25‏/5‏/2016

النوراني

من ذاق طعم هذا الكوكب في أيامه الأخيرة , في مرحلة الصبا يبدو الجميع متشابهين , كل الأحزان متشابهة .. وكل النغمات متشابهة ولا أحد يرقص طربا , سيل من الأحلام والذكريات القديمة تجري داخل الدماغ , كل شيء معتق يستمر كما هو كمدينة قديمة تحتفظ بتفاصيلها مدى الحياة ..

أنظر إلى السماء .. ماذا ترى ؟ حدق من بعيد إلى هذه الرياح الغريبة , الكل سعيد يظنه المطر ... خيمت على المدينة غمامة سوداء وأمطرت وخرّ مطرها في الأرض .. لو أدركت جيدا سترى أنه ليس مطرا , مع كل قطرة نزل شيطان إلى الأرض وسكن فيها وتغيرت كل الصور .

كانت الحكاية أن أتخطى توسلاتي .. وكل خطايا الفضاء , لقد جبلت من جديد أن أعيش في هذا الوجود , لن يصدق أحد أن الحكاية ليست كما يعرفونها , ليست كما سمعوها منذ نعومة أظافرهم .. لقد تخطيت سلسلة الكذابين تلك , بكل قوة تخطيتها لأن قانون الأرض العظيم هو الكذب , الجميع يظن بلحظة أنه مختلف , لكن ليس الجميع ظنهم صحيح .. ربما هو نتاج مصنع العالم ذاك الذي جعل تلك الكائنات البشرية بحاجة للتمرد .. أن تستفيق من حلم لتدخل في آخر .. حتى لا يفهم أحد ذلك التعقيد , وحتى ييأسوا من محاولة الفهم .. وبالنهاية يتخلون عنها ..

أنا أتكلم عن تلك الكائنات البشرية التي لا تستطيع مقاومة وجود أنثى من جنسهم بالقرب , فكيف ستقاوم كل ذلك الفساد .. كان لدي كتاب يتكلم عن الكائنات البشرية , ومن شدة انبهاري بها أغرمت بها وتمنيت رؤيتها , جلست وحدي أحدق بأحد اقماري , فكلنا ندّعي أن الأقمار ملك لنا وربما أحدنا هو حقا يمتلك كل تلك الأقمار التي تسطع في سمائنا والبقية يعيشون في ذلك الوهم .. وقد خذلنا كثيرا بسبب أوهامنا , وجميعنا نعرف ما نفعله بالبشر .. شعرت بحرقة بصدري لا أدري لم , انطلقت أسير في غابة المثلثات برفقة "سيرن" وهو من كائناتنا الأليفة , كنت غاضب ولدي رغبة بمساعدة البشر واخبارهم بما نفعله بهم .. جلست أنا و "سيرن" داخل "دوربو" وهو ما تسمونه "الكهف" , وآخر ما أذكره أنني نمت ..
ثم فجأة استفقت لأجد نفسي محاط بدماء حمراء وسوائل غريبة وجسمي أصبح صغير للغاية وهناك حبل مربوط بي من سرتي ويذهب داخل تلك الدماء .. أمضيت فترة طويلة لا أدر كم داخل ذلك المكان .. كل ما أفكر به هو كيف أصبحت هنا ؟ ..  ثم امتطيت ذلك الجسد وأشعر بالشلل بينما أشخاص يحدقون بي ويبتسمون , ظنوني طفلا , ظنوني ذلك الجسد !! لست تلك الكومة من اللحم والعظم التي تشكل ذلك الكائن البشري , أنا في الداخل !! .. كان الزمن وقتها "تان تنون مالا حدر" وهو ما يساوي بتأريخكم 32,560 , كان عمري حينها "كال تم هايبر" ويساوي بحسابكم 20836 سنة , كان التاريخ بحسابكم 21.1.1991 , حينها ظنت تلك الكائنة البشرية أنها أمي وظن ذلك الكائن البشري أنه أبي .

