1‏/8‏/2013

نيازك من الزجاج

الفصل الأول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في منتصف شتاء عام 2012 , كان عائدا إلى منزله قادما من مدينة رام الله البعيدة .. وحيدا كعادته يجلس في الحافلة يحملق من زجاج النافذة إلى الطريق التي تتكرر صورتها كل يوم أمام ناظريه .. يتخيل الأمل كأنه شخص جالس على الطريق ينتظر من يقله بدون مقابل .. خلال تلك النزلة العميقة التي تهوي فيها الحافلة ببطئ خوفا من حاجز الشرطة .. ليس قلقا بشأن حزام الأمان , لكن ما يقلقه هو كون الزجاج عليه أثر مطر مغبر من البارحة , فالبارحة عاد متعبا ونام باكرا ولم يسهر على النافذة ليسمع صوت المطر بدون أن يراه .. ذلك يشعره بالأمل حقا فهو مدمن على النشرة الجوية .. تحسس جيبه لعله يجد منديل يمسح به ذلك الغبار لكنه لم يجد سوى واحد وهذا المنديل هو المنقذ له من الزكام الشديد .. أبى أن يستخدمه , نظر من حوله ليجد امرأة جالسة قبالته .. طلب منها بلطف أن تعطيه منديل إن كان لديها واحد , أعطته واحدا فأخذه بين يديه يحدق فيه .. إنه ناعم وله رائحة زكية , تنفس بعمق قائلا "واو" بصوت مرتفع أثار انتباه تلك المرأة .. قال لها أنه آسف , عاد ليفكر بالغبار فلا يجب أن يفوت عليه مشهد أحراش الصنوبر التي يراها كل يوم على جوانب تلك النزلة .. لم يستعمل منديل تلك المرأة , فتح النافذة وأخذ يمسح الغبار بكم معطفه والهواء لخبط له شعره .. انتهى ولم ينتبه كم من الغبار قد لصقه بمعطفه الذي مضى عليه أربعة أعوام ولم يحصل على واحد جديد , ينظر إلى الأحراش مبتسما ويحاول أن يستنشق من خلال فتحة النافذة رائحة صمغ الصنوبر الزكية ويده تقبض على المنديل ... كم تنمى لو أن تلك النزلة كانت أطول قليلا , لا بأس في المرة القادمة فسيعود غدا .. عليه الآن أن يجتاز منطقة الإعلانات مغمض العينين , إنه لامر يضايقه أن تختلط صورة الطبيعة الخضراء ورائحة الربيع بصورة الإعلانات ورائحة اللافتات ... إنها المنطقة القذرة التي يجبر يوميا على المرور منها .. ففي ذات مرة كان عندما يصل لتلك المنطقة يرفع ستارة الشباك حتى يتخطاها .. لكن سائق الحافلة انتبه عليه وطلب منه ألا يرفعها مرة أخرى لأنها سريعة العطب وتكلفة اصلاحها مرتفعة .. لذا كان الحل أن يغمض عينيه طويلا , خلال تلك الغمضة كان يحلم بأحلام واعية .. يرى دائما فراشات وحقل أخضر , ينتظره هناك شخص يحاول أن يصل إليه , لكن في منتصف الحلم تقفز الحافلة عن المطب مما تعكر عليه صفوه .. وعندما يعود يبدأ من جديد ثم يأت مطب آخر .. لكن قبل أن يصل قريته بمائتي متر تكون الطريق سالكة بدون مطبات , لذا يستغل ذلك ليحلم .. 

فتح عينيه ليجد أن السائق ينادي عليه ..

- أيها الشاب استيقظ , أين بيتك .. لم يتبق سواك معي ..

ينظر من النافذة ليجد أن الحافلة قد تخطت بيته كثيرا , يقول له "لا بأس , أنزلني هنا" .. يدفع الأجرة وينزل إلى الشارع وسط الهواء والبرد يعد كم تبق لديه من نقود , هل يكفي للغد أم لا .. كانت لديه ورقة نقدية من فئة 20 شيقل , ارتاح جدا فغدا لديه امتحان في الجامعة .. لكن فجأة طارت الورقة منه مبتعدة للخلف وهو يركض خلفها على برك الماء وهنا وهناك حتى ابتعدت كثيرا عن الطريق ثم اختفت داخل الوادي المظلم , كانت الشمس عندها قد غربت وهو ينظر لها بأسى .. عاد خائبا يسير في الطريق ولديه هم كيف سيذهب غدا .. ها قد هرب أمل جديد . يا إلهي .

دخل البيت بتلك الحالة التي يرثى لها إذا بأبيه ينتظره بغضب ..

- (أحمد) لماذا تأخرت , ولما تبدو هكذا ؟

أخذ يروي له ما جرى معه لعله يصدق , لكن والده كان من النوع صعب الحوار , لذا قاطعه صارخا ..

- تذهب مع أصحابك الصائعين حتى المساء وتسرف نقودك ثم تأتيني بتلك القصة الواهية .. ثم أخذ يتمتم .. أنا لم أعرف كيف أربي , الحق علي ..

- لكن أبي , أقسم لك أن ذلك لم يحدث .. أصلا ليس لدي أصدقاء ..

- انقلع من أمامي وإلا جعلتك تنام خارجا الليلة .. اذهب ونظف نفسك ..

دخل إلى الحمام وهو مكتئب ويشعر بالضيق , أخذ يسكب الماء الدافيء على نفسه ببطيء لعله ينسى .. خرج بعد ساعتين لكنه وجد الجميع قد نام .. دخل غرفته وأقفل الباب عليه بالمفتاح وصلّى العشاء ثم ألقى بنفسه على السرير ملتحفا بالغطاء وأخذ يفكر .. هل ينام أم يدرس أم يفكر بحل لمشكلة العشرين شيقل .. على كل حال لن يجني شيئا من ذلك , انتصب على ركبتيه ليحدق من النافذة الملاصقة لسريره .. كانت هناك غيوم سوداء قاتمة قادمة من قبالة البحر , توحي بالبرد والدفيء والهواء المليء برذاذ الماء يتغلغل إلى أعماق رئتيه ثم يخرج حاملا تنهيده ترسل مع التيار .. واو , كم هذا جميل , حقا لا يمكنني النوم في مثل هذا الوقت .. يضع يديه على خديه ويرمش عينيه بطريقة غبية .. حان وقت الغباء , لا أحد يراني .. ثم يغوص بالتفكير فيها حتى يسرح طويلا طويلا في الأحلام , لكن نقطة ماء على خده أيقظته من أحلامه تلك , يا لي من أحمق .. لما لا أنفك أفكر فيها , لن أحلم حتى أن أنظر إلى وجهها .. علي أن أنسى , تبا لي , يا لي من فاشل .. بدأت تمطر ثم اشتدت حتى أغلق النافذة وذهب لينام دون أن يدرس شيء ودون أن يفكر بتنظيف معطفه ودون أن يجد حل للعشرين شيقل ..

يفتح عينيه بتكاسل كلما قصفت السماء الرعد ويتبعه بعد ذلك البرد الذي ينخر زجاجه نخر كالذي يحاول أن يتسلل إليه , وتضيء غرفته مرارا بلون أزرق قاصف ليعكس خياله الواقف في كل مرة في زاوية مختلفة , نام ونسي خياله واقفا .. نام وهو يحلم بتلك الفتاة ..

هلّ الفجر مبتلا وباردا كثيرا , عليه الآن أن يصارع بين دفئ الفراش الغفير وبرد ماء الوضوء , يصارع نعاسه ودفئه ويذهب ليتوضأ وصوت أسنانه تقرقع من البرد .. يقرع على باب غرفة والديه ويقول .. "قوما للصلاة" , يعود لغرفته وهو يرجف , يا لهذه المهمة الصعبة .. يصلّ ويلق نظرة من النافذة , يمسح البخار المتكاثف ويحدق جيدا .. ما زال هناك وقت طويل للشتاء , هذا جيد .

تشرق الشمس عند الساعة السادسة وربع وتظهر بوهجها اللامع من خلف غيوم الأمس , لكن لا تنفك تختفي من جديد بعد أن قدمت كتلة جديدة من الشتاء , عليه أن يستيقظ في ذلك الوقت ويتجهز للذهاب للجامعة .. يتناول ما يجد في الثلاجة ثم ينظف أسنانه ويغسل وجهه ويلبس اللباس المتكرر ... يحمل حقيبته دون أن ينظر ما بداخلها , عليه الآن أن يعيش في مأساتين , مأساة أجرة المواصلات ومأساة أنه لم يدر ما يوجد في كتابه , نزل إلى الشارع مطأطئا رأسه .. عليه أن ينتظر الحافلة وليست سيارات الأجرة حتى لا ينحرج أمام الركاب .. ليس لديه ما يدفع , كانت سيارة تأتي وسيارة تذهب والجميع يسأله .. هل ستركب ؟ , فيقول .. لا , أنا أنتظر أحدا , شكرا .. لقد بدأت تمطر بهدوء والهواء يلسع وجنتيه اللتان احمرتا من البرد وأنفه الذي أصبح مثل حبة البندورة .. وهو ينفخ على يديه تارة ويضعهما في جيبه تارة .. بينما هو كذلك حتى مرت تلك السيارة من أمامه , يعرفها تماما .. إنه والدها المتعجرف يقلها إلى المدرسة , نسي البرد والبلل ومأساته حتى نسي ما حوله , فقط حاول أن يراها من خلف الزجاج المبتل لكنه فشل , تنفس بعمق وعاد ينتظر , لقد تأخر حقا عن جامعته .. هيا أيتها الحافلة ..



توقفت العجلة أمامه وفتح الباب , صعد إليها .. كان عليه أن يجلس في الخلف ملاصقا للنافذة , عليه أن يندمج مع الراكبين , عليه أن يكذب على نفسه قبل أن يكذب على السائق .. في ذلك الصباح رغم البرد ورغم أن الحافلة قد مرت بجانب أحراش الصنوبر إلا أنه لم يستمتع ولم تأته تلك اللهفة ليحدق ويشم رائحة الصمغ .. كان يفكر كيف ينزل من الحافلة دون أن يدفع الأجرة .. يحدق إلى كم معطفه الوسخ فيقوم بكته بتراخي اليائس ..



رست الحافلة بالقرب من دوّار المنارة على بركة ماء راكدة , دفع نفسه بين الركاب حتى تملّص من الدفع .. لقد نجح وسار بعيدا يهاب النظر للخلف وضميره يوخزه بعصاه اليابس .. كانت مدينة رام الله تغرق في الضباب والمطر يتساقط بغزارة وعيوب البلدية قد ظهرت جليا في الطرقات , حفر وبرك وفيضانات وبهدلة .. الجامعة بعيدة عن رام الله , تبعد كيلومترا أو أكثر داخل البيرة التوأم .. لذا فكرة أن يستقل سيارة توصله للبيرة تعد فكرة مجنونة .. سار تحت المطر , أخذ يتبلل شيئا فشيئا وغرّته المبتلة بدأت تنسل على جبينه وشعره يقطر الماء البارد على رقبته ثم ينسل داخلا مشعره بقشعريرة جمل في القطب المتجمد .. والأدهى أن حذائه المثقوب بدأ يسرب الماء إلى قدميه ليزيد نسبة التجمد لديه .. جاهد عند الإشارة المرورية ليتملص من الزحمة وتراشق الماء من الحفر , وصل إلى منطقة البنوك والشركات .. كانت النوافذ جلية تعكس ما بداخلها من دفئ وأناقة .. موظف مهندم يقف هناك ينفث دخان سيجارته بتعجرف ومن المؤكد أنه يضع العطر والكريم والمرطبات وقد نام ليلته بجانب زوجة بينما أنا في البهدلة المتكررة أغوص لاني سمعت بالنصيحة التي تقول أن هناك مستقبل لي ... مستقبل حيث صعب أن يطول عنقي لهذه الدرجة لرؤيته , لكنه سيطول مع الزمن .. عادي فكل الطلاب يتبهدلون , هذا إن كنت حقا طالب , كيف أتفوق إن كان جلّ اهتمامي في تدفئة نفسي وأجرة المواصلات وجوعي الوشيك .. وللأسف أن كل اهتماماتي اليائسة لم تتحقق , فلا أنا دافئ ولا ملابسي تجلب الدفئ وليس لدي نقود ولا أملك حبيبة .. هل أبكي الآن في الشارع , هل سيخفي المطر دموعي المنسدلة , هل حقا سأصبح مثل ذلك الموظف , هل سأجد فتاة تعتني بي , وتنطق باسمي بصوت انثوي .. كلها خيالات مشرد اسمه طالب , لكن تلك الخيالات تجعل الدماغ يدور ويدور حتى ينتج طاقة تكفي لبلوغ القمر من على كرسي بلاستيكي .. لكنها لا تجلب الدفيء .. ها قد مرّت ربع ساعة على موعد الإمتحان وبقي لدي نصف المسافة لامشيها .. هل حقا علي أن أنظر لتلك الأشياء العالية أمر علي أن أنظر أمامي أم أغض البصر وأنظر للأرض , كما يقول مثل جدتي وكل تلك العجائز "من ينظر للأعلى تنقرم رقبته" لكن على كل الاحول ستنقرم ..


لقد بدت الجامعة من خلف الضباب , وكل أبناء شعبتي يقدمون الإمتحان .. لكني لم أفكر بإيجاد تفسير لسبب كوني مبتلا .. عندما دخلت سألتني الأستاذة الشقراء عن سبب تأخري , قلت لها .. إنه المطر , وسألتني عن كوني مبتلا .. فقلت وأنا أرفع حاجبي بلامبالاة .. إنه المطر .. ثم أكمل داخل نفسي بغلّ .. لقد أغرقني .. أجلس أمام الحاسوب لأبدأ بالإمتحان , كنت خالي الوفاض .. أمسكت بالورقة بين أصابعي المتجمد وبالكاد استطعت تثبيتها .. أنظر للأسئلة تارة وأنفخ في يدي تارة .. أتسائل .. هل هذا وقته , هل هذا وقت البرمجة .. لا أدري لم بدأت أفكر بقضايا العالم السياسية والإقتصادية والمشاكل الدينية والمجتمعية وكأني موكل بذلك , وكأن تفكيري يفيد .. لكني حقا بدوت قلقا ومستاءا وغاضبا , كلما حاولت أن أحمل القلم كان يسقط مني .. لم أقدر على حمله ولم أقدر على الإمساك بالـ "ماوس" .. يا للهول , يدي لا تطاوعني .. في النهاية استسلمت وتكتفت وضممت نفسي بقوة جالبا بعض الدفئ .. كانت لدي رغبة أن أبكي .. لكن الجميع سيسخر مني لذا كتمت نفسي ..

مرت الأستاذة من خلفي ثم توقفت ..

- أحمد , إفعل شيء , أكتب شيء .. ليس هناك وقت ..

