17‏/7‏/2012

ساواوا


.. ألا تعتبرين يا أمي أن الشتاء ليس وقتا مناسبا للرحلات ؟ .. ربما بني , ربما .. كانت تنظر من مرآة السيارة وكأن هناك ما يثير انتباهها في الخلف , قالت .. أتعلم بني .. والدك كان يحب بل يعشق الرحلات في الشتاء , تدري لماذا ؟؟ .. لأنه كان يعشق التبلل وخاصة من أوراق الشجر !! .. أتضحك ؟! .. لا تظن والدك غريب الأطوار , لقد كان مستكشفا عظيما عشت معه طويلا قبل أن توافيه المنية .. لطالما أرادني أن أجرب شيئا جديدا .


نهر الدانوب بالقرب من الغابة السوداء .. كان التخييم لليلة الأولى , قبل أن يهطل المطر الوشيك ذهبت الأم وإبنها لجمع الحطب من أطراف الغابة .. أشعلا نارا كبيرة وجلسا في الخيمة يتدفئان .. كان الفتى ليس بحالة جيدة , سألته أمه .. (ميتشل) , أأنت بخير ؟ .. ارتمى بحضنها وتشبث بها , قالت بفزع .. (ميتشل) , ما بك ؟! .. نظر إليها بخوف وقال .. لقد شعرت أن أحدا ما يراقبني وأنا أجمع الحطب ! .. قالت له وهي تمسح وجهه .. لا تقلق بني , كنت بجانبك ولم أشعر بشيء , لن يطول وجودنا هنا .. سنرحل غدا ..


الواحدة بعد منتصف الليل .. الفتى (ميتشل) يوقظ أمه .. أمي , أسمع صوت همس .. هل هذا أنت ؟ .. (ميتشل) عزيزي , الوقت متأخر .. لما أنت مرعوب , ربما كنت أشخر في نومي , لم يتبقى شيء للصباح .. صرخ فجأة .. هناك .. أخرجت الأم رأسها قليلا من الخيمة لترى ما الأمر .. عادت وهي تضحك .. إنه حيوان "الموظ" بني , إنه لطيف .. أخلد للنوم ..


"ربما يكون ما رأيته قط , ربما كانغارو .. لكن لما يشبه الإنسان .. لما حدّق بي قبل أن يختفي , قرأت قصص عن المتجولين في الليل , عن المنعزلين .. لكن لم أدرك حينها ما يكون ذلك , كنت طفلا صغيرا وعالمي مليء بالخوف والخيال .. كل ما فعلته بعد وفاة أمي هو أني كتبت قصتي على ورق ورسمت رسم تقريبي لذلك الكائن الذي شاهدته .. لم تنته قصتي بعد .. (ميتشل - 1991) ."


بزوغ الفجر .. نهضت الأم مفزوعة بعد أن أدركت أن (ميتشل) لم يكن بجانبها .. كانت تصرخ في الغابة وتنادي على صغيرها حتى سمعت صوت الهمس .. بدأت أهلوس .. تابعت البحث عن (ميتشل) حتى سمعت صوته يطلب النجدة .. كان في حفرة يصرخ , أخرجته وهي تصرخ كالمجنونة .. ما بك .. لما أنت هنا ؟ أخبرتك ألا تتركني , بدأت تخيفني بتصرفاتك .. هيا سنعود للبيت .. لكن أمي لست أنا .. لا أدري كيف أصبحت هنا !! .. صرخت به .. (ميتشل) كف عن العبث معي , تصرف بطبيعية , حسنا ..


(ميتشل) .. السيارة كانت مركونة هنا , أين ذهبت ؟! .. لا يمكنك قيادة سيارة , أليس كذلك ؟ .. أمي , قلت لك .. هناك شيء غريب يحدث ! .. حسنا , كف عن البكاء ودعنا نبحث عنها ..


كان ذلك الساعة 6.15 صباحا , وجدت السيارة مركونة خلف الأشجار ولم يعرف سبب وجودها هناك .. من خلفها صرخ (ميتشل) بشكل مفزع .. التفتت ولم تجده , كان آخر شيء ظهر منه هي أصابع يديه .. الأرض ابتلعته بالكامل , لقد اختفى إذا , كل شيء قاله كان حقيقي ولم يكن يكذب بشأن الهمس ..


".. شعرت ببرودة لطيفة في أطراف جسمي ثم رأيت ظلمة وسمعت صوت انهيار تراب من حولي , أذكر أن شخصا كان يمسك بي من قدمي ويسحبني .. كأني أخوص في كتلة من الهلام , بعدها كان عندي شعور أنني لست أنا .. كأن شيء ما يستحوذ على جسدي في عالم أحمر بارد .. لم تنته قصتي بعد .. (ميتشل - 1991) ."


