6‏/6‏/2014

الأم العظمى

ذابت شموع كثيرة وهم يحتفلون بعيد ميلاده الذي يتكرر .. لكنه لم يعلم بذلك في كل مرة , كان شيء كطقوس سرية .. يصدح ذلك التلفاز الذي يمر بجوار كل صباح في أحد المحلات .. "إن أسوأ وظيفة يمكن أن يحصل عليها المرء هي البقالة" , "التفكير بالنصر شيء مضر .." , "على الشعب أن يحترم إرادة القضية التي صنعها الحاكم .." . كيف وصل إلى هذا الزمن لا يدري .. اليوم تحتفل شركة "جولدن وود" بافتتاحها العشرين وفي ذمتها 500 مليون شجرة قطعت .. أكثر الإعلانات عن الأدوية , المرض سلعة , الأطعمة ملونة كثيرا , من ذلك الجبل خرج وعلق هنا ..

لم يمض وقتا طويلا حتى فتح بستان للأشتال , كل أشجار ونباتات الأرض حصل عليها من الأصدقاء ومن زياراته ورحلاته .. وضع مكونات الأرض تحت تلك العريشة .. إنها أواخر الصيف وبدايات الخريف حيث ستغير النباتات أثوابها والخجلى منها تحتفظ بها .. عندما دخل الخريف أمضى أوقات طويلة وهو يكنس الأوراق الصفراء مرارا وتكرارا , الأشجار ليست للبيع .. هذا ما كتبه على لافتة تلك العريشة ..

انتهت الفصول والعائلات تقيم طقوس عيد الميلاد وكل تلك الحياة التي تسير بضجيجها الغريب ناثرة غبارها خلفها .. إنه يوم جديد من أيام الشتاء , يمكن لكل ناظر على جانب الطريق أن يرى العريشة وقد اخترقت النباتات سقفها وجدرانها وأصبحت كثيفة جدا .. دخلت جذورها في الأرض الصماء , وذلك الشاب لم يغادرها طوال تلك الفترة , لا يتكلم ولم يزره أحد .. لديه من الهواء ما يكفيه .. يعد كل ورقة سقطت وكل ورقة نمت ..

بعد ثلاثة سنين اختفت العريشة تماما وظهت مكانها غابة صغيرة .. في ذات يوم سمع صوت فتاة تنادي "هل من أحد هنا" , سار حتى اقترب منها مختبئا خلف جذع شجرة .. رد عليها ..

- من أنت ؟

قالت ..

- هل يمكنني التصوير هنا , غابتك جميلة ..

استغرب كثيرا ثم قال ..

- نعم , نعم بكل تأكيد تفضلي .. 

دخلت وأغلقت الأغصان خلفها .. الأرض مورقة , هناك أيضا نهر , وأمطار غزيرة .. هناك حيوانات داخلها , وذلك الشاب الكث الشعر واللحية يخبرها عن المسئولية العظمى هنا , كم كانت واسعة غابته , مجرد النظر للأمام يفتح مشاهد واسعة جدا تفتح شهيتك للركض فيها .. الجميع يسير بجانبها دون أن يكترث , دخلت عميقا إلى كوخه الذي يسميه "كوخ الأرقام" فيه مجلدات كبيرة مليئة بالحسابات , أخذت تصور تلك التحف التي تبدوا من العصور الوسطى .. تلك الغرابة في المكان الواسع من الداخل ..سألها عن شركة "جولدن وود" , أخبرته أنها أزالت غابة في الجرف الجنوبي , وهي حزينة لذلك , لم يسعها حتى التصوير والإعتراض .. شركة تتمتع بالحصانة والدعم لا يمكن إيقافها ..

أجلسها وأسقاها شايا , وهي تحدق مستغربة منه ومن المكان .. سألته عن سر كبر الغابة من الداخل وصغرها من الخارج .. قال لها ..

- الكل يرى هكذا , أنا أرى حياتكم واسعة من الخارج وضيقة من الداخل .. ليست المشكلة في الرؤية .. 
ثم تبسم ابتسامة حكيم ..
طلب منها أن تأت معه ليريها الفكرة , هناك عميقا جدا في الغابة طلب منها أن تحدق بإمعان إلى تلك الكائنات , كائنات محبة جدا وتغضب بسرعة , لم تر لها مثيل .. رغم دهشتها إلا أنها شعرت بالخوف الكبير فطلبت المغادرة 
.. قال لها ..