ثم اقتربت مني معيدة السؤال علي , قلت لها أني متجمد ولم أدرس البارحة , لكنها اقتربت أكثر وأمسكت بالـ "ماوس" , كان شعرها الأشقر يتدلى أمامي وتفوح منها رائحة عطر يشبه عطر (فلة) .. قالت أنني لم أفعل شيء , ولا شيء ولم أكتب أي شيء .. قلت لها أني أعرف ذلك , لكنها نبهتني بكون علاماتي متدنية وأني لست نشيط , فلم أجبها بل ضممت نفسي أكثر محدقا بالورقة وعيوني غائرة بالدمع وقلبي مليء قهرا وكان بودي لو أنفجر بوجهها لكنني قضمت غضبي ..

عندما انتهى الإمتحان خرج الجميع للإستراحة , يطلقون عليها "بريك" والمحاضرة التالية كانت في الطريق .. بينما بقيت في القاعة لأني متجمد ولا أشعر بأطرافي ولكوني لا أملك النقود لأشتري من الكفاتيريا كباقي الطلاب .. لست مجبرا على فعل ذلك , لست مجبرا على النزول , لن أحرك ساكنا .. سيأتي كل شيء يوما صعودا إلي .. نعم سيأتي وتتوقف ملابسي عن قطر الماء ..

بقيت الأستاذة في القاعة .. نهضت من كرسيها وجاءت لتجلس بجانبي , سألتني لما أنا مكتئب دائما ولا أهتم بدروسي .. أجبتها بصوت ذابل كأني أنتظر من يسألني .. قلت لا أهتم بدروسي لأني لا أملك جهاز "لابتوب" .. كيف أدرس بدونه .. كان جوابها السيء الذي لم أتوقعه .. اشتر واحدا .. وكأن الكلام كالفعل , وكأنه يحق لي أن أفكر بالشراء أصلا , لقد كنت دائما أعول قضية فقري وبؤسي وتشردي وكذلك الكثيرين على قضية أنني أعيش في فلسطين حيث المعاناة والحرمان والألم .. كنت دائما أحاول أن أقنع نفسي وأتغاضى عن الواقع , كل يوم أرى مئات من سيارات "بي أم دبليو" وآلاف يلبسون الكرافات ومئات الشركات والبنوك , وأنا أخاطب نفسي .. اسكت يا ولد .. إنه وهم الإقتصاد , الشعب الفلسطيني يعاني .. لكن مؤخرا فقط اكتشفت من يجعله يعاني ومن يحتكر حقوقه تحت ابطه ويتربع على مكاتبه على حساب الآخرين , دائما ما يوهموني بالوظيفة القادمة , دائما ما يرسمون لي مكتب من خشب الزان وحوائط الجبص ونافذة مطلة على شارع سيسير عليه مشرد مثلي يوما ما .. كنت أتغاضى عن كل الآلام والحرمان وكل اليأس فقط في سبيل أن أقنع نفسي أنني يجب أن أصمد , أنا حقا وسيم وقلبي طيب ولا أتلفظ بألفاظ بذئية ولا أدخن وأصلي ولم أضرب أحدا ولا أقدر على ضرب أحد , لكني لست هزيل .. كلها قناعات ترضي فقط نفسي المتهالكة .

كانت الأستاذة تتصفح الإنترنت بجانبي ثم سألتني عن برنامج قوي لمكافحة فايروسات الحاسوب "انتيفايروس" .. شعرت باللهفة الشديدة وفقدت الشعور بالبرد , أخبرتها باسم أحدها وقلت لها أني أملك مفاتيح تفعيله .. لذا كانت فرصة لأطلب بريدها الإلكتروني فأعطتني إياه , أرسلت لها ما تريد واحتفظت ببريدها عندي , قالت لي شكرا بنغمة أستطيع أن أميزها من بين كل النغمات .. إنها نغمة الشفقة والإعجاب .. لا بأس بذلك حقا ..

مرت تلك المحاضرات ولا أدري كيف مرت فكان موعد المغادرة إلى البيت , لكني لا أظن أني سأرى البيت اليوم .. كان علي أن أسير على نفس الشارع جائع وبردان جدا ومبتل ويائس للغاية ورسوبي في تلك المادة وشيك .. سرت وسرت وكل تلك المشاهد تتكرر ورائحة الطعام تفوح من المطاعم وأنا أتغاضى وأقنع نفسي أني ملاك لا آكل ولا أشرب ولا أتنفس وأمضي حياتي على هذا النحو .. في النهاية وصلت إلى مكاني المفضل , مقعد خشبي وضعته البلدية تحت شجرة خروب كبيرة قريبا من مدينة رام الله .. شكرا لك أيتها البلدية , كم أنت كريمة علينا ..  جلست عليه وأمامي كانت بركة ماء كبيرة .. كلما مرت سيارة ترشقني من رأسي حتى قدميّ , كنت أبدوا كالأحمق أو الغبي أو المشرد .. كنت جالسا وأحرك بقدمي الماء لأرى الأمواج تبتعد ثم تختفي , رأيت أمواجا تتكون من تلقاء نفسها , عدّلت جلستي مبتسما ثم نظرت إلى جانبي الأيمن ..

- أأنت هنا يا صديقي ؟

لكنه لم يجب بل استمر بتكوين الأمواج وأنا عدت لأفعل مثله مطئطا رأسي , لم يكن له أن يظهر سوى تحت الشمس وأعرف أن الشمس لا تأتي في الشتاء .. خاطبته كأني أريد أن أفتح موضوع ..

- هناك مدن تعاني من الضبخانة , يأتي عليهم مطر قاسي يحرق جلودهم .. احمد ربك , المطر هنا نظيف ونحن نستحم مجانا ..

ثم غيرت الموضوع قائلا ..

- لن أسامح نفسي , سأبقى قلقا حتى أعطي ذلك الرجل حقه .. أنا آثم , أليس كذلك ؟ السبب الذي يجعل السعيد سعيد هو الذي يجعلني حزين .. المسني يا رجل , ضمني أرجوك , أرجوك , أرجوك .. دعني أراك , أنا أرجوك ..

نزل أحمد على ركبتيه غارقا داخل البركة يبكي ويتوسل إلى لا شيء أمامه , ولا أحد خلفه ينظر له من بعيد , الجميع يجلسون خلف مواقدهم ..

فجأة شعر بقبلة دافئة على خده المثلجة , تبسم رغم حزنه وقهره ..

- يا لك من ثعلب , تحاول إرضائي بقبلتك , لا تقلق لقد قبلتها منك .. لن أكون حزينا ..

لقد تأخر الوقت وقربت الشمس على المغيب , رن هاتفه الجوال الذي حمد  الله أنه لم يعطب من المطر .. كانت أمه تسأله عن سبب تأخره , لم يشأ إخبارها بكونه لا يملك أجرة المواصلات , ففضل الكذب عليها حيث قال أن له لقاء مع أصدقائه هذه الليلة .. الورطة الكبيرة أن أمه كانت تضع مكبر الصوت فسمعه والده فأخذ يصيح ويهدد ..

- أرأيتي , هذه تربيتك .. الله يعلم الآن يدخن أم يسكر مع الصائعين أمثاله .. 

أقفل أحمد الخط وأقفل جواله نهائيا ..

حانت صلاة المغرب , كانت لديه نية أن يصلي المغرب والعشاء ثم يمضي ليلته في المسجد .. يصلّ ويرجف وقلبه يدعوا بالدفيء الغفير .. كلما مد يده ينهلّ عليه من السقف ..

هلّ الصباح المبتل جدا .. كان عليه أن يذهب باكرا يبحث عن عمل ما يجني منه بعض النقود .. لم يترك مكانا إلا وزاره .. مصنع المرتديلا والنقانق , مصنع الشوكولاته , المحامص ومحلات الملابس وسوق الخضار وكل مكان .. الأغلبية يقولون "للأسف فش وظائف شاغرة" والآخرون يقولون "إيش عند خبرة" .

لدي خبرة في المعاناة , لدي خبرة في كيف أن تحيا تحت المطر دون طعام ودفئ , كيف أن تحيا بدون نقود تافهة .. يتوقف في نهاية جولته أمام محل لبيع المرايا ينظر لنفسه ويقول .. "واو , كم أصبحت أبيض البشرة .. لن أذبل بعد اليوم .. لقد ارتويت من المطر كفاية"



الفصل الثاني - جسدي الطريق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على كل شيء أن يستيقظ , على التنهيدة أن تذهب , على الأسماء أن تتغير , على الصورة أن تتبدل .. أريد ان أكلم الرئيس , أنا أدعى "مواطن" , من حقي أن أكلم الرئيس .. لن يقبل بمقابلتي فهو يجتمع مع (كيري) , أضرب بقدمي قناني الكولا والماء التي تتجمع هنا وهناك وأضع يدي في جيابي , كنت أسمع موسيقى .. موسيقى تتناغم مع حالي , كلما سرت للأمام خف نغمها حتى بدى على جنبات الطريق أناس .. نساء ورجال يمدون أيديهم ويبتهلون للحاجة , هناك مُقعد وهناك من فقد أوصاله .. هناك محتاج بصدق وهناك من يمتهن تلك المهنة , للأسف لقد عطل الفاسدون على المحتاجون .. نظرت لأطرافي فوجدتها سليمة فحمدت الله , كان عقلي سليم وبصري سليم وأستطيع أن أتنفس ولدي من الكرامة ما يفيض .. فحمدت الله وسرت حتى وصلت إلى منطقة تخف فيها الحركة وهناك محلات مقفلة أبوابها منذ زمن والصدأ بدى له جذور .. توقفت أمامها لأنظر لتلك الملصقات بنية اللون , داخل دائرة موضوعة صورة لشخص ومكتوب فوقها "جسدي الطريق" .. لم أتمكن من قراءة ما بال ذلك الشخص , فقط عرفت أنه شهيد .. أعجبتني الكتابة تلك حتى أنني حنيت ظهري قليلا لأتفقد الكلمات ولمستها بأطراف أصابعي .. لقد سرح خيالي بعيدا بعيدا , نهر كبير يفصل بين قارتين .. الأولى تحترق والثانية جنة تتلألأ , يجتمع الناس على ضفة ذلك النهر يهربون من الحريق قاصدين الجنة .. من يدخل النهر فسوف يغرق ومات الكثيرون أمام عيني , شعرت بالأسى عليهم وقادني شعوري لألقي بنفسي في النهر وأتتشبث بالصدفات والجميع يمر من على ظهري .. في النهاية كسر ظهري ورأيت آخر رجل يغادر دون أن يلتفت لي .. دون أن يقول لي .. شكرا , دون أن يخرجني من النهر ... لقد غادروا كلهم وأنا أبتسم لهم ثم تواريت داخل الماء ولا أعرف إن كنت قد مت , سحبني التيار معه ليلقيني على ضفة غابة .. رأيت الأشجار تتحرك نحوي وانحت لي , لمحت على جذوعها عبارة تقول "جسدي الطريق" .. لم يذكرني أحد يا رفيق سوى في الزقاق الخالية , حيث تتجمع نفايات الجشعين وعديمي الإحساس اتجاه االوطن .. همست للصورة .. "شكرا لك , أنا مقيم دائم في غابتك وسأحفر عبارتك على الماء .. لا تكترث لهم , نحن من سنبني ما قد هدم , نحن البؤساء" .. 

مرت من خلفي فتاة محجبة تلبس الأبيض , التفت لها فوجدتها واقفة تنظر لي بابتسامة جميلة .. عيونها الخضراء كأنها رصاصة أصابتني , شككت في لحظة كونها إنسانة , ثم ذهبت بهدوء وهبت رياح قوية جلبت كتلة من الضباب أخفت تلك الفتاة بداخلها .. بعد برهة رأيت ورقتين تهلان إلي مع الريح حتى استقرتا أمامي وهدأ الهواء .. حملتهما فوجتدهما عملتان من فئة المئتان شيقل , تركت المكان ولحقت بتلك الفتاة , لكن الغريب أنها اختفت , تبخرت أو اندثرت أو طارت مع الغيوم ... أمضيت ساعة أنتقل من طريق لطريق على برك الماء لأعثر عليها ... لقد يأست من تلك الملاكة البيضاء , هل أوقعت نقودها أم أنها هدية من السماء ..


هدأت الأصوات داخل المدينة ولم يسمع سوى صوت لهاثه , قلق ومحتار وخائف ويشعر بالمعجزة التي حدثت معه .. يطل على موقف السيارات ويتسائل .. هل أرجع للبيت أم حرام أن أستخدم هذه النقود , يهز رأسه عائدا إلى محل جميل مليء بالألوان البراقة المشعرة بالدفيء .. يتناول لعبة كبيرة فيغلفها له صاحب المحل ويدفع السعر .. كان سعرها عشرون شيقلا , لا بأس .. اعتبريها دين يا ملاكة , سأعيدها لك ..

يركب السيارة عائدا لقريته ويلتصق بجانب النافذة , عليه أن يتشبع باللهفة .. يتحرق شوقا لتلك النزلة وهو يتمتم .. الحمد لله , شكرا يا رب على هذه الرزقة , المطب الثالث عند أول النزلة ثم تهوي السيارة والسائق يطلب من الجميع أن يضع حزامه , يخاف من المخالفة ولا يخاف على صحة الركاب وسلامتهم .. يمشي على مهل و أحمد يشعر بالخفة وكأنه هواء يريد أن ينسل عبر النافذة ليندمج مع عبق صمغ الصنوبر .. يا للهول , لا يمكنني التحمل حتى أزور هذا المكان على قدمي , سأحضر معي حبيبتي يوما , لن أغادر أبدا , أريد أن أحضن الأشجار .. أريد أن أقبلها وسأحمل حبيبتي وأدور بها كالفراشة بين ذراعي حتى نندمج مع المكان .. لأنني أنتمي إلى الطبيعة وليست تلك المدن وتلك الشركات وذلك الضجيج والرأسمالية البغيضة .. ثم ينام مع عليل الشتاء ولم يشعر بصدمة المطبات , حلم عميق لذلك المكان حتى صاح به السائق .. أحمد , إنزل لقد وصلنا .. إنه يعرفني , لقد قال اسمي .. لقد سمعته ..


ينزل ليواجه الهواء حاملا لعبته الكبيرة .. يتخيل أن امه وأبيه ينتظروه , أخته الصغيرة تنتظر دبدوبه ذلك .. أنا أعمل يمكنني الغعتناء بكم .. يصعد تلك تلك الطريق وينظر إلى بيوت الجيران وفي ظنه أنها تغيرت .. لكنها كما هي , فيوم واحد لن يغير .. هناك عند باب منزله لم تكن أمه ولا أبيه ولا أخته .. دخل بحذر فوجد الجميع حزين وأمه تبكي ووالده ينفث دخانه بغضب , لم يكترثوا لوجوده سوى أخته الصغيرة التي أخذها إلى الغرفة وأعطاها الدبدوب وسألها عما يجري .. قالت له أن شركة الكهرباء قد قطعت التيار بسبب ديوننا المتراكمة .. شعر بغضب وشيء داخل صدره يضغط عليه , ذهب إلى أمه وقبل رأسها وقال .. لا بأس أمي , لا تبكي .. سيعود كل شيء كما كان .. صعد إلى ظهر بيتهم حاملا خشبة وشريط لاصق وسكين , أمسك بالسلك المقطوع وأخذ يعريه بالسكين بغّل وأسى وأمه تصرخ عليه .. انزل يا أحمد , لا تكن مجنونا .. لا بأس سننام الليلة في العتمة .. لا بأس أمي لن أموت , أجيد عمل ذلك .. وضع السلكين على بعض ثم قام بثنيهم ووضع اللاصق عليهم .. لقد عادت الكهرباء وفرحت أمه كثيرا لكن سألته إن كان ذلك حراما .. قال لها .. ليس حراما , الحكومة تسرقنا ولا توفر لنا عمل .. لا أحد ينظر لنا , لا تقلقي أمي فالله يعرف كل إنسان ..

