14‏/2‏/2012

الكون



نائم على سريري في غرفتي قرب النافذة المطلة على العالم .. كل ما أره هي شجرة اللوز وقد كانت في موسم الزهر , لقد كانت كالثلج الأبيض أو كالعروس الجميلة المكللة بفستانها الأبيض ..إن كنت على وشك الحزن فإني أنساه .. من فوق رأسي ينسل شعاع الشمس الذهبي وأرى ذرات الغبار تسبح في الهواء , فأدرك أن الهواء ليس نظيفا كفاية .. أمد يدي لألمس الشعاع فأشعر بملمسه الجميل أشبه بالدغدغة .. أبتسم لهذا الشعور فتترتب ذرات الغبار على شكل كلمة جميلة تقول (مرحبا) , ألوح لها بيدي وأقول (أهلا يا صديقتي) ! فأنا أعلم أن الشمس تحبني جدا ولهذا لا تنفك ترسل لي شعاعها الذهبي ..

أعدل من نومي لوضع الجلوس , ثم أمد يدي وأحدق فيها .. كم هي بيضاء جدا , إنها من أثر مصافحة الشمس .. لكن أتذكر ذرات الغبار الترسبة على يدي وجسمي .. هل أذهب لأستحم أم أبق ؟! .. لا , لا .. من الصعب مفارقة أعز صديق لي , ومن الصعب أن أفتح باب غرفتي حتى لا يتلوث عالمي بالعالم الخارجي .. كل ما أحتاجه هو مصفاة لحجب عالمي الجميل عن القواعد المهترئة التي يغفل العالم عن إصلاحها .. حتى ذرات الغبار في غرفتي جميلة جدا , وتلك الزهور على شجرة اللوز ترسل لي عبقها من خلال النافذة وتلقي علي تحية الصباح .. وكما يدور الكون حول مركزه تدور النحلات حول الزهرة لتعطيها وتأخذ منها .. وبالنهاية تسر الزهرة وتسر النحلات في سلم تام ونظام بديع جدا ..

أنظر لكل ذلك من خلال دائرتين أرسمهما كل يوم على زجاج غرفتي المليء بالبخار المتكاثف .. أنظر لقطة ترضع صغارها البريئة .. تتصارع على ثدي أمها , وأنا أضحك على هذا المشهد بهدوء ..أعود لسريري لأحمل دفتري الأصفر وأكتب كل الكلمات الممكنة عن كل مشهد ممكن .. كم أنا بحاجة للطاقة , فأمد يدي لقطعة حلوى نسيتها على مكتبي من الأمس .. لكن النملات كانت تأكل منها , كان مشهد جميل , كل نملة تحمل قطعة وتذهب إلى بيتها لتتقاسم الغنائم .. ربما كانت النملات جائعات حقا .. لهذا شعرت بالفخر لأني سددت جوعها بحلوى لذيذة .. التقطت عشائي المتروك منذ الأمس لأتناوله , كنت جائع وبحاجة لطعام .. لم أضع أول لقمة في فمي عندما شدني صوت القطط الرضيعة تموء بصوتها الجميل البريء .. نهضت لأرى ما بها .. لم تعد أمها تستطيع در الحليب لها والقطط جائعة .. فتحت نافذتي وألقيت بعشائي للقطة الأم .. كانت تأكل بسرور حتى شبعت وأنا أراقبها , عندها عادت لترضع صغارها ..

أخذت شهيقا عميقا جدا ثم زفير .. كان شعور جميل حقا مع إطلالة كل صباح وزقزقة العصافير والعشب البراق الذي يحضن قطرات الندى لترحل في الصباح , وطائر يحط على عشه ليحضن بيضاته حتى لا تشعر بالبرد .. فهو يعلم كم أحب صوت الزقزقة , لهذا لا يريد للجمال أن ينقطع .. والطبيعة تولد جيل بعد جيل ..

أمي تطرق بابي تريدني أن أخرج لتناول الفطور .. هل يجدر بي الخروج الآن ؟ .. هل أترك كل عالمي لألوثه بالعالم الخارجي ؟ .. الطرق يزداد والصوت يعلوا .. في النهاية قلت .. أنا قادم يا أمي , كفي عن الطرق رجاءا .. واقفا عند الباب وكلي شعور بالريبة من لمس المفتاح , أنظر لسريري تارة وإلى النافذة تارة أخرى وأقول لنفسي .. لا بأس , لا بأس .. عندما ضغطت على المفتاح تردد صوته في غرفتي مرارا بشكل غريب .. الآن أنا في الخارج وقلبي مكسور على ترك عالمي الجميل .. لم يجدر بي أن أجوع ؟ , وهل إشباع جوعي سيكون على حساب موت عالمي الرائع ؟.

من جديد في غرفتي بعد الإفطار .. كل شيء كان أبيض ناصع الجمال وزجاج النافذة امتلأ بالبخار المتكاثف .. أعود لأرسم دائرتين لأرى من خلالهما .. ما رأيت كان شيء سيء حقا .. لقد حل الخريف القاسي ! .. ليس هناك زهر لوز ولا قطط ولا نحلات ولا شمس ولا عالمي الجميل .. هل مضى زمن طويل على خروجي من غرفتي .. بكيت بصمت شديد , وعندما انتهيت من بكائي كان الليل قد حل .. سأنام لأني متأكد أن ذلك العالم الجميل سيعود في الصباح , كلي إيمان وحب وشوق له .. لن أكرر غلطتي .. قال لي القمر عندها .. (تصبح على خير) .





* ملاحظة :
أرحب بكم أصدقائي وإخواني من جديد , وحلة جديدة بإذن الله وأعتذر عن التأخير  .. ادعوا لي , شكرا جزيلا على القراءة . أمجد ياسين

5 تعليقات :

غير معرف يقول...

الحــب الصــآدق كــآلقمـر عنــدمآ يكــون بــدراً والكــسوف هــي نـهآيته عندمــآ يلآقي غـدراً .. قــصة ويــعلم المــولى أنــهآ أكثــر أكــثر مــن رآئــعة ..
لـك منــي أجـمل وأنــقى وأطـيب وأحــر تـحية عزيزي أمـجد .. ^_^

غير معرف يقول...

قصه جميله جداااا والله
ومرحبا بعودتك اشتقنا لك كثيــــــــــرااا

pretty yoyo يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم...
حمدا لله على السلامة....وهى بالفعل عودة قوية..^_^

صدقا....قصتك ادخلتنى عالم جديد ورائع....عشت كل لحظة كأننى ارى بطل القصة وكل مايحدث امامى...وتتميز الفكرة الاساسية للقصة بالبراءة الشديدة..وهذا اكثر ما اعجبنى.

تحياتى....اختك pretty yoyo

سر الأرض يقول...

أهلا بكم أخواني الغير معرفين .. أنا أكثر شوقا لكم ولعودتكم , تحياتي

---------

أختي العزيزة pretty yoyo , كيف حالك ؟ .. رأيك جميل بالقصة وأرحب بعودتك .. تحياتي الصادقة

Khalid Hamarsheh يقول...

قصة ادبية رائعة

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017