- حسنا , تعالي ..

بعد سير طويل أوقفها عند أشجار متشابكة وقال لها ..

- هذا طريق الخروج .. اذهبي فلا يمكنني أن أتعد ذلك ..

سارت قليلا لكنها لم تستطع الخروج .. فطلبت المساعدة ..

قال لها ..

- الغابة تنمو بسرعة , ربما تغير كل شيء , المكان الذي دخلت منه لم يعد مدخلا ربما .. البحث عن مخرج لك سيحتاج وقت وقبل أن أجده سينته الأمر ..

قالت بقلق ..

- ماذا تقصد بكلامك .. أريد العودة حالا ..

أخبرها أن الأمر ليس بيده فتركها تصيح وعاد إلى كوخه .. لم تلبث طويلا حتى لحقت به والخوف باد عليها.. أراها كتاب فيه خريطة وقال لها ..

- تعلمين أن هذه الخريطة تخبر عن المخارج لكن الإستدلال عليها صعب إلا في حالة واحدة , إسألي تلك الكائنات ولكن حاذري أن تغضب فلا أدري ما قد تفعل , إن لم تريدي المجازفة ابقي معي حتى يحين الوقت ..

قالت له ..

- عن أي وقت تتكلم  ؟!

أخبرها أنه لا يمكنه التحدث الآن , وأخبرها أن تمض وقتها بالتصوير فهذا مفيد للجميع .. مع الوقت اعتادت تلك الفتاة على المكان وأخذ شيئا فشيئا تتعمق في داخل الغابة وتصور , حتى في يوم وصلت للمكان المقدس .. مكان محظور لم يخبرها به ذلك الشاب , مكان يسمى "العش" وهي مذهولة تصور قبضت عليها تلك الكائنات .. عندما انتهى اليوم ولم تعد تلك الفتاة عرف ذلك الشاب ما حل بها .. لكن كان لديه عمل وبعض الحسابات والأرقام فعندما انتهى ذهب ..

أطلق صيحة مميزة فحضرت تلك الكائنات ثم اصطحبته إلى مكانها .. أخبرها عن تلك الفتاة وعن قصتها وأن يبقوها عندهم يومين فقط حتى ينهي الحسابات فالأمر قريب جدا .. بعد يومين حدث أمر غريب , نور أزرق في وسط الغابة وبالضبط من "العش" , صدحت الأبواق واهتزت الغابة .. طوى ذلك الشاب آخر كتاب أرقام لديه ثم نظر من النافذة وأخذ يحادث نفسه ببهجة ..

- لقد جاءت الأم العظمى !!

أخذ يركض باتجاه "العش" سريعا ليرى ما انتظره طويلا .. كانت راكدة مثل مولود جديد .. كانت شيء فريد ومميز جدا وتلك الكائنات تدور حولها مترقبة , أطلق سراح تلك الفتاة والتقت بذلك الشاب .. من شدة ذهولها لم تسأله عن سبب سجنها بل عن ذلك الشيء الأزرق الذي يقبع في ذلك المكان ..

قال لها ..

- إنها الأم العظمى .. لقد حان الوقت , ستستفيق من ركودها قريبا جدا .. عندما يحدث الأمر فقط اتبعيني ..

من بين هدوء وركود مخيم استفاق ذلك الشيء محدثا ضجيجا وجلبة .. نهضت من مكانها راكضة بشدة والغابة أخذت تتفتح وكل تلك الكائنات تتبعها .. لحظات حتى أصبح ذلك الشاب وتلك الفتاة في المدينة خارج الغابة .. كل شيء هدأ واختفى , الجميع يستغرب من شكلهم ووجودهم الفجائي .. مر بجانب ذلك المحل ليجد التلفاز ما زال يصدح بعد تلك السنوات .. "ظهور غريب لأوراق شجر كثيفة في الشارع الجنوبي .." , نظر نحو الفتاة مبتسما ..

- ما كنا فيه ليس وهما , الليلة سترين ..