بينما هو جالس بجانب والده الصامت إذا بأخته الصغيرة تهمس له .. ليس هناك شيء في الثلاجة , أنا جائعة جدا , قبلها وقال لها .. لا تقلقي عزيزتي , اللعنة على الجوع ... ذهب إلى البقالة واشترى بخمسين شيقلا طعاما وأغراضا للبيت , عندما دخل بتلك الأغراض وجد أمه تبتسم وأخته تقفز لكن والده تغيير وجهه وبدأ يسأل ..


- من أين لك هذا أحمد , لا تقل لي أنك عملت فمثلك لن يعمل أبدا ..

- ما الغريب أبي , لقد عملت .. وجدت عمل ليوم وحصلت على المال ..؟

- حسنا , هل بقي معك مال ؟

- لم أبي ؟

- أعطني واسكت ..

سحب العشرون شيقلا من يدي وذهب إلى الخارج وأختي تسحب مني الأكياس وتقول .. ماذا جلبت لنا , قلت لها .. شيء لذيذ , وأخذت أمي تعد الطعام .. في المساء جلست مع أمي وأختي الصغيرة أخبرهم بالأمر وطلبت منهم ألا يخبروا أبي بالحقيقة .. قالت لي أمي .. الله يرزقت يا حبيبي , الله يرضى عليك .. ما رأيك لو تذهب للجبل وتقطف لنا الفطر فهذا موسمه .. تبسمت وخطرت لي فكرة أيضا .. في ذلك الوقت عاد أبي يحمل خمسة علب دخان ولم يقل لي شكرا .. قلت في نفسي .. لو اشترى فيها شيء لأختي وأمي لكان أفضل من هذا السم الذي يتناوله ..

في صباح اليوم التالي كانت السماء توحي بالمطر والضباب يحل من الغرب يدفعه الرياح أمامه ليخفيني بين صخور وأشجار الجبل .. لم أتوقع أن أعثر على فطر عيش الغراب بهذه الكمية , كذلك عثرت على فطر "السندي" اللذيذ والمرتفع السعر .. فطر لونه أحمر برتقالي وساقه مائلا للاخضر وله رائحة زكية وطعم يشبه طعم اللحم ... في ذلك اليوم اختليت بنفسي مع الطبيعة , كنت أتقافز مثل غزال رشيق من صخرة إلى صخرة وأرفع يدي أمام وادي عميق في مواجه الريح .. صوت الريح المنسل بين أوراق السرو والصنوبر الإبرية تشعرني كأنني بوسط محيط هائج لا ينكسر شراعي .. ألمح الغزلان تتقافز والثعالب تتنقل من شجرة لشجرة .. حلمت بالبقاء وبناء بيت خشبي بين الأغصان وأنيره بسراج وأجلب أختي معي لأريها العالم الخيالي الذي أراه .. عالم يخرجها من دخان أبي الكثيف , من سعاله المتكرر , من عصبيته .. من صراخه على أمي المسكينة , أين العالم من هذا المكان , أين ذلك الموظف المهندم من تلك الاحلام .. لقد حصلت على شيء أفضل منك , الحرية هنا , الحياة هنا .. تذكرت كتاب (جون كراكور) "إلى البرية" الذي منه انتج فيلم "إنتو ذَ وايلد" .. (كريستوفر مكندليز) الذي هرب من عائلته الثرية , هرب من المال من الصرامة من حياة الأعمال .. هرب من كل شيء ليتوجه إلى الطبيعة داخل حافلة قديمة , كان دائما يردد أن هنا تكون الحياة .. هنا الحرية , وأثناء مغامرته التقى بفتاة مراهقة جميلة وتلك اللقيا تكفيه , فمنها الطبيعة تجلب .. كان يفكر مثلي ويتمنى مثلي .. وأنا أتسائل أين العالم من هذا , ليس لدي عائلة ثرية ولا أب يسأل بي .. لكن لدي شعور بداخلي يخبرني أنني حر مطلق , أنا أريد كل ما أريده .. أنا الطبيعة وهنا نشأتي ..

عدت في ذلك اليوم أحمل حقيبتين ثقيلتين ملأى بالفطر الجميل .. وأنا أسير حتى وصلت إلى القرية والجميع يسألني عن الفطر ويطلب مني أن يلقون نظرة وعبارات .. ما أجملها .. أعطني واحدا .. فقلت لهم .. شكرا , أنا أبيع لمن يريد أن يشتر .. كانت تلك بداية لمشروعي التجاري الذي أنشأته في الطبيعة بين الأشجار .. عدت لأمي بتلك الكيسين وفرحت كثيرا وجلست لأنظف الفطر من التراب وأوراق الأشجار .. كان منظر فطر "السندي" مشهي جدا ورائحته عبقة , في ذلك اليوم أتي شخصان لبيتنا يطلبان شراء الفطر .. فبعتهما إثنين كيلو لكل واحد , كيلو عيش الغراب بعشرين شيقلا أما فطر "السندي" بأربعين وبهذا جمعت مبلغا وقدره مائة وعشرون شيقلا وكم فرحت .. تناولنا من ذلك الفطر الكثير وبعت الكثير وكنت كل يوم أستغل الوقت قبل الجامعة لأذهب وأقطف الفطر ويخالجني شعور أنني مختلف كلما اندمجت مع الطبيعة وتلك الحياة ..

في يوم السبت تمنيت أن ألتقي بالحافلة التي لم أعد أراها منذ أن أضعت العشرين شيقلا .. وحصل ما تمنيته فقد وقفت بعجلتها الكبيرة أمامي ... جلست عند النافذة منتظر تلك المنقطة الحرجية الجميلة , مررنا بجانبها واستمتعت بها حتى وصلنا إلى دوار المنارة في رام الله .. أثناء نزولي أعطيت السائق عشرون شيقلا وقلت أنها عن اثنين فرجع لي عشرة شواقل .. لم أشأ أن أخبره أنها ذلك الدين , الله يعلم أني أرجعت له حقه فقط .. حتى أني أضعت نصف ساعة أبحث في رام الله عن تلك الفتاة الملاكة ذات العيون الخضر .. لكن عبثا , أردت أن أمشي إلى البيرة حيث جامعتي وأجرب شعور المطر اليومي , لكني كنت سعيد وأشعر أن لدي أفضل من تلك البنوك والشركات وأفضل من ذلك الموظف المهندم وأفضل ممن يمتلكون سيارات "بي أم دبليو" , أنا أمتلك الطبيعة وقد رضعت منها .. في ذلك اليوم ركزت في محاضراتي واشتريت للأستاذة الشقراء كوب شاي شاخن وقطعة شوكلاته على حسابي الخاص وسرت بذلك وشكرتني وأمضيت فترة الإستراحة أتصفح الإنترنت وأقرأ في رسائل البريد الواردة وأنا أرى الأستاذة تتدفأ من كوب شايي وتتلذذ من قطة الشوكلاته خاصتي وكم سررت بذلك وهي تستمر في شكري ..

انتهى دوامي عند الخامسة والنصف مساءا وكانت الشمس خافتة وتريد أن تهرب خلف البحر , ركبت سيارة لأصل لرام الله وانطلق إلى موقف السيارات فلم أجد احدا ليقلني للبيت .. تأخرت وتأخرت حتى قربت الساعة على السابعة دون أن يقبل أحدا , تأخرت حقا وكلي قلق وبرد شديد ينخر عظامي وأخشى أن تذهب عني صلاة المغرب .. حمدت الله عندما وقفت سيارة غريبة لتقلني وقلت له بدون وعي أني سأدفع ما تريد لكن أرجوك أعدني للبيت .. لقد استغلني وكان واحدا من الجشعين الكثيرين الذين يقطنون في وطني , الذين يستغلون المواقف ليكسبوا على حساب الآخرين .. دفعت له عشرة شواقل بدل من خمسة وهي الاجرة المعتادة وأمضيت ليلتي أتحسر عليها .. لو كنت أعطيتها لأختي (نورا) لكان أحسن .. الله لا يسامحك , مالي ليس مال حرام .. موسم الفطر لن يدوم أكثر من اسبوعين وسيعود الفقر المدقع , سأضطر لانام في الشوارع وستبكي أمي وستجوع أختي .. حدقت من النافذة إلى البعيد حيث البحر الذي سلب منا بدون حق , وسط الظلام يمكنني تمييزه جيدا .. يمكنني رؤية الغيوم التي تهل كل ليلة .. وعلى الرياح الرطبة نمت تحت دفيء الفراش وتلك الفتاة سيدة أحلامي , إنها تعيش بقرب منزلي وهي المقيمة الدائمة في قلبي وفي أحلامي ومخيلتي وأصبح أفضل إنسان لو لمحتها فقط .. ليتني ألمحها , ليتني أرى عيونها ..


لم يتبق معي ما يكفي من المال وكلي انتظار ليوم إجازة جامعية حتى أجلب الفطر .. أعطيت أمي لتشتري لاختي الملابس وتشتري لها ما تريد وأعطيت أبي ولم اكن أريد أن أعطيه لاني أعرف أنه يسرف المال على الدخان , يعمل قليلا ومتى احتجت لأجرة المواصلات يبهدلني وينعتني بالفاشل .. مترقبا أيام سأذوق فيها المأساة وقلبي خبرني أن أتوكل على الله .. وفي كل ليلة أمضي على النافذة وأعد أيام الشتاء , فموسم الثلج لم يحن بعد .




الفصل الثالث - البلكونة العالية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



بدايات شهر شباط البارد , عمق الشتاء حيث يحن علينا القطب الشمالي من برده , نوبة حزن أصابتني , اكتئاب شديد جعلني ألازم النافذة ..  في الليلة الفائتة نعتني أبي بالفاشل أربعة مرات , لا أعرف لماذا يحقد علي هكذا , تحملته طوال الإثنان وعشرون سنة , طوال تلك السنين أقنعني أنني فاشل حقا , كان يخبرني أنني لن أصبح مثل الناس , كان يخبرني أنني مريض , كان يخبرني أنني لن أدخل الجامعة يوما , كان يخبرني أنني لن أتزوج يوما , جعلني حزين ومصاب بالإكتئاب , جعلني خائف ولا أقبل الناس , جعلني أخاف من النساء برغم حبي لهن , جعلني وحيد وأبكي , رغم أن الرجال لا يبكون , لكنه علاج للأسى الذي ينخر عظامي .. استر على دموعي أيها الشتاء , استر على دموعي .. صباح ليس فيه شمس وليل ليس فيه قمر ولا نجوم , فقط غيوم رمادية عالية تغطي الأفق , غيوم تندمج مع العتمة وتندمج مع النور .. رياح شمالية تلسع الوجنتان , حان للأرض أن تبرد لتستقبل الزائر الأبيض , شيء جديد أراه لمرة واحدة في العام , لا يتكرر إلا نادرا .. يفارقني طوال عام .. أي مجنون ذاك الذي يجلس في الشتاء على النافذة , أنا ذاك هو المجنون .. أنا هو ذاك الفاشل .

اعتقدت أن تلك الليلة سيهطل فيها الثلج , لكنه لم يهطل فهو بحاجة لمن يصعد ويلمسه وتمنيت لو أني أطول وأطول حتى أرى كثبان الثلج التي تأتينا من عالم خيالي أبيض وألمسها وتهطل علي دون الخلق , شعرت بالماء المتجمع على حافة النافذة يبل كم كنزتي المخملية , كان علي أن أغلقها وأن أمسح دموعي التي أطلقت لها العنان .. من سيصلح خطأ ارتكب طوال اثنان وعشرون عام , فقط الصبر والبكاء , لم أتغذى بدفيء حقيقي طوال حياتي , لم يكلمني أحدا حقيقي طوال حياتي .. أحلم بالنساء ولم أغنم بفتاة حقيقية طوال حياتي , فقط أصدقائي هم القطط والكلاب وظلي الذي أراه في الصيف , لا أستطيع أن أحصل على المال ولا أستطيع أن أعثر على الناس , لا أعرف كيف أساعد نفسي .. دائما ما أنعت نفسي بـ "جثة ماشية" , أفكار تروادني وأسألة أسألها لنفسي الأخرى ولا تجاوبني , وظلي الصامت الأبدي أنتظر قصفة برق لأراه فكم اشتقت له .. من أعماقي اشتقت له , عسى برق الثلج العظيم يريني كامل تفاصيله .. لكنني نمت على صوت نفسي وطعم دموعي المالح في فمي ولم أرقب البرق ..

استمر اكتئابي حتى منتصف شباط , الخامس عشر من شباط يوم مميز حيث تمتلئ الأسوار والحوائط بالكتابات والشعارات فهو يوم حافل بالأحزاب .. أحزاب لا أراها سوى في دهان يخط كلمات , كلمات لا تلبث أن تبتل مع المطر ليأتي العام القادم لتدهن الأسوار وتكتب من جديد .. عادة اعتاد عليها الفلسطينيون كثيرا , لديهم شيء في قلوبهم .. غصة وغضب على ما جرى لحياتهم وأرضهم , لا يعبرون عنه سوى بالكلمات , ولا يكتبوها سوى في الليل وهم مكممين , فالأنين جريمة والعذابات لا يحق أن يعبر عنها , فمأساتي الصغيرة لا تضاهي مأساة هذا الوطن المكسر .. مجلات كثيرة أقرأ فيها لكتابات صغيرة وكبيرة يخفون خلف الكلمات وجه صامت يذرف دموعه ببطئ شديد لا تكاد ترى , ومذياعي العتيق يصدح بأغنية "أحن , إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي , وتكبر في الطفولة , يوما على صدر يومِ , وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي" , كلمات تعيد ذكرياتي لأيام الثورة المجيدة , انتفاضة الأقصى .. كنت عندها لا أفقه معنى السياسة ولا الوطن , لم أشارك فيها حقا , لم أكتب عنها لأن قلمي عجز أمام كلمة "فاشل" .. استمريت حتى أتى الوقت الذي لم يعد فيه قلمي عاجز , أحاول كسر قيود حياتي , تلك الأفكار وتلك الكلمات التي ترن في رأسي , التي غرسوها في رأسي منذ طفولتي .. أحاول كثيرا حتى استطعت الكتابة , وأنا الآن أكتب عما قد نسي .. عما قد اندثر , عن وجه حياتي المخفي الرائع , عن الحقيقة خلف كل ذلك .. حقيقتي أنا الذي اندثر , لعل هناك من يهوى القرآة مثلي , لعل هناك من يشعر بي وبكلماتي , لعل هناك من يؤنس وحدتي .. تهون على قلبي المأساة في ذلك اليوم .