تبا للبث اللعين .. لقد علقت في الغابة أو بالأحرى شخص ما أرادها أن تعلق .. لم تعمل السيارة ولم يكن هناك بث في هاتفها , جلست تبك وتحفر كالمجانين لعلها تمسك يده .. لم تدر أنه إلى عالم النسيان ذهب , عالم النسيان مليء بالتجولين في الليل ومليء بالمنعزلين .. جلست صامتة وتفكر بأشياء عشوائية .. "(هاربر) لا تتركي يدي" .. "سيمتليء البئر هذا الشتاء" .. "أكتب قصص المتجولين في الليل" .. "هذا هراء" .. "الشتاء ليس وقتا مناسبا للرحلات" .. "الهمس" .. "لا تخبريهم عن ابنتنا" ..


الساعة 7.40 صباحا , التقط هاتفها بعض البث .. استغلت ذلك لتتصل بالشرطة  ... جائت الشرطة ومعها فرق بحث .. اسمك وعنوانك سيدتي .. (هاربر إدوارد) مدينة "أولم" .. هنا سيدي , رأيت طفلي يغرق في الأرض ثم اختفى .. ربما يكون انهيارا أرضيا , دعونا نحفر .. حفر وبحث طويل .. شهرين ولم يعد (ميتشل) والأم على حافة الجنون , عيونها تملأ النوافذ .. والظلام خارق , ومن يخفون وجوههم خلف القبعات هم المنعزلون , يختلطون بين الناس ويذهب أثرهم .. أصاب الأم مرض وحزن شديد , زارها الجميع .. ودائرة الحزن تلتف على جدار أسود , ودموعها تغسل الأرض المليئة بالذكريات .. لم تنفك تذكر (ميتشل) , ولم تنتبه لمن تجلس وسط الدائرة أم ذهبت ذاكرتها عن المنعزلين .. لم تدرك أوصافهم ولم تدرك همسهم , أصحاب القبعات المريبة .. لم تدركي يا سيدتي ما كنت أهمس لك به ولم تدركي أين ابنك .. لا تواجهي الخوف بشجاعة , فربما يكون الخوف أقوى منك .. سأعيده لك قريبا لأنني أعلم أنه أخي , وبطريقة ما سأحصل عليه .. العالم الأحمر مصيرنا ومصير من يُزرع الخوف في قلوبهم .. 


خرجت من بين الجموع الحزينة منطلقة إلى طريق العتمة .. بصمت وبدون خطوات وقبعتها تخفي عيونها الغريبة .. صرخات منتقمة من فوق .. (ساواوا) أعيدي طفلي أيتها الحقيرة .. ثم بكت وانهارت .. لكن الليل أذهب الكلمات .. وظن أنها تهذي ولا وجود لـ (ساواوا) .. كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة بصعوبة وكان بودها لو تخبرهم .. اقرأوا القصص .. ثم دب صوت صراخ النساء على فقدانها .. وبجانب الشجرة في ظل الليل تقف وتترقب وتستمع للصرخات .. ألا يجب أن يشاركنا أحد عزلتنا , أن يعود إلينا إخوتنا .. كنت أخشى الشتاء حتى لا يمتليء البئر , وإن امتلأ سأعود لعالم النسيان الأحمر .. (هاربر) , (إدوارد) .. أرادوا إخفائي , وظنوا أني اختفيت مع السنين , وأصبحت في محور قصصهم .. 


.. ولدت بطريقة غريبة .. وكنت إنسانة غريبة , لأن عيوني .... ولأن أذني .... ولأن بإمكاني فعل أشياء غريبة , كنت من المنعزلين وكنت من المتجولين في الليل .. الشتاء والبئر والغابة , غفلت (هاربر) عنها كما غفل (إدوارد) .. وجميعهم رحلوا ولم يتركوا سوى صرخات وذكريات .. (ميتشل) هو الشخص الوحيد الذي سيخرجني من عزلتي وكلما حل الشتاء سيخفيني داخل معطفه حتى ينقضي , لم يخبر أحد ولم أرده أن يخبر أحد ما جرى معه .. جعلني في سره وجعلته في قلبي .. "من يحملون الأسى سيعودون" ..


أمجد ياسين    

                                                                                                                                                                                                       

6 تعليقات :

pretty yoyo يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم..

رائعة جدا..لا اخفيك اخى انى شعرت ببعض الخوف وانا أقرأها...ولكنها بالفعل قصة متميـــزة جداجدا...^_^

شكرا على القصة استاذ امجد واتمنى لك التوفيق دائما ودوام التميز فى كتاباتك

Starter88 يقول...

جميلة جداً..أعجز عن التعبير و الوصف

سر الأرض يقول...

صباح الخير ..

شكرا أصدقائي وشكرا لوجودكم ..

نهاركم سعيد

wohnungsräumung يقول...

موضوع ممتاز جدااً....ونتمني لكم التوفيق الدائم
umzug-umzug
wohnungsräumung wien

Entrümpelung Wien يقول...

موفقين ... لكل ما هو جديد و قيم

Entrümpelung Wien
Entrümpelung
Wohnungsräumung
Wohnungsräumung WIEN

samaa mohamed يقول...

حلوة جدا انا خفت اوووى

بس مفهمتش حاجة :( :(

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017