غابت الشمس في داخل البحر .. كانت ليلة هادئة وسرية ظهرت فيها الأم العظمى في الشوارع تعلم أبنائها في جباههم , الأمر أحدث جلبة أكثر بعدما ظهرت تلك الكائنات أيضا .. نهض ذلك الشاب على أصوات سيارات الشرطة والجيش .. نظر من النافذة ليجد تجمعات لأناس على جباههم علامات زرقاء يهتفون بالأم العظمى .. كان أول تمرد تشهده المدينة منذ سنين طويلة , لم يعرف أحد من هي الأم العظمى وما تكون , الحيرة تملأ المكان .. الليلة سينتهي كل شيء .. في كل لحظة كان عدد الأناس المعلمين يزداد ويزداد وما هي إلا ساعات حتى هدأ كل شيء ..

عند بزوغ الفجر تغير العالم تماما .. في كل مكان علقت لافتات "تحيا الأم العظمى" , قانونها يسري الآن , أبنائها يحكمون .. الشيء المميز أن ذلك التلفاز سكت , الغابة داخل المدن يحكمها قانون الطبيعة , من يحتفلون بعيد الميلاد قد ماتوا جميعا , "إن أفضل عمل تفعله هو أن تبني غابة" , "نحن نحب أمنا" , "مع بزوغ كل فجر سنزداد" .. أصوات تتردد في الصباح , حزم أغراضه ورحل حيث أخبر تلك الفتاة عن وجهته .. قال لها أنه ذاهب إلى "العش" ليؤدي دور الأب ..

ذهب الخوف بعيدا , لقد أنشأت مركزا للإعلام الأزرق وأنتجت أول فيلم عن ولادة الأم .. هي الشيء الوحيد الآن الذي يجمع العالم ويبنيه , لهذا يجب على أحدهم أن يعتن بها جيدا لتبق .


أمجد ياسين

11 تعليقات :

othman chahboune يقول...

رائع استمر انا من متابعيك

othman chahboune يقول...

يا اخ امجد اتمنى اشوف قصصك في كتب منشورة و مترجمة لعدة لغات قصصك بتفكرني بالاحلام و الرؤى فيها شيء جذاب

أمجد ياسين يقول...

السلام عليكم ..

شكرا أخي (عثمان) على تعليقك .. أتمنى أنا ذلك أيضا إن شاء الله

تحياتي لك

mo moon يقول...

جمميله

v.o.r.a يقول...

السلام عليكم
اود اسألك اخ امجد عن سر الارض ,,الجملة المدرجة ضمن اسمك ؟ماتعني بها

أمجد ياسين يقول...

وعليكم السلام أخي ..

"سر الأرض" هو لقبي الخاص .. يمكنك أن تناديني بـ "سر الأرض" أو "أمجد" ,,

شكرا لك

v.o.r.a يقول...

اخي العزيز اني مطلع على ماتنشره في مدونتك بعض منه وليس كله ..وقد لفتت انتباهي الكلمات وأغلب الجمل ..وأراها نابعة من نظرتك للحياة .. لانه كما يقال ان الكلمة اذا خرجت من القلب وقعت في القلب ..قلما اجد من الناس من ينظر الى الحياة , فأن زماننا يكثر فيه الاخذ بظواهر الامور وضرب بواطنها عرض الحائط ..فيعيش الناس بلاحياة ..اتمنى لك التوفيق الدائم

نور الايمان يقول...

انا صحفيه عراقيه من اشد معجبيك اريد ان ااسئلك سؤال من اين تستوحي قصصك وهل لديك وقت محدد تكتب فيه ام اوقات فراغك فقط

أمجد ياسين يقول...

السلام عليكم ..

مرحبا أختي نور الإيمان كيف حالك ؟ اتمنى أنك بخير

شكرا لإطرائك الجميل .. سأجيبك :

ليس هناك شيء محدد استوحي منه قصصي , تأتيني القصة في نومي أو خلال التأمل والتفكير , وأغلبها خلال التأمل أو في لحظة شرود الذهن .. في النهاية كما يقال هي موهبة ..

أكتب قصصي في العادة في الليل تحت ضوء خافت وأفضل أن أكون لوحدي والهدوء في المكان ..

شكرا لك

نور الايمان يقول...

شكرا لك علی الجواب علی سؤالي وهذا يدل علی تواضعك ولباقتك

قصص يقول...

جميلة

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017