ذلك اليوم بعد ذلك اليوم في المساء كان الجو بارد بشكل ملموس جدا , الهواء متجمد .. ليس هناك ضباء وأضواء البيوت تعكس ضيائها على السحب العالية , شعرت بالأمل وجلست بجانب مذياعي العتيق اسمع للنشرة الجوية .. قالوا أن ثلجا سيهطل الليلة على المرتفعات التي تزيد عن ثمانمائة متر عن سطح البحر , بيتي يقع على جبل لا يصل إلى ذلك .. أين هي شجرة الفاصولياء التي تقود إلى الغيوم , كيف سيعلو الجبل , لكن كان عندي أمل وإحساس بذلك ونمت عليه ..

عند الفجر وقفت عند النافذة لأرى بأن الدنيا بيضاء جدا , مشهد خيالي جدا .. مشهد لا تضاهيه أية قصة من قصصي الخيالية , شيء جديد كليا .. انتقلت لكوكب آخر خلال الليل .. كأن الأرض تبتسم , كأنها تبتسم .. انتظرت الصباح فحملت كاميرتي المهترئة ولبست جزمتي المهترئة وأخذت أسير على الطريق صاعدا أصور في قدمي كيف تترك أثرا على الثلج , صوت جميل وشعور أن الأرض عميقة , لا يمكنك التنبؤ بعمق الأرض , كان صوت يشبه الخشخشة كلما دعست على الثلج , أنظر من حولي للنوافذ التي اضيقت , للأعمدة البيضاء .. للأسلاك السميكة , لآثار القطط والكلاب التي احتمت في الليل من العاصفة , والثلج ما زال يهطل حتى كان يخفي الأثر الذي أصنعه .. بينما أنا أصور قدمي إذا بكرة ثلج تضربني على رأسي فأصيح .. آخ , أحاول أن أجد من ضربني بالثلج لأضربه أيضا .. ألتفت وألتفت حتى طلّت من البلكونة العالية التي تطل على الشارع .. فتاة أحلامي , فتاة الجيران , سرعان ما أكملت ضربي بالكرات وأنا متجمد مكاني وأتمتم .. واو , كيف يعقل ذلك , هذه المرة الأولى التي أقابلها وجها لوجه .. لم أشعر بكراتها أبدا وتمنيت لو تمطرني بالثلج وتغرقني , أسقطت كرة الثلج من يدي ولم آخذ بثأري .. كل شيء إلا هي , يهون علي كل ما تفعله , متى غضبت ومتى صرخت ومتى ضربت , لا شيء يؤثر بي منها فقط ... بينما هي تضحك بضحكتها المميزة قالت بصوت لاهث .. آسف أحمد , هل تأذيت .. كنت ألعب معك , أنا آسفة .. لا تزعل مني .. كانت تلك اللحظة التي أرفع بها رأسي لأراها بكامل تفاصيلها , كانت لديها وجنتان حمراوتان جدا بشكل ملفت , قلت لها بخجل ..

- لا تتأسفي , عادي جدا .. ثلجك جميل , إنه دافيء ..

وفي داخلي قلبي يكاد يخرج من صدري من الخفقان , شعرت أن الكلمات لا تخرج كما أريدها .. فقدت السيطرة على لساني وعيوني , نظرت لها بكل ثقة وبدون خجل , وقلت ..

- أنت جميلة جدا , ثوبك رائع .. استمري في ضربي إن كنت تريدين ..

رأيتها واقفه وهدأت حركتها ونظرت لي ووجنتاها أخفيتا الخجل منها .. قالت لي ..

- حقا .. شكرا جزيلا , وأنا آسفة مرة أخرى ..

ثم دخلت البيت بسرعة وأغلقت الباب , لأول مرة أغنم بالحديث معها ولو كلمة .. لأول مرة أشعر بأنني أفضل إنسان , لأول مرة أر جمال كجمالها .. اختلط تسمري ومشهدها ومشهد الثلج معا داخل رأسي مكونا لوحة فنية يعجز أفضل الفنانين عن رسمها .. قررت أن أذهب حتى لا يطل علي والدها المتعجرف ويشك بي , لذا عدت للبيت مفكرا بل غارقا بالتفكير .. كان أبي يتكلم معي ولم أسمعه أبدا , جل ما فعلته أنني دخلت غرفتي وأقفلت الباب وارتميت على السرير محاولا النوم لأحلم بتكملة لتلك القصة القصيرة التي عايشتها فوق .. البلكونة العالية جدا , التي تناطح السحاب وتطل على كثبان الثلج القادمة من العالم الخيالي وتتربع فيها ملكة الثلج وتنتظر أميرها وهو أنا .. قصة خلف تلك القصة وصورة خلف تلك الصورة وأحداث من مخيلتي الغريبة , إنه يومي الذي سأدونه على كل ورقة أملكها .. على ملابسي وعلى الحوائط كلها , بدون أن أكون مكمما هذه المرة , بكامل وجهي وفي وضح النهار سأكتب قصة قصيرة على الجدران العتيقة , بماء من ذهب .. إنها طاقة تشعشع في داخلي وتخرج مني لتملأ الكون .. كنت أعرف أنها تفكر في كلماتي الآن فالفتيات يتأثرن من كلمة "أنت جميلة" , يعتبرنها كلمة مقدسة , من يقولها لهن هو شخص شاعر وفنان وفيلسوف وعالم ومفكر وملك زمانه ..

ذلك اليوم كان بداية نقطة تحول في حياتي , منذ ذلك اليوم بت أشعر بها نحوي .. بدأت أرى نظراتها نحوي , تعلمت شيء جديد أنني حصلت على الفكرة التي تنتمي لها , أزلت عني قناع المأساة .. لم أعد أكترث للكلمات الجارحة , أصبحت شخصا كوميدي داخل البيت فقط لأغطي على الحزن المخيم , لأقطع الطريق أمام شتائم والدي , من يومها باتت حقا تملك كياني , كل خيالي وكل أقلامي وريشي المائية وكل رسماتي الرصاصية .. لقد تكونت من جديد , رغم أن نوبات الإكتئاب كانت تأتيني من حين إلى حين .. لم أصدق يوما أنها مخلوقة من تراب مثلي ومثل كل تلك البشر .. كنت أظنها وما زلت أظنها من الملائكة التي لا ترى .. مخلوقة من نور من مكان عميق لا يصل إليه البشر ..

من يومها بدأت أكتب هذه الرواية , بدأ قلمي يفيض حبرا .. أطلقت العنان ليدي كي تكتب ولفكري كي يفيض ولخيالي كي يسرح .. لا بد أن تكون هناك نقطة , نقطة من المطر تنهل على كل البشر .. لقد أصبحت شاعري جدا وفيلسوف جدا ومفكر جدا .. بدأت أشعر بالنبات وأسمعه يتكلم معي , أصبحت لدي قدرة على التأقلم مع الحيوانات , أصبحت شاعرا .. أصبحت نبتة لا تخاف الفقر , نبتة حقا تنمو على كوكب القمر .

يوم انحدر الثلج خرجت لأرى الماء الذي يجري بلا توقف في قنوات تصب في الوادي ويجري الوادي إلى البحر , متى ألقيت زهرة أمام بيتي فإنها ستستقر في البحر .. بطريقة ما يحملها القدر إلى هناك , كقشة يتعلق بها غريق في حياته البائسة , شخص يائس فاقد لمعنى كونه إنسان , شخص محطم لا يجد من يسمعه ولا يجد من يكلمه .. ماء الأسى يلجمه في ليلة زرقاء ينيرها القمر , يجر له التيار زهرتي ليتشبث فيها , بل يركبها كالفلك الذي يشق البحر متحديا العواصف والأمواج .. يستدل بنجمة القطب وبنات نعش الكبرى .. يشعر أنه ابن بطوطة الذي يسافر إلى حيواته الأخرى , إلى كوكب كامل لا نعيش سوى على ذرة منه ونحلم أن نتخطى تلك الذرة البائسة , نحلم بمشاهد جديدة وأناس جدد , عالم للهواء فيه له طعم , لفكرتك فيه لها نكهة .. عالم لا يشتم بعضه البعض , عالم لا يضربون بعضهم بالعصي , عالم لا يصنع فيه الفاشلين .. سأقبل قدم من يمنعني لأقول له .. أرجوك دعني فهناك حياتي وليست هنا .. هناك طبيعتي التي جبلت هنا , هناك كينونتي التي ماتت هنا .. علي أن أتكون كما يتكون رجل الثلج الصامت , علي أن أوجه المشاغبين والمستهزئين .. علي أن أواجه أؤلئك المتنمرين الذي أزعجوني أيام المدرسة , آن الآوان أن تتبدل الأماكن وتتغير الوجوه .. يجرها الماء إلى قدرها المعلوم .. في مكانها التي تنتمي له حقا .

في آخر يوم شتوي شعرت بذلك الإنتقال الذي لا يحس به العالم .. جلبت لنا آخر عاصفة في يوم دافيء , عاصفة البرق القاصف الذي لا يتوقف وميضه ولا يتوقف رعيده .. كانت تلك الليلة مليئة بالإبتسامة وأنا أصور بكاميرتي تلك العاصفة .. ليلة مضيئة وبهيجة تمنيت لو تطول أكثر .. شحنت السماء والأرض وشحنت الناس بطاقة قوية جعلتهم يتبسمون ويخرجون من بيوتهم محدقين إلى السماء .. ليلة رأيت فيها ظلي ألف مرة , في كل مرة يظهر لي بوجه جديد .. كل الوجوه التي عايشتها طوال الشتاء , ظلي صديقي الدائم والصامت الأبدي ..

ذلك الإنتقال الذي لا بد منه , لا يمكنني إيقافه .. لا يمكنني أن أبقى للأبد في الشتاء , لا بد أن تزهر الأشجار وتورق .. لا بد لليراقات أن تظهر ولا بد للفراشات والعصافير أن تطير , لا بد للقط السجينة أن تنفض عنها ماء الشتاء لترتمي تحت الشمس .. لا بد لي أن ألازم ظلي لأشهر طويلة .. إنه الوقت الفاصل في حياتي وآخر مرحلة لي في دراستي التي أنتظرها على شوك الصبر .. لعله أمل جديد .




الفصل الرابع - البيات الصيفي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مر الربيع من خلف الجدران , لم أشأ أن أكتب عنه هنا لأنه ضيف لم أكرمه ورحل بدون أن أودعه , لم أشعر بطعمه حتى ولم أشعر بالأيام التي تنضج فيها الثمار ببطئ , ولم أشعر بأن الأرض بدأت تحتر وأن كل ذي جذر قد مات خلال شهرين فقط , ذاك العالم الأخضر قد غفلت عنه حقا خلف جدران وخلف مقاعد وخلف أوراق وكلمات وزمن طويل يقود كما يقولون للمستقبل .. عايشت هذه المرارة جيدا ولم تبدر في ذهني لو للحظة فكرة ذلك المستقبل .. انتظرت تلك الورقة التي يقولون أنها رخصة للمستقبل حتى أركب قطار الزمن .. قطار لا يحمل أي إنسان , فقط المتعلم والمثقف وذي دماغ متحشر بالأفكار .. شخص يلبس بذلات ويضع عطور راقية ويحمل حقيبة ولا أدري ماذا يجب أن يكون فيها , ويلبس نظارة راقية , ويحلق ذقنه ويلبس حذاء يصدر صوت طق طق .. كنت أتوقف عند المحطة وأنظر لهذا القطار , تمنيت لو أركبه لأرى ذلك المستقبل الذي ينتظرني .. لهذا طلب مني أن أحضر رخصة أو تيكيت لأركبه , فدخلت الجامعة لأتعلم وأتحول لذلك الشخص الذي أتخيله في ذهني .. لكني اكتشفت خلال رحلتي تلك أنني أعجز عن التنبؤ ولو لثانية إلى الأمام , كانت تفشل كل أحلامي لهذا تعودت ألا أحلم وأن يأتي كل شيء كما هو , وذلك الشيء الذي انتظرت لم يأتني أبدا ..

كان علي أن أخلع معطفي الشتوي وأن ألبس نصف الكم وأن أحرم من المطر , في ذلك الصيف كان يراودني شعور أني لن أشاهد شتاءا آخر أو أن الشتاء ربما يأت في الصيف , تندمت لما لم أستمتع بعمق به .. سيصبح ذكرى أو أسطورة أكتبها على ورق ويلتقطها إنسان بعد ألف سنة ليخبر أن شيء اسمه شتاء كان .. عايشه إنسان كان , وأنه كان يحبه ويعشقه وأنه كان مهووس به لحد الجنون .. لكن انقطع قلمي مدة لأعاود الكتابة الآن في نهاية ذلك الصيف وقبل الخريف بأربعة أيام لأنه عاد لدي الأمل بكون هناك شتاء قادم لأني شاهدت الأشجار تتعرى بدون خجل ولا حياء ..

إنني مجنون حقا أقولها كلما حبست في تلك القاعة والأستاذ يتكلم ويتكلم وأنا أحدق من النافذة لخيالات وهمية ربما تتحقق , يومها كنت على وشك التخرج , فقط أسبوع وأتحرر ويصبح بمقدوري أن أركب قطار الزمن .. 

- هل ستأتِ معي إلى البرية ؟

- لم في هذا الحر ؟!

- أنت حر , إن وددت فاتبعني ..

كانت المرة الأولى منذ شهور التي أرى فيها ظلي بوضوح , كنت أسير وهو يتبعني فخشيت أن يراه أحد , لكن بعد تعمقي داخل البرية لم أعد أكترث لذلك .. اختليت بنفسي قليلا تحت سروة عمي  الكبيرة .. صوت الهواء المنسل بين أوراقها الإبرية تشعرك بالبرودة اللطيفة , إنها لحظات جميلة للتأمل والإختلاء , لطالما أتيت إلى هنا في الشتاء لكني لم أر الأمور بوضوح كهذا .. الجبل جميل ويمكنني رؤية الحرارة تنبعث من الأرض وكأنني أجلس في قدر يغلي ..

أخذت الفأس المخبأ في المغارة وبدأت أحفر الأرض وعرقي بدأ يتصبب , لكن ظلي بدأ يصيح ..


- هوّن عليك يا رجل .. الأمر لا يستحق ذلك , بفرجها الله ..

قلت له ..

- ما بالك أنت , ماذا تظنني فاعل .. أدفن نفسي , لن تصل الأمور لهذه الدرجة .. الحياة صعبة فعلا لكن من الجبن أن تمحو نفسك منها .. لا تقلق فلن أفعل ذلك ..

