3‏/5‏/2012

الإنسان

"... كنت أكتب لهم دوما .. أتذكر تلك الأيام التي أمضيتها معهم , كانت أياما رائعة حقا , برغم مغيب أبي إلا أني لم أشعر أن شيء ما ينقصني .. الآن لا أدري أين هم وأين عنوانهم , ربما رحلوا عن هذه الدنيا .. ربما رحلوا حقا وما زلت أنا الموجود , علموني كل الأشياء .. لكني لم أتعلم كيف أواجه عنفوان الحياة ..... بعد سبعة سنين من الغربة عدت ولم أجدهم .. بيت خاوي أصبح ملجأ للقطط .. لكني ما زلت أحب تلك الغرفة حبا جما وهي أول من دخلتها .. بكيت كثيرا حتى تعبت من البكاء وهدني التعب ونمت .. وسقط القلم من يدي .." 


هنا حين يسلّم الإنسان نفسه للنوم بعد حزن شديد , حزن على فراق حياة كانت كل أمله .. يتشبث بها دوما .. حياة علمته كيف يبتسم دوما .. لكن أين هي الآن ؟ , لقد رحلت وتركته حزين كئيب كسير وحيد .. يصرخ للجدران بلا فائدة .. انهض الآن .. كم رددت عليه تلك العمة هذه الكلمة كلما رأته حزين .. أخبرته أن الحزن هو نوم للقلب .. والقلب منبع الحب , والحب إيمان .. كان ينهض فعلا ويذهب لتلك الأرجوحة أو ليسقي الوردات .. مذ ذلك الحين لم ينم قلبه ولم يملّ من الإبتسامة , وشعر أنه سرق كل إبتسامة العالم لنفسه .. لكن حان الوقت ليسترد العالم ابتسامته .. فمن يوقظه الآن ؟ ..

بكم اشتريت هذه اللوحة يا أمي الخيالية .. لما كنت تفضلين أعمال ذلك الفنان ؟؟ ألأنه كان يترك بصمات أصابعه عليها حتى يبقى أثره على مر العصور بعد فناء جسده , ماذا تعلمت منه ؟ لا شيء !! .. فقط كنت مهووسة بجمع المقتنيات والأعمال القديمة .. كنت تنفقين مالا طائلا عليها .. لكني لم أكن لأسامحك عندما رفضت إعطاء ذلك المحتاج الذي طرق بابنا ذات يوم شيئا من مالك .. فقدت الشعور بك وفقد الشعور بنفسي , لهذا اقتنعت أخيرا أن أذهب للدراسة في الخارج .. ويا ليتني لم أذهب , ويا ليتك تعلمت من ذلك الفنان وتركتي لي أثر يخبرني أين ذهبت .. لا شيء أفكر فيه سوى أني ضائع وأعيش في فراغ لم أدر من أين دخلته ! ..

كنت تحذريني دائما من السير على الجسر , لأن وقع أقدامي سيوقظ التماسيح .. كم وددت يوما أن أجرّب ذلك , وقد جربت .. في أول يوم عندما رحلت إلى الخارج , سرت على الجسر لكني لم أوقظها , فعرفت أنك كنت تكذبين علي لأني كنت صغير .. الآن تحققت حكمتك وأيقظت التماسيح التي تحب أن تأكل كل حياة تمر بجانبها ..

ماذا أصبحت الآن (تومي) ؟ .. طبيب أسنان ؟ .. هل جئت لتعالج أسنان سكان البلدة أم جئت لتعالج مشكلة أنهم لا يبتسمون .. أخبرهم أن الإبتسامة لا تتعب الفكّين وأنها ليست مهلكة للإنسان .. حتى لو تعبت في الحديث معهم فلا تمل .. لا تذهب سنينك هدرا .. يكفي أنك أضعت حياتك ! ..

أخبرت صديقي العزيز ألا يتعلم فنون القتال لأنه سيكسر أسنان الناس على الدوام , لكنه لم يستمع إلي .. لذلك أصبحت طبيب أسنان , أصلح ما يكسره , لكن المشكلة ليست في الأسنان بل في الإيمان !!

.. لم أصدق يوما أن المعطف يقي من البرد أو أن البرد عدو المعطف .. كل ما هنالك أني أؤمن بالبرد .. لا شيء سيقي من خوف الزمان سوى الإيمان بأن لا وجود للخوف .. كل تلك المشاعر السلبية التي صنعناها لم تكن يوما في قلب الكوكب .. لكننا نصدق ذلك ولم نقتنع بذلك وظننا أن كل الأشياء السيئة هي جزء من حياتنا وهي فرض علينا , لكن بإمكاننا التغيير .. تغيير كل شيء .. بالإبتسامة , صدقوني .. لم أكن يوما طبيبا مخيفا أحمل في يدي فأسا لأخلع سن أحدكم .. بل جئت أحمل في يدي وردة لأخلع البؤس من وجوهكم ..

الجميع يؤمن بالقواعد , لكن ماذا لو كانت هذه القواعد مهترئة .. لماذا إذا عندما أبتسم لا تصدقون أنها ابتسامة من قلبي , وعندما أحزن تؤمنون بكوني حزين حقا .. أتعتقدون أن الإبتسامة هي قناع يخفي الجميع خلفه بؤسهم ؟ .. لا ! هذا الإيمان الباطل بالقواعد .. لكن لو كان القناع سيقنعكم بالإبتسامة فلن يفارق وجهي , لكن اعلموا أني لا أبتسم من قلبي .. الإبتسامة الحقيقية هي على وجهي ... ليس صعبا أن أكتب على الورق أني إنسان , وليس صعبا أن أعي ماذا يعني ذلك ..

لقد رحلت أمي حقا لكني لم أترك القلم .. رغم سقوطه إلا أني بحثت عنه تحت السرير حتى أكمل كتابة روايتي في غرفتي الخاوية بين القطط .. لأخبر كل واحد ما معنى أنه إنسان .. تعبت من الإقناع وأضعت سنين في الغربة أدرس علم الأسنان .. كان بودي أن أغير الكلمة إلى "إنسان" , لكني أردت أن أطلب من الجميع أن يبتسم ... إن لم يفهموا ذلك .. أتمنى أن يفهموه من روايتي ..



أمجد ياسين

2 تعليقات :

pretty yoyo يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم...

جميلة جدا.....جعلتنى افكـر...
ونهايتها مؤثرة ومعبرة....
القصة تحمل شيئا ما...لكنى لا اعرف ماهو...وقداثرت بى كثيرا..

شكرااستاذ امجد وبالتوفيق...تقبل تحياتى ^_^

سر الأرض يقول...

السلام عليكم ..

صباح الخير أختي "بريتي" ..

القصة مجرد وجهة نظر ...

نهارك سعيد

O_O

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017