19‏/6‏/2015

الظل

في ليلة عشاء سرمدي تقيمه الكائنات في حجرة بيتنا , حيث بدت الشمس في الليل والقمر أنار في النهار والنجوم انهمرت على الأرض محدثة شررا أحرقت فيه كل العتمة .. البشر لا يعتادون على المعجزات , والكون دائما على حق , ولا أحد يكتب عبثا فكل الأفكار من مكان آخر .

يتداعى الكون في يوم القيامة وكل البشر سائرون في طابور بلا بداية ولا نهاية وأنا معهم أنتظر شيء لا أعلم عنه شيء ... طريق للجحيم وطريق للجنة وهناك فوضى تحدثها كائنات كبيرة مليئة بالرعب تدفع الجميع لأمكان غير مفهومة .. ألوان بلا أسماء لأنه ليس هناك مثلها على الأرض , والجميع يتمنى النجاة .. وأنا واقف أبحث عن المعرفة , سألت أحدهم .

- هل نحن قريبون من الله ؟

لكنه في صدمة وهلع .. ناديت على أحد الكائنات الكبيرة ..

- أريد رؤية الله , هل هذا مسموح ..

إنه صباح كأي صباح يستفيق عليه البشر بعد ليل لا يعلمون ما الذي يحدث فيه وهم نائمون , إنها الشمس تنهمر بشعاعها في دورة ولادة مستمرة .. إنه آخر يوم في المدرسة , ثمانية عشر عاما تعلمت أشياء منكرا لها .. ولقد ظلمت العالم بإنكاري , فأي المعاني يبتكرونها , وأي الكلمات يدعونها .. إنهم بلا هدف ..

وصلتني رسالة على هاتفي تقول : " يا صديقتي , البسي جميلا اليوم .. فأنا فرحا لك" , بلا رقم كالعادة , ذهبت للمدرسة معلنا انفصالي .. ما سر تلك الشجرة , ومن يكون صديقي ذاك .. تنتابني عاصفة من البهاء أغض فيها البصر عن العالم .. ها أنا قد عدت للبيت بلا كتب , فالكتب شيء آخر عندي , وصلتني رسالة جديدة تقول : "بدوت بهية .." , شعرت بالغرابة حقا .. حملت نفسي حتى تلك الشجرة , إنها شجرة سرو , لكن ينتابني شعور مميز عندها وأشعر أن أحدهم يمت لي بصلة بقربها .. ناديت ..

- ألن تظهر لي نفسك ؟ هل أنت خجول .. إن كنت ممن كانوا في ليلة العشاء فاظهر ولا تخجل ..

رياح في المكان وهواء معطر بالزمان , كل الذكرات تتساقط من السماء كأوراق الخريف .. وصوت خشخشة كأن أحدهم قادم نحوك .. تيقنت حينها بأني أقف وجها لوجه أمام ذلك الشيء الذي لا أراها .. شعرت برهبة وجمود وحرارة , قلت بثقة تخفي خلفها خوفا .. 

- اظهر لي ولا تخجل , لكن لا تكن مخيف ..

لقد ظهر , كيان بلا شكل .. أسود كأنه مخلوق من العتمة , يحدق بي ولا أدر موضع عينيه , تكلم في هذا اللقاء الغريب ..

- أما زلت تريدين رؤية الله ؟

قلت له ..

- نعم , علي أكمل كتابي , وعلي أن أسأل الله الكثير من الأسئلة .. لكن لا أعرف كيف أتكلم معه , لهذا أريد مقابلته .. لكن صحيح , من أنت ؟

قال لي ..


- ماذا تظنين ؟

قلت له ..

- هيا أجبني بلا جدال .. 

قال ..

- أنا الكون ..