قال ..

- إذا ماذا تفعل ؟

قلت ..

- أزرع شجرة سرو هنا ..

ضحك بسخرية وقال ..

- هل جننت , نحن في الصيف فلن تنفع الزراعة .. ستموت الشجرة ..

حملت حجرا وضربته به وقلت ..

- اخرس , هلّا أغلقت فمك قليلا .. لا ينقصني سوى أنت لتستهزيء بي , ربما يأت الشتاء في الصيف .. تعرف يا صديقي , لقد صدقت جدتي وأمي حين قالتا أن هناك مستقبل .. شهادتي في الرف وأظنها ستتعفن .. ماذا الآن , تراني مشردا كالمجانين في البرية وأحدق في أكياس الزبل المركونة تحت أشجار الزيتون .. سيأتي يوم وأنثرها , شكرا للحمار لأنه يصنع فضلات .. انظر إلى شكلي كيف أصبح , وجهي محروق وشعري متلولو .. حسنا إهدأ الآن ولا تفتح جراحي .. دعنا نعود أدراجنا ..

عدت إلى المنزل وإلى كل الوجوه المألوفة .. نظرات غريبة نحوي ..

- لم لم تقطف المريمية معك .. أم يخطر في بالك ؟

- آسف , لم انتبه .. أحضرت الخروب أليس لذيذا .. سأذهب لأستحم ..

- كل يوم تستحم , أنت من يستهلك الشامبو في هذا البيت , ضع القليل والأفضل أن تستحم بالماء فقط .. وهل تدري أن البئر على وشك أن ينفذ والماء مقطوعة عنا .. أنت لا تسأل عن ذلك ..

يا للهول .. كل يوم أقرر فيه الأكل أو الإستحمام أسمع هذا الموشح , بدأت أشعر أني عالة على العائلة أو أنهم لا يتفهوم الأمر .. بت أعيش في جحيم لا يطاق .. لا يحق لي أن أشاهد التلفاز أو أفعل أي شيء لأني لا أدفع ثمنه .. كأني لقيط من الشارع .

لم أترك موقع أو شركة إلا وأرسلت الـ "سي في" الخاص بي .. أكّدت فيه مرار أني أستطيع التفكير جيدا .. مرّت فترة اسبوع تلقيت فيها مكالمات كثيرة لحضور مقابلات عمل .. كانت لحظة حاسمة أصبح فيها قلبي ينبض بثقة .. شعرت أني أطول قليلا ويمكنني أن أرى نفسي في المرآة .. جهزت نفسي وانطلقت إلى رام الله ..


إنها مدينة حارة بعض الشيء ومليئة بالأجانب الغير محتشمين .. هؤلاء يتعجبون من حبات البندورة ويلتقطون لها الصور .. مرت أشهر ولم آت إليها , بحثت عن الشركة المقصودة حتى وجدتها .. دخلت وقلت ..

- عفوا , لدي مقابلة هنا .. صحيح ..

ردت علي السكرتيرة ..

- نعم تفضل ..

قدمت لي استمار توظيف طويلة عريضة عندما رأيتها أصبت بالإحباط , كانت مليئة بالطلبات والجداول .. الشيء السهل فيها هو أن تكتب اسمك واسم أبوك ورقم جوالك .. لكن بعد ذلك هو تعجيز حقيقي .. باقي المطلوب يحتاج لعشرة سنوات حتى أحصل عليها .. 

- عفوا يا أخت , هل يجب أن أملأ كل هذا ؟

قالت ..

- ليس ضروريا إن لم يكن لديك ..

قلت في نفسي "الحمد لله" ثم جلست أنتظر المقابلة مع المدير ..كان هناك الكثير من المقابلين المساكين مثلي , متخرجين بدون عمل لأن هذا البلد يحتاج لوساطة حتى تعيش فيه ..

لم تمر سوى دقائق قليلة حتى نطقت باسمي ..

- الأستاذ (أحمد) تفضل للمقابلة ..

ابتلعت ريقي على الآخر ودخلت , كان هناك شاب جالس يعاني من مشكلة في عينيه .. سألني أسئلة كثيرة فلم أجبه سوى عن القليل منها , فلم أستطع الكذب ولم يكن لي علاقة بالتسويق .. 

حملت نفسي عائدا إلى البيت وأنا أعرف النتائج اليائسة لهذه المقابلة , حتى أمي لم تكف تتصل بي وأنا أطمئنها ألا تفرح كثيرا .. التعاسة تلاحقني , مقابلة إلى مقابلة وشركة إلى شركة حتى مللت كل شيء وكرهت الكذب على نفسي ..

مرت أسابيع على هذا الحال وأنا أسمع التوبيخ والإهانة , كل يوم كنت أفقد الثقة بنفسي وأنهار خلية خلية .. لا أمضي وقتي سوى على المرجوحة اليابسة كالأطفال مكتئب وبائس , تلك الصورة الشتوية التي تخيلتها يوما لموظف البنك الذي ينفث سيجارته ولا يكترث لي أتبلل من المطر .. كنت آمل أن أمتلك وظيفة جميلة ولا أريد المستقبل السخيف ذاك .. فقط القليل من الحياة ..


فــــي مصنع العلــــــف


ذات يوم كنت أبحث عن عمل على الإنترنت حتى وجدت شركة للأعلاف تريد عمالا , لا شروط ولا "سي في" ولا مقابلات ولا نتصل بك .. حملت جوالي وضحيت بآخر شيكل رصيد لدي واتصلت ..

تيت , تيت , تيت .. ثم رد شخص ما وكان لطيف للغاية .. لكن الفاجعة أنه قال أن الشاغر قد امتلأ وتأسف مني .. إن توفر شاغر سنتصل بك ..

العمى بقى على الكحاية دي .. نتصل بك , سنتصل بك .. مللت من هذه الكلمة ..

في يوم مشهود له الناس , يوم الفصل والفزع الأكبر .. يوم الدخول للجنة اتصل بي أحدهم صباحا عند التاسعة .. أخذت جوالي متلهفا ..

- ألو .. أيوة ..

- معاك (عمر) من شركة العلف .. أنت الأخ (أحمد) ..

- نعم أنا , تفضل ..

- عزيزي أنت اتصلت فينا بخصوص شغل .. بإمكانك تباشر العمل في أي وقت ..

- لاااا .. قصدي , متى أبدأ ..

- اليوم إن حبيت ..

- أيوة , تمام .. خلاص الساعة 12 بكون عندك ..

 أخذت ما يلزم وانطلق وكلي أمل ببداية موفقة , كان العمل في منطقة "بيتونيا" وهي تبعد عن رام الله وعليك تكبد مصاريف مواصلات جديدة .. لا يمكنك أن تذهب سيرا .. عند الساعة 11.55 وصلت إلى الشركة أو بالأحرى مصنع من الزينكو مليء بالضجيج والغبار والآلات الخطرة .. وافقوا عليّ بسرعة وكان علي أن أبدل ملابسي في غرفة مقززة هي ملتقى العمال الدائم .. لم أغب طويلا حتى نزلت وأطلعني المسئول على طبيعة العمل , أخبرني أنه يجدر بي أن أنقل أكياس العلف للشاحنات .. ظننت أن الأمر في البداية سهل ولكن مع البديء بدأ العذاب .. أخبروني أنه في الأيام السابقة والتي ستعود كانوا ينقلون أكثر من طن من العلف يوميا بدون تذمر .. 

عندما أخبرت أهلي بأن الراتب سيكون 2000 شيقل شهريا فرحوا كثيرا ولا أخفي أنني شعرت بثقة جامحة في نفسي أو أن الثقة عادت للحياة , أخفيت وجع مفاصلي وظهري عنهم حتى لا يتهمونني بالكسل ورافض العمل , أخبروني بطريقة مشجعة أنه بإمكاني أن أشتري كل الدنيا وكل ما أحلم به , لابتوب وكاميرا وعطور وملابس والكثير الكثير وأنا أهز رأسي أحاول أن أقتنع وفي داخلي أقول "ما هذا الحظ التعيس , لما لا أحصل على عمل يناسبني .. يناسب تخصصي وتوجهي" .. لم يسألوني في تلك الليلة عندما أردت أن أستحم عن الشامبو .. تغير أهلي علي بسرعة نحو الأفضل .

في اليوم الثاني نهضت مبكرا جدا لألحق سيارة تقلني إلى العمل حتى لا أتأخر .. كان جسمي محطما تماما ولا أقوى حتى على الجلوس .. إنه اليوم الصعب الذي واجهت فيه كافة أنواع المضايقات ووصل الأمر إلى الإستهزاء بي لأني كنت أسقط أكياس العلف من يدي كثيرا .. كنت أخبرهم أني تعب للغاية لكن ليس عليك أن تتعب هناك .. ليس عليك أن تتذمر فهم يحسبون الساعة بالساعة وحتى وقت الصلاة كنت أسرقه سرقة .. عندما رأوني بهذا الحال الذي يرثى له أوكلوا لي مهمة تنظيف المصنع من الداخل ففعلت .. واجهت أطنان من الغبار المتراكم والآلات المسننة والأسلاك المكشوفة , معايير السلامة هناك كانت متدنية .. ما أن أنهيت التنظيف حتى امتلأت رئتاي بالغبار وأصبت بنوبة عطاش وسيلان أنف .. بعد الظهر وُكل لأغلب العمال مهام خارجية فلم يبق سوى غيري وشخص آخر لنقل الأكياس .. من الساعة 2 حتى 4 لم أسترح ولا دقيقة .. كنا ننقل أكثر من 10 أكياس كل ربع ساعة .. عندها بدأت أشعر بألم حقيقي في جسمي .. لم أعد أتحمل لذا قررت أن أنتهي والرزقة على الله ..

وصلت البيت الساعة السادسة مساءا بعد عناء طويل من انقطاع المواصلات .. صارحت أمي بأني منهك للغاية والعمل هو عذاب بالنسبة لي , فعندما رأتني بحالة يرثى لها قالت ..

- اصمد كمان يوم أو يومين واجمع بعض النقود ..

رأيت قلقها في عينيها كذلك أبي بشكل لافت وكأنهم يشفقون على حياتي وحالي .. قلت لها ..

- سأحاول أن أصمد غدا وسأخبرك إن عدت حيا ..

في اليوم الثالث لم أتأقلم مع بعض الأفكار هناك من حيث تبديل الملابس الجماعي , لذا رفضت وكان ذلك سببا في نظرات غريبة حولي ونعتي بالخجول .. رأيت بعض المتنمرين الذين يستغلون ضعف الآخرين , رأيت الفكر السائد في كل مكان والكلام المتعلق بالبنات وتلك الأشياء المقززة والتلفظ بألفاظ قذرة أمامي .. لا يتكلمون بأمور مهمة تستحق التكلم بشأنها .. كان بودي لو أخبرهم كم أعرف من الأشياء وكم عندي مواهب لكني خشيت أن أتعرض للسخرية لذا جاريتهم رغم تعبي الشديد ..

مع حلول المساء وكل إلينا عمل قاتل بمعنى الكلمة لم أتحمل ولا خطوة من بعده حتى صارحت المسؤول أني أريد أن أنهي العمل للأبد .. سألني عن الأسباب فصارحته بأن عملكم مهلك جدا وجسدي لا يتحمل ذلك أبدا ..

رحلت عن المصنع حزين ولا أخفي ذلك لأنني أعلم ما سوف ينتظرني مجددا .. عند موقف السيارات انتظرت طويلا مجددا , لكن هذه المرة اكتشفت ورأيت أشياء لم أنتبه لها قبلا .. رأيت نساءا ينتهين من عملهن متأخرات وينتظرن السيارة معي .. أطفال أيضا ينتظرون الذين من المفترض أن يكونوا في المدارس .. ماذا تفعل النساء لهذا الوقت , أين أزواجهن وأخوانهن ؟ .. إنها الحياة اكتشفت مدى صعوبتها وكيف تتحول إلى عبد لكي تعيش .. لا مهرب لك ولا أمل طالما تزوجت , ستعلق في المستقبل شر علقة , أنت لست في الجنة , كل الخيالات هي قصص لن تتحقق في هذا الموقف .. كيف تقسم الحياة بين الأشخاص , كيف ينتهي عمال النظافة من عملهم متأخرا , كيف أن الجميع يتعلق بسيجارته مخلصه الوحيد من الهموم .. هذا البلد يعاني حقا , ليس هذا فقط بل كل العالم على ما أعتقد .. وإلا لما يخرج الناس بجنون يطبلون للحرية وللأفكار الغريبة , يريدون أن يحيوا على الأمل أفضل من لا شيء .. لكن سرعان ما يتصادمون مع الوجه القذر للبشرية , أفكار وعقول تعيسة مهترئة , حثالات تقرر مصيرك .. تكتشف في نهاية المطاف أن الكل يخدع وأن التجارة تدس في كل عمل حتى العمل الديني , المجتمع مريض حقا ولم أكذب عندما كتبت عن ذلك .. في هذا الوطن ليس هناك شيء لله ثم للوطن ..


هناك في الموقف كنت أشهد ظاهرة فقدان الغيرة في المجتمع , كيف أن الذكور يفضلون أنفسهم في ركوب السيارة على النساء اللواتي ينتظرن في العتمة والبرد , لا يكترثون لفتاة تنتظر .. كان شيء تقطع قلبي له .. خفت حقا وارتعبت من تلك الصورة , كان على "المواطن" أن يتحمل هذه القسوة على كل الحالات , قلت في نفسي ..

"عد يا ولد إلى البيت مسرعا واخرج من هذه الأزمة"

لم تكن أجرتي كثيرة بقدر تعبي , تشعر أن الوقت بطيء في لحظة وسريع في لحظة .. جمعت بعض النقود من البيات الصيفي لرحلة حقيقية قادمة ..

التقيت بشخص في الشارع 
تبسمت له لكنه لم رد علي
سألت ما اسمك يا ابن آدم
قال .. ولدت بدون اسم
قلت .. كيف ذلك ؟
قال .. لم أجد اسما مناسب .
قلت له .. اختر واحدا , هناك العديد من الأسماء في كل جانب 
قال .. لا أدري ما المناسب ولكني أفضل أن أبق بدون اسم ..





الفصل الخامس - التشاؤم المصيري

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ     


مهما حصل قررت ألا أبكي , وصلت لمرحلة أرى فيها الجميع يحصل على كل شيء , يتغيرون للأسوأ بسرعة .. يكبرون كشجرة شوك , يصبحون جشعين , أما أنا فلا أتزحزح البتة , كصخرة عنيدة في وجه الريح .. إنه أمل يعشعش في صدري , أكتم حلمي وأبوح بالغربة .. أعلم أن الحياة ليست للجميع بالطريقة التي يظنها الجميع , هناك اختلاف , هناك لحظة تنير الرؤية تجعلك تقرر حياتك منذ نعومة أظافرك .. ولأنك قررت سيهجروك , ستسألون عن ماذا أتحدث ! أنا نفسي لا أعلم ولست مخولا لأعلم ..

