30‏/1‏/2015

الشمس السوداء - الجزء الأول

يوم حافل بالصمت في زمن بعيد , بين زقاق المدينة يتجول فتى يبيع علب صغيرة والناس تتجمع حوله ليأخذ كل واحد علبة .. مر رجل بجانبهم فأوقفه المشهد , اقترب وانتظر حتى لم يبق غير ذلك الفتى .. كضباب انقشع كاشفا مدينة الأسى .. سأله ..

- ما الذي تيبعه يا فتى ؟

أجابه ..

- لا أدري سيدي , قيل لي أنه في الداخل مكتوب ما تريد فهمه .. هل تريد واحدة سيدي ؟

قال له ..

- نعم أعطني علبة ..

أخذها وانطلق لبيته , فقد كان الليل قد حل .. جلس ذلك الرجل ليرى ما بداخل العلبة , فتحها فوجد كيس وورقة تعليمات مكتوب عليها .."إن الشمس منطفئة , رقّعوا حياتكم .." , شيء غريب حقا , شعر ذلك الرجل بأن شيء مهول قادم .. فقد أمضى الليل شبه نائم ..

نهار جديد , يذهب فيه ذلك الرجل لعمله كالمعتاد , لكن في الطريق استوقفته الإعلانات التي تملأ المدينة .. "إن الشمس منطفئة , رقعّوا حياتكم" ..يشعر أن الأرض ثقيلة حقا والحركة قليلة داخل المدينة , يتسائل عما يجري .. يجد صحيفة الصباح على مكتبه وأول خبر بالخط العريض .. "بوادر كونية غريبة .. وحكومة الأرض تسعى لإنقاذ الناس" .. انتصب واقفا بين زملائه قائلا ..

- هلّا يفسر لي أحدكم رجاءا ما الذي يجري !!

استغرب عندما وجد الجميع يلوح له بتلك الرقع التي كانت تحويها العلب .. جلس قلقا والخوف باد على وجهه , ما الذي جرى فجأة , ينظر من النافذة للسماء فلا يجد شيء غريب ..

بعد أسبوع ..

في صباح أحد الأيام اسيقظ ذلك الرجل على صوت سيارات تنقل أناس يتساقطون في الشوارع بدون سبب , أعداد كبيرة ..والحكومة تذيع على التلفاز وتنبه الناس بضرورة اقتناء تلك الرقع ومن يتهاون سيسقط .. في ذلك اليوم عمت الفوضى المدينة, مثل ثورة أشعلتها السماء جعلت أرواح الناس تتمرد .. أرواح كثيرة غادرت الأجساد بدون سبب , شعر الجميع بخوف حقيقي جعلهم يهرعون لبيوت العبادة يطلبون تفسير رجال الدين ..

- إنهم يتمتمون عن نهاية العالم !
- تتكلم معي ؟
- ألم تسمعهم , يقولون أنها نهاية العالم !

من الأفضل ألا تجادل أحدا في هذا الوقت , منذ سنين مضت عاش ذلك الرجل كمواطن في مدينة كأي مواطن , هاديء ويفعل كما يفعل الآخرون , لكنه في الليل يغرق داخل كتبه القديمة , بينما هو في بيت العبادة يتأمل بدرت في ذهنه تلك العبارة " سينام النبات تحت الظل نوما أبديا لأن الظل لن ينقشع بعدها" قرأها في أحد كتبه لكنها الآن مثل النور في وسط العتمة ..

فترة طويلة مرت على المدينة بدون أناس , كل شيء ترك على حاله , والموتى كثر .. في يوم سبت بعد الظهر ازداد نور الشمس بشكل مفاجيء .. وأخذ يزداد ويزداد حتى عم نور ساطع أرجاء الأرض , بعد أسبوع أخذ نورها يخفت ويخفت , خلال تلك الفترة أصيب أعداد كبيرة من الناس بالعمى ومات آخرون .. ومن بقي في منزله نجى .. في يوم انتهى نور الشمس تماما وأظلمت السماء .. لم يكن الليل قد حل ولكنها الظلمة .. فبدأ الفزع ينتشر بين الناس , عصر الجليد , موت النباتات , انتهاء الأوكسجين .. لا أمل يهديء من فزع الناس والحكومة صامتة .. ذلك الرجل يجلس مترقبا قرص الشمس الأسود يطفو في ظلمة قاحلة , دموع تنسل من عينيه وخوف يتراقص في قلبه وهو يعيد قراءة كتبه في ليلة واحده لعله يجد تفسير .. لكن لا تفسير بين بحر من الكلمات الغامضة ..

انتهت الكهرباء في ليلة صامتة وعم السكون , وأخذت الحرارة تنخفض شيئا فشيئا .. بينما الرجل يبكي بحرقة متوسلا الله أن ينقذ الأرض .. فجأة يطرق أحدهم الباب , يفتح فيجد رجال بزي عسكري يطلبونه عند الباب ..

- السيد (أبراهام) , تفضل معنا .. 

