودموعي انهمرت على وجنتي وقلت له .. ولكنك شابا صغيرا , تبسم وقال .. لم أعد كذلك يا لينا , الزمن نسبي !! ..

ماسكا بيدي ونحن نسير على الضفة متجهين جنوبي النهر .. في داخل الغابة نفسها قبل سنتين وتحت نفس الشجرة كانت هنا آلة الزمن , صعدت فيها وأنا أمسك بيده حتى لا أفقده وأنا أبكي بحرقة وأرجوه أن يأتي معي .. قال لي وهو يمسح دموعي .. فقط تذكري أني أحبك , عزيزتي لينا ستكونين في عام 2011 .. أنا أحبك , عندها قبل رأسي ولم أعد أشعر بشيء ..

برلين , عام 2011 , في الخامس عشر من تشرين ثان .. جالسة في بيت مترف , عائلة جديدة من أم وأب , أبي الصامت اختفى .. حياة مغايرة جدا وجميلة , لكن كانت دموعي لا تزال على وجنتي , أمي الغريبة كانت تسأليني عن سبب بكائي , فلم أجبها .. آلبرت ليس معي وحياتي فقدتها , يا ليتني مت معه .. بدأت التعلم شيئا وشيئا وأدركت أن أناس العصر قد مجدوا آلبرت كثيرا ووصفوه بالعبقري ولكن أسفت عندما علمت أنه قد مات وما زالوا يحتفظون بدماغه .. عندها انحنيت له احتراما وقلت .. معلمي آينشتاين .

مذكرات لينا 

هذه القصة هدية مني لأختي العزيزة التي تحمل لقب "الأرستقراطية تحارب الديموقراطية" وأرجوا أن تتقبلها وتكون عند حسن ظنها .


ملاحظة : شخصية آينشتاين والصورة في القصة لا تعبر عن حقيقة حياة آينشتاين التي عاشها , دائما تذكروا "الخيال لا يلام أبدا"

4 تعليقات :

pretty yoyo يقول...

بســـم الله الرحمـن الرحـيم..
اخى واستاذى "امجد يــاسين" :
انا سعيدة لانك كتبت هذه القصة...عمل مميز جدا لك فعلى الرغم انك تحدثت عن علماء من قبل فى قصتك (نيوتن) الا ان هذه القصة مميزة بشىء ما..
وسعيدة ايضا اننى قرأتها...بالفعل جميلة جداجدا...الفكرة رائعة..والحبكة مميزة..وذكرك الدقيق للتواريخ ثم التنقل بينها بهذه البراعة هو من اكثر ما اعجبنى فى القصة..وخاصة عند وصولك للتاريخ الاخير 2011..
واما عن نهاية القصة..فطوال قرائتى لها وانا احاول ان اخمن النهاية..وهكذا افعل فى معظم قصصك...وكالعادة طبعا فشلت..^_^..

"الخيـــال لا يلام ابــدا"...صح تماما وهذه الجملة اعجبتنى للغاية...لى معها حكايات..فلطالما رددتها لاعز صديقة لى كلما تحدثنا عن القصص او الاعمال الفنية..وحفظتها وبدأت هى الاخرى ترددها بسببى..^_^

شكـــرا لك وفى انتظار المزيد من ابداعات قلمك... وتحيــاتى الخالصة لك ولاختــى العزيزة "الارستقراطية"..

essam يقول...

السلام عليكم اخواني االاعزاء ان شاء الله تكونون بخير.
اخي امجد قصة جميلة عن عالم مثل اينشتاين لانه عالم قلب الموازين والقصة اتمنى في يوم من الايام تصير حقيقة حتى استطيع ان ارجع بالزمن للقاء هذا العالم الرائع وبالمناسبة احلى جملة ذكرت بالقصة هي " بيت الحكمة والعلوم " عجبتني الى ابعد الحدود والحمد لله اصبحت مدونتك هذا البيت وتحياتي لك ولاختي الارستقراطية واختي بريتي
اخيك الصغير عصام

سر الأرض يقول...

السلام عليكم جميعا ومساء الخير ..

مرحبا أختي الأرستقراطية , كل كلامك جميل ومسرور لأن القصة أعجبتك .. إن كنت تريدين رد الدين فأفضل شيء تقدميه لي هو أن تدي لي في صلاتك لأنه أثمن شيء يمكن أن أحصل عليه .. شكرا لك .

-----------

مرحبا أختي بريتي , كيف حالك ؟ أنا مسرور لإعجابك بالقصة .. الخيال ينمي العقل أختي وبالخيال تسرحين في أي أرض , والخيال أفضل ما يفعله المحرومين والمساكين .. تقبلي تحياتي .

-----------

عصام أخي .. أهلا بك معنا واحد في أسرتي هنا وأخا لي .. كل الإحترام لك .

ملاحظة : كل تعليقاتي ليست مجاملات وإنما نابعة من قلبي .

هويتك صمت يقول...

، منتديات هويتك -
منتديات -
شات هويتك -
منتدى هويتك -
هويتك -
هويتك -
العاب هويتك -
العاب فلاشية -
العاب فلاشية 2012 -
الاوراق المتساقطة -
مسلسل الاوراق المتساقطة -
رمزيات بلاك بيري -
رمزيات بلاك بيري 2013 -
رمزيات -
روايات -
رواية -
حل تمارين -
حل اسئلة -
وظائف وزارة الخارجيه -
وظائف وزارة الخارجيه 1433 -
وظائف 1433 -
وظائف -
ملحقات الفوتوشوب -
فوتوشوب -
فساتين -
اسماء بنات -
صور

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017