رب ما أهذي به مجرد هراء , لكني أؤمن به .. وقررت في اللحظة الحاسمة ان أنتمي له في مرحلة تكون دماغي خارج تلك الأسس المهترئة .. أنا كبير الآن يظنون أن لي مشاعر أكثر , لكنهم يقتلونني , أنا طفل يختبيء في ذلك الجسد , كلما مر عام يتجعد .. سوف يضمحل قريبا .. سوف يتبخر , سوف يغيب للأبد بدون أن يذكره أحد , لا محب ولا صديق ولا مجتمع , لم تعبث به تلك السياسات وتلك القوانين , لم ينته به المطاف آلة صدئة ..

إنني حي الآن في هذا العمر .. تعمقت أكثر من اللازم ومت مرات عديدة , لم يصنعوا لي فيها جنازة , ولم يغلقوا لي فيها حقيبة , توقفت من تعبي لأكتب الآن , لأكمل روايتي .. لأني اكتشفت الأكاذيب ولأني مختلف , العودة إلى أصلي , حيث أنتمي حقا , أنتقل إلى حيث أريد .. تعتن بي أم الأمهات وحنونة الحنونات .. إنه أمل يتجدد لم يشجعني عليه أحد لاني لم أجد أحد ومهما بحث شأفشل في إيجاد أحد .. في لحظة تشاؤم مصيري أغرق في شجوني وأكتب شعر رومنسي , خيالي , فلسفي .. يأتيني من لامكان .. أحن لأمي , أحن للنوع الآخر من الإنسان .. كل شيء لا يتحقق في تلك اللحظة , لا أدر لما لا يتحقق , إن دماغي منطقة محرمة لا تدخل الأماني إليه .. وفي تلك اللحظة أتسائل "من أنا ؟!!" , هلا يجيبني أحد , هلا يجيبني القدر , يمكنني مصادقة الطبيعة بعمق .. يمكننا أن نتزاوج , يمكننا أن نغني ان نرقص أن نحتفل بنهاية الحرب .. التي تسمى حضارة , إنها تشحنني بالسموم على الدوام حتى فاقت قدرتي على التحمل .. رأيت روحي حزينة , وأخبرتني أن أترك تلك المدينة وكل تلك الكائنات وكل تلك الأمنيات .. ولدت وحدك وستحيا وحدك وسنموت معا ..


منذ صغري لم أنتبه أنه الكون , كشيء مؤلم للأعصاب يأتيني , يجعلني أدوخ وأرى الأمور على طبيعتها , كان يتكلم معي بشيء مهم , لكني لم أفهم شيء لأنه تكلم بلغة البشر .. هجرني شخصه مذ ذاك الحين فلم تعد أعصابي تؤلمني , أظن أنه رحل أو يحاول أن يفهمني جيدا وينظر , إنه شيء محزن وخيالي جدا .. لن تصدقوا ذلك أعلم وأنا نفسي لا أصدق ذلك , في لحظات أرى الصورة المجردة للحياة فأذهب لهفا لاكتب ما رأيته .. لكن تضمحل الصورة تماما فأمزج بعض المرارة مع الحقيقة .. أشعر أن هناك من يوبخني لأني أكشف الحقيقة , سيتحول البشر إلى مجانين , سينتهي العالم .. الكون يحتوينا وفي قلبي أحتوي الكون ..

من أنا .. من أنت أيها المشرد الوضيع , أيها الوهم الضائع , تحاول إظهار الحقيقة قبل أن تتجمد , لم يصنع لك شيء , لم يصنع لجسدك وأنت تعلم ذلك , إنك تتخفى فيه فقط , ستحين الفرصة لتلقيه في التيه .. كل ما تنتمي له صنع لروحك .. الفشل حق والأمل خيالات تكتبها , وحين تبتأس تبكي كالأطفال , وحين يراك البشر يسخرون منك .. رجل يبكي , إنه سخيف جدا , هذا فاضح .. أنا مسبب العار فقط , لا أحد يفهم , إنها طريقة صعبة أن أقود ذلك الجسد لأتأقلم , لا أجيد القيادة , لست بارع , إنني أتساقط في كل مرة كطفل يتعلم الحركة .. أحاول تقليد تلك الكائنات وأنا رافض من داخلي .. مكاني ليس هنا , لدي شعور أني لم أكن هنا ولا يجب أن أكون هناك .. لا افقه شيء ولا يمكنني التعامل مع شيء ولا تكوين شيء من حياتهم ..


في ليالي الصيف في لحظة تشاؤم مصيري طويل انتابتني الرعشات التي اعتدت عليها في طفولتي , قررت الإنفصال .. في تلك الليلة , عندما نام الجميع ألقيت بجسدي في الفراش وانطلقت خطوات للخارج وأنا أحدق بجسدي .. حسنا يا أمي , كل ما تريدينه هو جسدي , يتنفس ويأكل ويتحرك .. حسنا , إنه هناك على الفراش .. إنتهت الحكاية هنا وأصبحت هناك لي كل المأوى , لأن أمي لا تريدني أن أرحل للطبيعة , تخاف أن تأكلني الذئاب والأفاعي .. الآن لا تأكل الذئاب الأرواح , لا خطر يمسني .. لا مجازفة , إنني كامل جدا وسامي , إنني مشع هناك , إنني أغذي التربة , إنني أعالج الكائنات من بكمها , إن النجوم تشحنني في لحظة فارقة .. حتى اكتملت .. وسرت ورأيت العجب هناك .. كلوحات كتابية تختفي داخل الأشياء , كل شيء يشع وينظر بأصله .. اللوحات مكتوبة بلغة ليست لغة البشر .. اللغة التي وددت أن يحدثني الكون بها , رأيت الأصول .. رأيت مالا يراه أؤلئك المتنزهون بين الشجر وهم يرون اللحاء يتساقط ويذهبون بلا اكتراث .. 


انجذبت إلى جسدي بسرعة , وأمي توقظني .. انهض أيها الكسول , كانت تتردد في رأسي صفاتي الفاشلة , قدت جسدي بعيدا عن هنا .. إلى المدينة , إلى مقعدي المفضل تحت شجرة الخروب .. في شارع خالي , في لحظة تأمل وهواء عليل يلفح وجهك , ساعات من التأمل ثم أعود المساء .. ألم تنته احتفالية الحياة .. هذا شيء خانق .. وجدت رسالة من صديق لم أتعب نفسي في التعرف عليه , كان يريد أن يتوصل لأمور محظورة عني , كان مثل الظل .. لم أجبه بما يجب لأنني أقود جسدي فقط , لا أختبر ما أختبره في الليل , لا تكترثوا لأمره ..


إنني أنتمي لشيء واحد في واقعهم , مفاهيم وعبارات تُعرف غرابتي وعزلتي وصمتي , هناك علاج هذا مبشر .. حقا تتكلمون جديا ,  سيعالجون جسدي لأعلق فيه .. إنني فاشل في قيادته فقد أخذته مكرها من البداية .. حسنا دعوني وشأني .. لا يؤذيني ذاك .. إنها تجربة طويلة جدا لم أفهم فيها من أكون , ولم أجد من أجبر على التخفي في جسده , لم أجد واحدا بعد وبودي لو أجد ..

إنها الغربة التي تعودت عليها , إنها العودة لأصلي , إنني أقدر الطبيعة وأتكلم معها .. لقد أوصل الكون رسالته لي بطريقة جميلة لم أتوقعها , إنه حنون أراني كيف يعاملني .. أراني من يديره ويديرني ويدير كل تلك الكائنات التائهة .. كائنات لا تعرف حقيقتها .. إنها تختلف عني فهي تعيش في طبيعتها التي تظنها .. آآمل حقا أن أفهم وسأكتب حتى أفهم فصولا عن حكاية جسدي ..


حملت القلم وبدأت أكتب في كل لحظة انفصال , لكن سرعان ما أمزق ما أكتبه .. إنه الشعور بالتفاهة , إنه الشعور بغربة الطريق التي مررت عليها ألف مرة وفي كل مرة أظن أنها جديدة .. لما أنا في هذه الحالة , إلى متى .. هناك تكلم جسدي لأول مرة وطالب بالإنفصال .. ظننت طويلا أنه خاوي .. كان تمردا فانسلخ , من وقتها أصبحت أشياء في شيء .

استقليت طائرة يسمح فيها بفتح النافذة , يسمح لك أن تجالس ظلك فيها , يسمح لك أن تتجول في السماء .. والمهبط فوق الغيوم في مكان مسترخي برقاء .. كنت ألقي أوراق أمضيت أشهر أكتب فيها في لحظة اكتئاب وتشاؤم مصيري , سرعان ما أندم على فعل ذلك .. الغريب أنها رست في قارب صياد فقير بوسط البحر لقد شعرت بها .. ومن خشتي أن يقرأها ألقيت بنفسي من الطائرة فسقطت بقربه محدثا موجة ماء حركت قاربه , بائت محاولتي بالفشل فقد غرقت في القاع العميق .. بانت ظلمة سحيقة جدا وشعرت بضغط كبير , لكن لم أشعر بحاجة للتنفس .. بان أمامي شريط من الذكريات , تلك النزلة الصنوبرية , الشتاء وأيام الجامعة , السيدة التي أعطتني المنديل .. البلكونة العالية .. أمي , أبي , ذكريات مريرة , المعاناة .. الإكتئاب , التشاؤم , كل شيء أصبح لحظة فقط ثم اختفى ولم أعد أذكر شيء ..

استفقت على شاطيء بعيد ووجدت ظلي يجلس بجانبي .. كانت الطبيعة مذهلة من حولي , مذهلة جدا حيث عقدت اتفاق مصالحة مع جسدي بحضور ظلي وقررنا تشكيل مجتمع , مجتمع ينتمي لنا .. لم يعد لدي خوف , ولم أعد أشعر بالأشياء .. كل شيء تحول إلى طاقة بنظري .. شيء أعظم من تلك التجربة التي خضتها في إحدى الليالي .. أصبح الإكتئاب شيء معالج , أصبحت أمشي على الخيال .. كان بداية لشيء أكثر عمقا من ذي قبل , وبدأت أشعر بضغط أكبر على دماغي وظننت أني سأنتهي عند كل صباح .. أصبح لا معنى لكل الصفات التي ابتدعوها , لا معنى لكل الكلام , لا معنى للإنتقادات .. طويت الكتاب ونفضت الغبار القديم .. واقتربت من الذهاب إلى حلمي , إنها لحظة مصيرية ستوقف كل تلك المعاناة ..




الفصل السادس - كوكب الشمس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


يا لهذه الأحلام العجيبة , لقد استفقت في تلك الليلة على ذلك الحلم الغريب , لا أود كتابته هنا .. لكن العجيب أنني عندما استفقت وجدت نفسي قد تغيرت , شكلي وكياني , لست أدري مالذي حصل .. كانت مرحلة فقط , تخليت عن كل الحزن , وآخر بكاء لي وآخر تنهيدة , لكن في داخلي رغبة شديدة لأن أستمر بالحزن .. إنه يساعدني على الكتابة والتفكير بالأمور الغريبة ..

في ذلك الصباح تناولت كعكة طعمها أشبه بالأسى , شعرت بطعمها جيدا .. لربما كانت شحنة جديدة كسابقاتها , لكني لم أكترث حقا .. قررت الرحيل قليلا وأحصل لي على رفقة , لهذا ذهبت لمدينة رام الله , كانت السيارة سريعة وتجلب بعض الهواء الذي يبعد الحر .. عندما اقتربنا من تلك النزلة التي أعشقها انتابتني نوبة عاطفية شديدة , بدأت أتنفس بسرعة وقلبي ينبض .. لكنه لم يستمر , فسرعان ما اكتسحني الأسى لأني رأيتهم يحفرون هناك ويخلعون الأشجار والمكان امتلأ بالغبار .. انتابتني رغبة بالبكاء , شعور بالضياع , لكنني لم أفعل لأن هناك سيدة تجلس بجابني .. في داخلي نار تشتعل وعاد الحزن العميق مجددا , سيتغير الشتاء القادم ..

كنت أكلم نفسي وأنا أسير وحيدا .. أترين يا عزيزتي , إنهم يثيرون غضبي .. ثم أستفيق ولا أجد عزيزتي .. قادني الحزن لأسير وأسير بعيدا حتى وصلت لمدينة "البيرة" , كنت أملك نقود كافية وأنا سيد قراري .. لهذا اشتريت أرانب واعتبرتهم أولادي .. ثم عدت سعيدا مجددا حتى ركبت في السيارة , وقررت أن أغمض عيني حتى لا أرى مأساة البشر ونمت وأنا أحضن الكارتونة التي فيها أرانبي ..

استفقت من تلقاء نفسي ولم أنتظر السائق ليوقظني .. حملت الكارتونة بلهفة وركضت للبيت , كانت كائنات جميلة ولطيفة جدا , كتلة من الفرو بين يدي .. واستمرت الأيام حتى أخبرتني صديقتي أن أسمي تلك الأرانب وفعلت , في الحقيقة اشتريت تلك الأرانب لأجلها .. وللذكرى تصورت مع إحدى الأرانب حتى حين رحيلي لا أنسى نفسي , لأن العالم سينسيني شكلي ..

بدأت مرحلة صراع في جمع شيء أكرهه , إنه المال .. ليس لأتزوج كما يفعل الجميع لأني لم أجد فتاة تحبني .. قررت أن أسافر فقط وأن أحب أنا , أحب الطبيعة .. حتى فتاة البلكونة العالية أظنها ستذهب دون أن أخبرها بشيء .. إنني متعود على الحزن والمآسي .. لهذا سأسكت وأكتم ما في قلبي ..

أحمل وردة جلبتها من البرية في رحلة جمع الأحافير , لا أدري لما أفكر بالحب لهذه الدرجة , أتمنى أن أعود طفل لأتخلص من ذلك الشعور .. لكنني عالق , رغم أني كبرت إلا أني ما زلت أسمع الإهانات والشتائم كما كانت في طفولتي الحزينة , أنت فاشل , لن تصبح مثل الباقين .. أحزن فقط وأبكي لأرتاح وإن استمر حزني أرسم أو أكتب وأندب ذلك المكان الذي عشعشت فيه طوال 23 سنة بدون تغيير .. ليس بالضرورة أن أحصل على فتاة كهذا أو ذاك , لا أحد معيار لي لأني أقرر بنفسي فقط , لست أدري متى يتوقف أبي عما يفعله .. وليس يدري مالذي فعله بي طوال 23 سنة , لقد جعلني مختفي طوال الوقت أحتفل بذكرى سعادتي الفريدة جدا .. بدأت أكتب في عقلي عن قصة "التنهيدة في دنيا عجيبة" , كيف أنني سأذهب لرؤية هذا العالم , كيف أنني لن أمضي حياتي في هذا السجن , كيف أنني أجد من يمسح دموعي , كيف أنني سأعيش في الغابة وأحتضن عزيزتي وأشعر بالدفيء مرة أخرى في برد الشتاء ..