ثم ظهرت عيناه وتفاصيل جسده لكنه بقي أسود .. لم يلبث طويلا حتى ذهب .. فشعرت بخدر في جسمي , جررت نفسي حتى البيت ونمت بعمق كبير , لم أشعر بالوقت ولا بنفسي ولا بأي شيء حولي كأنني خارج جسدي وخارج الكون .. أيقظني ذلك الشيء فجأة وطلب مني أن آتي معه , لكن النعاس يخدرني فأمسكت بيده دون أن أسأله إلى أين .. بدأ سريري يبتعد وغرفتي وبيتي والكوكب , كل شيء أصبح يدور حتى سكنت أمام مجرة هائلة تبرق ولها صوت كالمطارق , رهبة وسعادة تنتشر في جسدي , كل الألوان هناك حتى التي ليس لها تعريف في قاوس البشرية .. أراني ذلك الشيء الطريق إلى الله , دوامات هائلة تحوم في كل مكان , تشع باللون الأزرق الباهي .. بدت عنيفة جدا , وقد أخبرني أن الدخول فيها يقودني إلى الله .. فبدأت أسبح في السماء بكل قوتي , لكنها بدت بعيدة جدا ولم أمل , والأرض في مكان ما تدور وتدور والكثير من الأمور حدثت وأنا أحاول الوصول ... وأخيرا وصلت , وصلت تحتها مباشرة ثم بدأت أصعد حتى بدى كل شيء حولي أبيض كالثلج .. طريق طويلة وسريعة للغاية , فالزمان بدأ من الماضي , ذكريات كثيرة , أصوات كثيرة وأوجه كثيرة وهلع .. ثم ألقيت من السماء إلى مكان جديد كأنه كوكب ..

أخذت أمشي وأنادي على الله , لكن لا أحد هناك , مكان واسع وموحش .. كأن شيء ما يمتص هذا المكان , طاقة خضراء ترتقي للأعلى ثم اختفى كل شيء وعدت أسبح أمام تلك المجرة الهائلة , وكأن كل تعبي ذهب هدرا .. فعزمت على أن أعيد الكرة , لكن شيء ما منعني من التقدم .. فسمعت صوت أمي قادم من المجرة , ورأيت كتابي يعرض على الملأ , كان هناك الكثير من الناس ينظرون لي , ثم امتلأت المجرة بالبرق الأزرق ودخل رأسي وكأني فقدت روحي حتى استفقت .. في تلك الليلة رأيت الشمس في الليل ولا نجوم هناك لأنها تساقطت على الأرض .. كل ما كنت بحاجة لجواب له قد أتاني بدون أن أدر كيف .. أنهيت كتابي في تلك الليلة رغم أني لم أر الله ...



شعرت بحزن لا مثيل له , لا أدر لم , كأني حمّلت هموم البشر .. وأخذت أبكي بصمت ودموعي تنهمر , فحملتني قدماي إلى الشجر , وأخذت بجذعها أشهق من البكاء , لا ترحلي .. لا ترحلي .. الحكاية تعود لراويها , فأدركت مالم أتوقع إدراكه , فكان علي أن أنتظر يوم القيامة حتى أر الله , والكون بات يزورني كل ليلة بدون أن يدر أحد , حتى أقرب البشر إلي , أمي .. فعدت إلى بيتي أقلب صفحاتي في كل مرة ينتابني الفضول لعلي أشبع لكني لا أشبع ولا أظني أشبع ولم أتوقف عن الحزن .. ولم يعد لي حلم ولا أماني ..

بعد عام ..

رأيت جرافة تحفر في طريق المدرسة , أسرعت إليها فوجدتها قد أزالت تلك الشجرة وأشجار أخرى .. سيقيمون مقبرة هناك , شعرت بالإنهيار والضياع , كان بودي الصراخ عليهم لكني انسحبت بهدوء عائدة إلى البيت , دخلت في نوم عميق لعلي أنسى كل ما ينسى .. ولعلي لا أستفيق , في كل مرة أجلس فيها أمام الطاولة أشرب الماء ببطيء أحدق فيها إلى لا شيء , وأشعر أن لا شيء يحمل معنى لما أبحث عنه .. لو يفقهون ما تكون تلك الشجرة , ليتهم يعلمون .. فيبدوا أن الأرض لن تتحمل موتاهم وأحيائهم .. لهذا علي الرحيل عن البشر قبل أن تلفظني الأرض خارجا , أدرك أنني بدون عائلة منذ ولادتي , وأدرك أن ذلك الكيان الظل صديقي قبل ولادتي وأعطيته دعوة لحضور العشاء السرمدي , لعلي أجد من يريني الله لكني لم أجد , رغم هذا وجدت الطريق إليه وإلي .. 


أمجد ياسين

2 تعليقات :

HIBA BNANI يقول...

صراحة اسلوب رائع اشتقنا لكك انا يوميا ادخل مدونتك ولا اجد الجديد فاتاسف ارجوك لا تبخل علينا بابداعاتك

أمجد ياسين يقول...

أعتذر عن ذلك أختي .. إن شاء الله سأفعل وسأعتبر تعليقك هذا تشجيعا لي ...

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017