بدون سؤال ذهب معهم .. أخذوه بسيارات عسكرية لمنشأة عسكرية , هناك قابله جنرالات وأخبروه أن الشمس قد انطفأت .. وأخبروه أنهم يعرفونه ويعرفون كل تفاصيل حياته , طلبوا منه اقتراح وحل .. 

قال لهم ..

- إن مجرتنا قد سافرت للحزام المظلم , بحيث يبطل مفعول فوتونات الضوء تماما ويشتتها .. لا أدر إن كان الأمر سيطول أم لا .. قبل ملايين السنين مرت على الأرض نفس هذه الظلمة , وذكرت في إرث الحضارات الغابرة "الشمس السوداء" ..

قالوا له ...

- الأرض ستتجمد قريبا ومحطة الفضاء ستتوقف عن العمل فوقودها الإحتياطي سينفذ قريبا , لدينا اقتراح ونظنه حل لإنقاذ كوكبنا , لكن قبل الشروع فيه سنأخذ رأيك .. لقد صنعنا "شمس" وهي الآن فوق تسبح قريبا من الأرض .. آلية عملها أنها جهاز لتجميع وتركيز فوتونات الضوء من الكون المحيط حتى أدنى تركيز منها ومنع تشتتها ثم اطلاقها باتجاه الأرض .. ما رأيك , الشمس جاهزة وتنتظر التشغيل ..

قال لهم ..

- ابقوها في مجال القمر حتى لا تدخل ضمن قوة الحزام المظلم فيستهلكها .. افعلوا ذلك قريبا وسأصلي لنجاح الأمر ..

عاد الرجل لبيته بهدوء وأخذ يترقب من النافذة للكون المظلم , لا نجوم ولا أجرام سماوية .. أكمل قراءة كتبه تحت ضوء شمعة خافت .. "عندما يطير الحديد في السماء ويصبح الجميع سعيد بما لديهم , ستختفي الشمس ثم تنير حلقة عجيبة الكون ويحكم ملك العالم" .. لم تكن تكذب , لم تكن تكذب ! أعرف ذلك ! ...

الجميع يحدق في السماء منبهر , حلقة تظهر من العدم تنير وتكتمل حلقتها ثم تشع وتنير الأرض بشعاعها .. أصوات فرحة تعم العالم , لقد صنعوا شمسا في السماء .. انظروا إنها تنير .. وانطلق الجميع يسير في الطرقات .. في ذلك اليوم استدعى الرجل للمنشأة العسكرية مجددا .. أخبروه عن أمر طاريء ..

- لقد نجحت آلتنا وعملت , لكن لا نظن أنها ستصمد فهناك عواصف مظلمة تجتاح الكون , ونخش من أمر خطير قد تحدثه تلك الشمس , زيادة الكهرومغناطيسية والإشعاع على الأرض .. 

قال لهم ...

- امضوا قدما وتمنوا ألا يحدث شيء من ذلك .. سنجتمع قريبا ..

بعد يومين ..

صداع ينتشر بين الناس وزيادة الموتى , وهتافات عن نهاية العالم .. موكب عسكري كبير يمر من وسط المدينة , صوت انفجار كبير وضجة في الخارج .. يفتح النافذة ليرى إحدى سيارات الموكب قد انفجرت وتوقفت الأخريات ..

رجال من المنشأة العسكرية يطرقون الباب ..

- ما حذرنا منه قد حصل , الرئيس مات وقد فقدنا الكثير ..


يتبع في الجزء الثاني 


أمجد ياسين

10 تعليقات :

pedromen يقول...

قصة عجيبة !! لكنها جميلة ..
واصل بالتوفيق

غير معرف يقول...

القصة واعدة ، و لكن حاول التأني و اعطاءها المزيد من التفاصيل

نور الايمان يقول...

ان قصتك جميله لا تتاخر بالجزء الثاني

تبوك كام يقول...

رائعه من جد

Khalid Hamarsheh يقول...

قصة رائعة

gina maharani يقول...

Horror Stories

mohamed ali يقول...

أين الحزء الآخر؟

بوابة اليوم الاخبارى يقول...

كيف تملكت قلبى

كيف تسرب حبك إلي قلبي من دون أن أعيه؟... كيف حطمت حصوني واخترقت حواجزي؟... كيف دعوتني لدنياك بدون دعوة ولا عنوان؟... كيف قيدتني بحبال حبك الوردي؟... كيف ملكت خيالي واخترقت عذرية أحلامي؟... وأصبحت تسكن روحي بكل هدوء وبساطة؟... لماذا تزداد نبضاتي بمجرد ان انطق اسمك بين نفسى ورحى؟...
تحياتى
راندا عبدالحميد

أمجد ياسين يقول...

السلام عليكم ..

أهلا أختي راندا .. كلام جميل جدا شكرا لك ولوجودك ..

مدونه المهندس المصرى للمعلوميات يقول...

كلام جميل جدااااااا مشكووووووور

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017