في لحظة تحول النار إلى ثلج , قررت الشمس أن تتحول إلى كوكب ليحيى عليها من لا يحمل عواطف ولا مشاعر , ليحيى عليها من يحرمني ومن حرمني من طفولتي الجميلة .. سأحاكمهم في ذلك المكان وسأسصرخ مطالبا باستعادتها .. سأحاكم كل من جعلني أنا الآن , شاب حزين ووحيد للغاية لأنه لا يستطيع التخلص من أسى قديم ولا أحد يساعده ..

أكتب وبودي البكاء , كل من يقرأ هذا عليه أن يفهمني وأن يبكي معي , لأنه إن حصلت الحرب هنا لربما لا أعود لأجلس على النافذة أنتظر المطر ولا يأتي الثلج ولا أتبهدل بالوحل وماء الطرقات , ماذا إن اختفت الشمس الآن وقرر الشتاء الرحيل حزينا , وكل عام يحرقون شيء كنت أحبه ويقتلون جزء من قلبي .. لا يمكنني العيش بتلك الآلة المتكررة الصدئة , لا يمكنني التفكير مثلهم ولا العيش في حياتهم , لست أنتمي لأي مكان هم صنعوه .. إني أود الذهاب لأمي العظيمة .. الطبيعة .

فكرة الرحيل جدية جدا , سأحزم أمتعتي بصمت وأنسل كنسمة هواء عن تاريخي الراكد هنا , سأغلق هاتفي وأمضي بدون وجهة ولا مكان يأويني .. أريد أن أبحث عن حياتي الجديدة وعن طفولتي وأكتشف العالم ولعلي أجد فتاة ..

أراني هناك أمام البتراء وفي دلتا النيل وفي الأدغال مذهولا بالكامل وأصرخ بالكامل وأرقص وأغني فرحا .. وسأخبر أمي ألا تحزن , إن ابنها ليس كما تريد فهو لا ينسى وهو غريب  .. 

وعندما ينتهي العالم سنجتمع سوية , كل الأحباب من لا أعرفهم .. سأكون في الغابة حيث لا يصل الإشعاع , سأكافح من أجل البقاء وعندها سأبكي بغزارة حزنا على الأرض .. إن ما أحلم به أكتبه في قصة ليست على ورق حتى يأت شخص ما ويغير فكرتي .. وطالما أني حي سأكتب "نيازك من الزجاج" ..




الفصل السابع - البداية والنهاية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 






سيصبح لي منطق مختلف , لقد عشت بلا دهاء ولم أتجرد من صفاتي الحقيقية , مع الأيام تعكس لي مرآة الزمّرد ما تخفيه الحياة عني , تصلب جسمي عندما أدركت أني شيئين , فهو لم يردني أن أدرك ذلك .. أعلم أني كبرت وأنا أنتظر ما أنتظره , فالنجوم لم تتغير والسماء لم تتغير والأرض تتكرر , وعيناي تذود عن حقيقة هذا الواقع , ولم يعد يقترب الحزن مني لأني عرفت حقيقة الحزن .. وعرفت حقيقة الموت وحقيقة الحياة وحقيقة الناس , فلم أعد أفرح ولا أحزن ولا أبكي ولا أضحك , أصبحت خارج المشاعر المعروفة وأصبح لدي شعور جديد لا أعرف أي إسم أطلقه عليه ..





شعور أني غريب لا يفارقني , كانت لدي قصص عن الكثير من الفشل الذي مررت به , أدخل عمل وما ألبث أن أفارقه ولا أعرف لم تأت تلك الأسباب , أنا راض بما لدي ولا أريد المزيد , ليس لدي خوف لأنه ينتابني شعور خارق بالحرية , فأنا خارج سببية الحياة , لست أريد أن أفعل ما يفعله الناس وما يظهره الناس أمام بعضهم , وسعيهم للمال والسمات والقبول .. لأن الناس تفني أغلب حياتها بذلك تركين ما ابحث عنه لأني أبحث عما أظنه شيء كبير ..



يوم مرض أبي وذهب للمستشفى , بقيت عنده طوال الليل , في تلك الليلة قررت المسير في وقت أظنه خفي عني لسنين , أغلب عمري أمض هذا الوقت في النوم .. ذهبت لمدينة رام الله .. كان خاوية تماما عدا محل أو محلين , أين الناس الآن .. هل يخافون من الظلمة ويحبون النور , هل النوم قرار يتخذونه .. للأسف كان لا , ليس هناك أي قرار , ولد لدي شعور لا يوصف ولم يفارقني , لقد رأيت ظلي أسفل إنارة الشارع , عندما رأى اهتمامي بوجوده أخذ يحادثني ..


- هل تريد متابعة المسير ؟ .. انظر قدماك متورمتان من وقوف اليوم !



قلت له ..

- نعم ولم لا , أعلم أنهما متورمتان وحقا يؤلمانني , لكني أريد أن أعرف ماذا يحدث على هذا الكوكب .. سأنهض , إن أردت اتبعني وإن لم ترد ابق مكانك ..

سرت هنا وهناك وتذكرت قصتي .. العالم الفارغ , ما تركه الناس خلفهم المزيد من النفايات , وصور تومض في عيني عن حركات في أماكن ساكنة , شعرت بضغط على صدري وأصرخ بداخلي وأنادي .. يا إلهي لم يحدث هذا ..

فجأة يتكلم ظلي ..

- ألا ترغب بتناول الذرة في هذا الوقت ..

قلت له ..

- يا خبيث , كيف عرفت ؟

قال ..

- كم ستفتقد الذرة لو استمر العالم في النوم .. ستتمنى أن يستيقظوا , أعطيهم بعض الحديد وسيعطونك ذرة لذيذة ..

قلت له ..

- حسنا أيها الفصيح , وتلك الحديد عليك أن تتعب لتحصل عليه .. اسمع , ما رأيك أن تسكت , دعني أفكر ..

لقد غدوت غريب بأفكاري , يناقشني ألف شيء داخلي وكل شيء يعارض شيء آخر وأعيش في دوامة كمجموعة من النجوم الجميلة تتصادم مع بعضها , لقد اعتدت على ذلك لأن نهاية هذا الصراع ينجلي باكتشاف فكري جديد أحصل عليه مع نهاية اليوم .. 

راقبت من النافذة بزوغ الفجر , ومع بزوغه بدأت حركة الناس , بدأ البيع وبدأت الدراسة وبدأ الحب وبدأ الكره وبدأ العائلة وبدأ ناس وانتهى ناس .. الليل حزين , وفي طريق عودتي صباحا كنت أنا ذاهب والناس آتون وأنظر في عيونهم , قرأت الخوف في عيونهم , خوف من القادم , لا يوجد عندهم انضباط في الحاجات ولا اكتفاء , علمت أنه ينقصهم الكثير ليكتملوا بدرجة المثالية التي أطمح لها لهؤلاء البشر ولهذا الكوكب .. في مرحلة ما سيفقدوا أواصرهم لو فقدوا ما يريدونه من بعضهم , كلما تكونت عائلة ازدادت حاجة للمجتمع .. أعلم ضخامة المجتمع لكن الناس يتهافتون على لا شيء , لأنهم لا يبصرون ما هو الشيء الذي يستحق التهافت عليه ..

نهار هنيء لي , سألني ظلي إن كنت جائع ففي هذا الوقت يجوع الناس , لم ؟ لا أعلم .. أخبرته أن يلتزم الصمت , أعلم أني أعامله بقسوة فهو الوحيد المقرب لي , فقد هربت أرانبي وكذلك قطتي ولا أريده أن يهرب هو الآخر .. 

البلكونة العالية .. أنا حقا أحب تلك الفتاة وأقتنص الفرص لأراها , ويصبح قلبي في أوج صراعه ثم يستكين متى بعدت , أتمنى لو أستطيع أن أخبرها بما لدي , فأنا لست مشلولا بلا أطراف , لدي ما أكتبه لها ولدي ما أصنعه لها , ولدي دموع لأبكي في عيونها .. ثم أذبل عندما يذهب شتائها .. أتراقص فرحا على تلك الأرض اللتي جبلت منها , تراب مميز أرانيه ظلي , لا ينبت فيه أي شجر , عدا نبتة واحدة جلبت من القمر ستثمر في يوم سعدها , ويوم سعدها الباهي من بين البشر .. ثم أغط في نوم عند الظهيرة ولم يتسن لي أن أرسم الأحلام ..

عندما استيقظت هرعت أبحث عن ظلي لأسأله سؤال وعندما وجدته نسيت السؤال , وعندما تذكرته غربت الشمس واختفى ظلي , رغم أن النجوم كثيرة فهي لا تنير , المسيقى مليئة في موسم اللوز .. أجهل لما أنا هنا , ولو تمنيت أن يتغير شيء بداية فهو أبي , لكن أبي لم يتغير .. أبدا , فعندما يشفى ربما سأتمكن من رؤية "البلكونة العالية" .. أقلام في السماء ترسم خطة , خطة بسيطة يسير عليها الكون .. وأنا أكتب ذلك كل يوم ..




الفصل الثامن - الكراكن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * كان صباح بارد للغاية , أنهض بكسل وقدمي متدلية عن السرير تبحث عن الحذاء ... آآه أخيرا وجدته .. أجر نفسي إلى المرآة لأرى نفسي ذابلا وعيوني حمراء .. أنا كسول للغاية , النوم نعمة .. 


هناك فراغ أقبع فيه .. أرى أن هناك عبث في كل شيء .. بينما فرشاة الأسنان تذهب يمينا ويسارا داخل فمي الوقت يمر بسرعة .. إنني أعيد نفس الحكاية , إنه العبث الذي يعيدني .. أستقل سيارة باردة هي الأخرى وأزداد ارتجافا لأن ملابسي خفيفة دائما .. كان هناك ندى متكاثف على النافذة وقطرات تسيل آخذة معها كل الجراثيم وعوالق الهواء .. إنه صمت ونعاس ورؤية مغبشّة , أنظر لساعتي فأجد أني متأخر عن العمل كالعادة .. فأنتظر بعض الكلام بحقي كل صباح .. يا للقرف ..


في وقت منقطع النظير يلازمني للأبد شعور غريب , أني عالق هنا.. ليس داخل جسدي فقط بل داخل هذا العالم ككل , تأتيني أمنيات الطفولة من حين لآخر مع أصوات المطر .. طفولة مندثرة , أسطورة لا يمكن تصديقها .. أعتقد أني كبرت بما يكفي لأدرك مدى سوءة الطبيعة البشرية , اندثرت براءتي مع الطفولة , عفويتي , جهلي , بساطتي .. لقد رأيت هذه المادة المعقدة التي تركب حياتنا .. كيف بدأ الإنقسام يجري كلما كبرت , الذكر والأنثى , الفقر والغنى , متزوج وأعزب .. أمي تصدع رأسي بهذه الأفكار .. طالما وددت الهرب , الهرب بعيدا حتى أسقط من اللهاث .. وحوش تريد إعادتي وإلصاقي ببشريتي .. أبك من الخوف , لأن هذا العالم مخيف , وكلما خفت ألتصق بالجدار مثل الصغير وأرتجف .. لا أريد أن أتلوث يا إلهي , أريد أن أبق معك .. لأن كل إيماني أن إلهي وحده النظيف ..


أمضيت سنين طويلة منعزل عن العالم , خائف من التلوث .. لا أريد ولن أفعل .. ففي يوم أذكره أجبرت على الخروج لأنهم أخبروني أنه من المفترض رؤية العالم , خرجت ووجدت كل شيء غريب كطفل يولد للتو .. استفاقت فيّ الطبيعة البشرية وكانت أكثر الأمور حسرة وندامة حصلت لي , من بعدها بذلت جهدي لأعود ملتصقا بالكون .. ففي الخارج أشخاص متلهفون لإيقاظك من عالمك الجميل وبراءتك , يفرضون عليك أن المال هو محرك حياتك , عليك أن تستمتع وودت أن أخبرهم أنني أستمتع بدون أن تخبروني , تصادف بالشارع فتيات جميلات لا يمكن الفرار من شراكهن .. ويصرع رأسي , لماذا يحصل لي هذا , ما هذه الحاجات , كيف أتتني .. ولم أدرك أني كبرت وانتهت طفولتي منذ زمن بعيد لكني غير مصدق , ولا أريد أن أصدق .. 


أنت الآن رجل كل حكايتك تكتبها أمك ومجتمعك وأهلك أنك يجب أن تجمع المال ليكون لك مستقبل .. النجوم أفضل فهي على حق , الكون أفضل فهو الأوسع , الله الأفضل فهو الأعظم .. كل تلك السطور مزقتها في أكثر مراحل الصراع بين حقيقتي وجسدي البشري .. فانتصرت للتمرد ورحت أفكر بأوسع كل أحلامي وأمنياتي , وأغير شكلي وآلامي ليبدو عالمي الأجمل .. بعفوية أرسوا على بحر الظلمات منتظرا النور .. بعفوية أكتم كل الآهات منتظرا السرور .. والله فوق ويعلم أني لم أجثوا على ركبتي ..


خطوت خطوات على الشارع في صباح يوم من أيام هذا الكوكب كطفل جديد على المشي , أستكشف كل شيء ملّت عيني من رؤيته يوميا , متفجر من داخلي لدرجة أن عندي رغبة بالصراخ بوسط الشارع حتى تتقطع أوتاري .. ثم أنهار باكيا لعل أحد يلتفت أنهم يفعلون هراء لا يعجبني وربما لا أحد يهتم بما يعجبني وما لا يعجبني .. إنني شفاف غير مرئي ووحيد منسي .. أسير وأنا أستمع لفيروز بكلماتها الشتوية الدافئة المليئة بالصدق , فهي وحدها من عرفت الحب وغنت له وما عداها كذب .. وتلك الوردة النابتة على ظهر مسجد قديم وحدها من عرفت الجمال وما عداها كذب .. وذلك المسجد القديم وحده من عرف الدين وما عداه كذب .. 


شعري أصبح طويل والهواء يبعثره يمنة ويسرة .. بلا أي هم ولا مشاعر ولا قرار , أسير بلا هدف .. أرغب بالوقوف بزاوية إحدى الزقاق وأبكي وأبكي وأبحث عن شخص أرتمي بحضنه , وأخبره أني لا أريد فعل كل هذا , لا أريد أبدا فهل تفهم ؟؟ .. مرت وقت طويل وأنا أبحث ولم أجد .. يذهب اختناقي كلما رأيت فتاة جميلة تتبعثر الورود خلفها وتنثر عطرا يلامس الشتاء .. الله جميل ويعرف أننا نستحق الجمال .. 


أعرف أني أهملتك بهذه الفصل يا ظلي .. لا تحزن , فأنت تعرف أني أجالسك أكثر من أي شخص بهذا العالم , تعلم أن ما يحصل لي ليس حزنا ولا ألما ولا هما ولا أي من تلك المشاعر .. إنه شيء جديد لا يفهمه أحد إلا من أتى من نفس المكان الذي أتيت منه .. 


- انصحني نصيحة !
- لا تستغل غضبك لكي تحطم , فلك قلب أرقّ من قلب طفل صغير , ولك وجه لا ينمو وبشرة غريبة .. هل احتفلوا بذكرى مولدك الخامس والعشرين ؟ .. ربما وأنت لا تهتم كونك تكبر .. لا تهتم بالزمن الذي ينسل من يديك وجيابك وعينيك , لقد رحل رقم ومزقت ورقة عن الحائط , شموع تضيء وأخرى تنطفيء , الكل يصفق وأنت واقف مكانك بلا حراك .. عينيك جاحظتين , الكل يهتف : "عليك أن تتزوج" .. رؤية مغبشة وصوت صرير .. أنت أذكى أن تطير مع ذلك الصدى .. مكانك ليس هنا .. ليس هنا ..


أبدو كأسطورة يتضاحك عليها بحارة في عرض البحر .. لأن الإيمان ليس عميق , فيستيقظ الفزع الرهيب وتتداعى الضحكات .. وحش من الظلمات يغضب ويبتلع البحارة ويندثرون للأبد .. لقد مل من كونه أسطورة , لكنه يخجل أن يظهر نفسه أو ربما لا يعنيه إن صدق أحد وجوده .. يقبع وحيد , ربما يبك وينتفض قلبه ألما .. ومتى تستفزه الضحكات يغضب .. لكنه لم يدرك نصيحتك : لا تستغل غضبك لتحطم .. 


أنت هنا معي بكامل إرادتك , أنت مؤمن بي .. أنت حر بي وأنا حر بك .. معا نمارس الصلوات , معا نرى الكتاب , معا نفكر , معا نجلس وسط الكون ننتفض لموت النور هنا وهناك .. أنت تركض بلا ملل , كأنه حقل واسع مخضر مليء بالفراشات .. من ذكريات الطفولة أصمم لك ما تريد , إنها لم تنقشع .. لم يقتلها أحد .. لا تتعجب من تصرفاتي الصغيرة .. إنه أنا فقط .. 


أفتح عيني على أصوات السيارات .. أووه , ما زلت بالمدينة , لم أصل البيت .. ربما كنت أحلم .. لا بأس .. أفتح محفظتي وأذهب لأشتري شيء لذيذ .. هناك الكثير من الأشياء اللذيذة التي تباع , كان الجو باردا جدا بحيث أني لم أشعر بوجنتي .. أجلس في مطعم أتناول الشاورما اللذيذة .. هناك الكثير من الأشخاص يجلسون مثلي ويتناولون ما أتناول .. لقد قضمت نصف الشاندويش ولم أستطعم به , يا لي من أحمق , حتى وأنا آكل أفكر .. ما هذا المرض ؟ , ما خطبي ... تذوقت الآن طعمها الرائع ثم اختفى الطعم تدريجيا .. بدأت أرى صورة مغبشة ثم تصبح واضحة , بدوت كأني شفاف ويمكنني سماع كل كلام الناس هناك , حتى شهقاتهم .. أفكارهم ووساوسهم , صوت صرير كلما مر أحد بجانبي .. أشعر بالحرارة رغم برودة الجو .. استفقت ووجدت أني أنهيت الساندويش بدون أن أتلذذ به ..
- يا للقرف , مجددا ..


ذهبت لأغسل يدي , كانت تحرقني جدا فجلدي وضعه سيء جدا .. حدقت بنفسي على المرآة .. كنت غاضب جدا ووجهي قاتم .. لا أدر لم .. لا أدر لم تتكرر تلك الأشياء معي , من يعبث برأسي .. أسير وأخبيء يدي المحترقة بجيبي حتى تترطب قليلا .. بينما الناس يسيرون بجانبي ويتصادمون بي وأشعر أنهم يتركون لي كل حياتهم , كأني أعرفهم كلهم .. يمكنني سرد ذكرياتهم  .... بينما أنا سارح بتلك الحالة إذا بيد تلطمني على وجهي ... 
 
- يا للهول , بدأت أرى أضواء تبرق أمامي .. من ضربني ولم ضربني ..
 
بعد لحظات وجدت شاب ملتصق بوجهي وصوته غائر ثم بدأ يعلو شيئا فشيئا ..
 
- أنا آسف , آسف لم أقصد ... هل تأذيت ؟ أعتذر منك .. أعتذر ..


قلت له بجمود وبسمة مصطنعة ..


- لا بأس .. لا مشكلة ..


ثم ذهبت أتمتم .. "لقد دمر سلسلة أفكاري , دمر ما كنت فيه .. يا ليته كان فتاة وضربتني .. يا ليت " .. كنت نعس ولست نعس , متعب ولست متعب .. أشعر أنني أكلت شيء ما , بعد لحظات عرفت ما أكلت وتندمت لم أبذر مالي بلا طعم , لِم لم أتذوق طعم تلك الشاورما .. ما هذا الشيء الذي يحدث ..


الآن سأضيع وقتي في انتظار سيارة تقلني إلى البيت .. لكن لحسن حظي وجدت سيارة صغيرة تبحث عن ركاب .. هممت بالركوب وكان جو مثالي لأغرق حتى شعري بعالم آخر .. ظلمة وبعض النسمات , ضوء خافت وصمت وحركات خفيفة .. وضعت يدي بحقيبتي أبحث عن دفتري وقلمي حتى وجدتهم .. وبدأت أكتب ..


أكتب بدون أن أنظر إلى ما أكتبه .. كلمات تأت من ذلك المكان العميق وتنزل برأسي ثم تكتبها يدي تلقائيا .. خط سيء جدا , غفوة نسيم ونشوة غامرة أفضل من نشوات البشر قاطبة .. الرياح عليلة وباردة للغاية , تعلق ذرات الندى على خدي وتنسل ممزوجة بحكايات .. أفكر كيف لي أن أعرف من ذاك الشاعر الذي يقبع هناك ويتلو علي تلك الكلمات .. كيف بهذه السهولة أصل إليه .. من هو أو ما يكون ..يبدوا أنه جميل وعظيم , لديه معزوفة .. لديه أمل كبير , يحبني ويهتم بي .. لعلي أراه لأقول له شكرا .. 


كانت السماء ملبدة بالغيوم وأدرك أن فوق تلك الغيوم هناك أضواء لسهرة روايات وكلمات .. نجوم تلمع ولعب وضحك .. وأنا هنا داخل كومة حديد لها عجلات تحترق من الداخل .. كيف أصل هناك ؟ كيف أصل ؟ .. أظنها ستكون ليلة صعبة علي ... سأخوض في نوبة اكتئاب مريرة , بلا سبب .. وبلا سبب أغط في النوم .. وبلا سبب يأت علي الليل .. وبلا سبب تطلع علي الشمس .. وبلا سبب أسمع لتلك المعزوفة .. وبلا سبب أقرأ ذاك الكتاب .. وما زلت لا أعلم لم أتيت هنا .. لم هياكل عظمية تتدلى وسط الحفلات .. لم النور أجده في الظلمات .. لم نجمة تبرق وحيدة كل ليلة ... لم الليل أسود .. ولا أدري لم أتسائل ولم أفكر .. النوم وحده يخدرني حتى أتخطى كل ذلك الألم .. ها أنا أنام وتبدأ الدنيا بالرحيل حاملة معها كل تساؤلاتي .. ولا أستفيق لوقت طويل ... إنه أنا ..



يتبع في الفصل التالي ..

* هذه الرواية لا تعبر عن شخصي ..
* لا يجوز نقل هذه الرواية بدون إذن من الكاتب - أمجد ياسين


10 تعليقات :

SINAN ISHAQ ALI ALMARAGHI يقول...

قصة جميلة ومن واقعنا العربي الغريب ولكنها كئيبة ,اعجبتني ان احداثها كانت بمدينة رام الله , حيث انني احب تلك المدينة .

Pretty Yoyo يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم..

انتظرتها بفارغ الصبر أمجد..فصل رائع وبداية موفقة جداً..قرأتها بتمعن _بالضبط ثلاث مرات_ وهناك بعض الاجزاء أعجبتنى أكثر من غيرها..

لا أستطيع انتظار البقية..أذكر عندما اخبرتنى فى القصة الماضية أن هناك نوع من الغموض فى روايتك..لمست ذلك وانا اقرأها..فهناك بعض الأحداث لم تكتمل فى هذا الفصل ،وأتوق شوقاً لتكملها لنا..

على الرغم أننى لم أقرأ سوى فصل واحد..الا اننى اصبحت متأكدة تقريباً أنك قد أخذت القرار الصحيح بنشر الرواية كاملة..

يبدو لى أنها ستكون رواية عظيمة..أنا فى انتظار الفصل القادم..ولكن عندى طلب صغير :أرجو أن تحاول على قدر استطاعتك ألا تتأخر علينا فى رفع باقى الفصول..ليس لديك أى فكرة عن حالتى عندما لا أكمل رواية..D:

نسيت أن أهنئك على اتمام دراستك أخيراً..فأنا اعرف كم كنت تتمنى أن تتخرج حتى تكون حراً..أنا أغبطك كثيراً،فهذا العام انت خرجت وأنا سأدخل..^_^..ولكن طبعاً تأكد تماماً أنى سعيدة من أجلك جداً وأتمنى لك التوفيق وتحقيق كل أحلامك..

تحياتى أستاذ امجد وفى انتظار البقية ..

غير معرف يقول...

بانتظار الفصول القادمه ....... بالتوفيق :)

أمجد ياسين يقول...

السلام عليكم ..

مرحبا إخواني الأعزاء ..

شكرا أخي سنان على إعجابك , أريد أن أعرف لما تحب رام الله , رام الله هي مدينتي .

********************

أختي (بريتي يويو) شكرا على إعجابك بالرواية وأتمنى أن تكون عند مستوى الروايات , الإنسان سيتوصل لمرحلة أن يكتب عن نفسه ... لن أتأخر في الرفع لانه ما زال في جعبتي المزيد والمزيد من الاحرف والكلمات لن تكفيها خمسة فصول .. وشكرا على تهنئتك , وأنا أبارك لك تفوقك بالثانوية .. ما شاء الله عليكي , وأتمنى أن تدخلي التخصص الذي يفيدك ويفيد العالم في الوقت الذي سيكون هناك الآلاف من المصابين ويحتاجون للأدوية ..

بصراحة لم يحدث لي شيء جديد من تخرجي سوى ورقة تسمى شهادة وفي الحقيقة لم أحصل عليها بعد لأسباب ... عندما تتحول مؤسسة تعليمية إلى شركة تجارية هدفها الربح فتبا للعلم ذلك ..

بالنسبة للأحلام أختي فقبل يومين تحقق لي حلم رأيته في منامي بكافة حذافيره , بكل تفاصيله وشخصياته حتى أني أصبت بالسطل من ذلك .. البارحة اتصل بي صديق قديم ليخبرني بما رأيته في حلمي بكل تفاصيله وألوانه ... لا يمكنك سوى القول .. واو , سبحان الله ..

عندما تشعرين أن أمل هرب منك فلا تيأسيي فربما يأتي أمل أجمل من سابقه .. لا تكترثي لم يهزأ بك وينعتك بالفاشل أو الحساس أو أو ... افعلي ما يخبرك به قلبك وحللي الحياة بعقلك ستشعرين أن كل تلك الحياة هي صور وأنت تحيين خلالها وفي يوم ستنتهي ... هذا ما ساعدني وجعلني على قيد الحياة للآن .. واكتشفت مؤخرا أن الدعاء يتحقق وأقسم لك وهناك أوقات أشعر بسعادة دون أن أدري لماذا وأوقات أشعر بالتعاسة وأعرف لماذا ... أحاول قدر استطاعتي أن أعرف سبب سعادتي لأحافظ عليه وأتجاهل سبب تعاستي .. تحياتي ..

*****************

شكرا أخي/تي الغير معرف .. قريبا ستأتي تباعا .. تحياتي لك

غير معرف يقول...

السلام عليكم اخي امجد ........
في البداية اود ان اهنأك على هذه الرواية فهي من بدايتها بان بانها رواية ستكون رااائعة ..........فهي واقعية وانا تخيلت كل الاحداث الذي ذكرتها وحتى انني عرفت الطريق الذي تحدثت عنه (النزلة الطويله كما سميتها ) .........
وأود التنويه على انني لاحظت بأنك قد وقعت في شيء لا ادري ان ستعتبره خطأ منك ام لا باس به في روايتك ...............وهو انك في بداية الروايه وفي الفصل الاول وبداية الفصل الثاني تحدثت باستخدام صيغة المخاطب اي انك انت كنت تتحدث عن الشخصية (احمد ) ولكن في نهاية الفصل الثاني انتقلت واستخدمت صيغة المتكلم وتركت الشخصية لتتحدث عن نفسها .........لا ادري ان ستعتبر هذا خطأ ام لا ...........وتقبل مني النقد :)
ونحن في انتظار الفصول القادمة ..........وبالتوفيق :)

غير معرف يقول...

السلام عليكم اخي امجد ..........
الفصل الثاني كان راائعا والرواية ستكون واقعيه بالنسبة
زلكن اود التنويه الى حدث ما وهو انك اتقلت من استخدام صيغة المخاطب الى صيغة المتكلم اي انه في بداية الرواية انت كنت تتحدث في بداية عن الشخصية ولكن في نهاية الفصل الثاني تركت الشخصيه تتحدث عن نفسها .............. لا ادري ان كان هذا امر مهم ام لا ..........وتقبل مني النقد ونحن في انتظار الفصول القدامة

أمجد ياسين يقول...

وعليكم السلام أختي ..

علمت ذلك والأمر وضعته عن قصد .. عندما أكمل الرواية ستعرفين السبب .. أظن أنك لم تنتبهي لشخصية الظل الذي لا يظهر في المطر , ستعرفين دوره وستعرفين علاقته بأحمد ..

أعلم أنك تعرفين تلك النزلة وأعلم أنك كاتبة روايات , أتمنى وقد طلبت أن أقرأ لك .. تمتلكين موهبة جميلة فتمسكي بها , ربما الإنتقال من صيغة المتكلم إلى المخاطب خطأ فأنت تكتبين روايات كثيرة ربما أما أنا فهذه أول رواية لي فعادة أكتب قصص .. وربما تعرفين في فن الروايات أكثر مني بكثير , فأتقبل نقدك وبإمكاني أن أعدل على الرواية بعدما أنتهي منها لان أركانها لم تكتمل بعد والصورة لم تتوضح ..

تحياتي لك وأتمنى لك التوفيق وكل سنة وأنتي طيبة .

Maher Yahya يقول...

http://www.eaglestats.com/

Pretty Yoyo يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم ..

تشاؤم مصيرى ... فلسفى الى حد كبير
اعجبتنى جداً ومتشوقة للبقية

تحياتى استاذ امجد , دمت متألقاً ^__^

قصص للتحميل يقول...

قصة جميلة و كئيبة في الوقت ذاته
و طرح ممتاز

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017