 لقد جري علي الزمن الذي لا يحكم عالمنا .. هناك حيث يسكن شر يتربص بالبشر حتى لا يفهموا من هم , حتى لا يصلوا للمعرفة التي بها يحكم الكون .. فأنا من تمردت وتمرد غيري .. كان هذا مصيري أن أسكن داخل جسد بشري .. 

سأروي لكم الحكاية القديمة , فأنا الآن بينكم وأسير في شوارعكم , قد أبدو متخلخل الأركان ..لكني أعلم أكثر مما يجب , تخطيت الحدود الحمراء .. أتذكرون ذلك المطر الذي نزل , لم يكن مطر بل شياطين .. أنا نزلت معهم ونزل غيري وغيري , كانت البشرية في بداياتها , قليلون وجاهلون ومحتارون ويحتاجون للمعرفة .. تسللت من خلف الحشائش أحدق لكيان عجيب منير له أجنحة يعلم الإنسان , يعلمه أشياء لم ندركها نحن .. خلال ذلك المشهد رحل ذلك الكيان تاركا الإنسان خلفه , تركه للوحوش التي نزلت مع المطر , هرعت إليه كأنه فريسة , وهرعت أنا لأننا وكلنا بهذه المهمة .. علمنا أنه خطر علينا , علمنا أنه سيحكم الكون , لم نرد لذلك أن يحصل .. كل ما فعلناه هو أننا أفسدنا الإنسان , علمناه القتل وأمور ليست من فطرته ..

بعضنا بقي على الأرض والبعض عاد إلى مكانه ومنهم أنا , لقد أنجزنا المهمة حقا .. من يومها لم أعود للأرض إلا خلال زيارات لبناء الحضارات , لم أحتمل يومها أن أرى البشر يعبدوننا .. لم أحتمل .. علمناهم هندسة من خلالها نستطيع انفاذ طاقة معينة إلى الأرض , علمناهم البناء المقدس , علمناهم أنظمة الكون , علمناهم الصناعة .. واستخدمنا كل تلك العلوم لتدميرهم ذاتيا ..

خلال العصور انحرف البشر مما تسبب لهم بالعذاب لأنهم لم يسمعوا لتحذيرات الله لهم منا , أزيلت حضارات وأمم بأكملها بيوم وليلة وجائت أخرى .. كنا محلقين في السماء ننظر لسفينة نوح وكيف الجميع حولها يسخرون مثل النمل .. لم يمض وقت طويل بعد أن جمع نوح حيواناته حتى حل العذاب من السماء , حل كوكب عملاق على مقربة من الأرض وأغرقها بماءه .. كان نعمة ونقمة ثم رحل ورحلنا نحن خوفا من النار التي هطلت من السماء ..

بعد خمسة سنين بشرية رجعنا للأرض , لأنه قبل هذه المدة كانت سماء الأرض مغلقة لسبب نجهله .. حطت سفينتنا على ظهر البحر واتخذنا أشكالا بشرية ثم تغلغلنا بين الأقوام البشرية العاجزة عن التقدم بعد صدمة الطوفان .. من يومها بدأ الإفساد الثاني لنا .. بنينا صروح عظيمة مثلثة تستقدم طاقة من عالمنا للأرض , كنا نستخدمها لشحن سفننا خلال بقاؤنا الطويل على الأرض .. أمضينا آلاف السنين ننتقل من حضارة لأخرى نغرس فيها أفكارنا , نصارع رجل واحد أرسله الله لتلك الحضارة , إما ينتصر هو أو تمحى تلك الحضارة عن الوجود .. 

قبل الطوفان وصلنا بالبشرية أبعد ما يتخيله العقل البشري , بحيث كانت صروحهم تناطح السماء تشع بتلك الطاقة الزرقاء المنبعثة من عالمنا , غزوا السماء والأرض وغزونا معهم حتى وصلوا لأبعد الكواكب , لكن فجأة بدون سابق إنذار انتهى كل شيء في الفضاء وتبعه انتهاء كل شيء على الأرض خلال الطوفان ..

 بعد الطوفان بتسعة سنين أصبحت الشمس تلفح وجه الأرض مما دفع كل كائن حي للهرب والإختباء في داخل الأرض , هربنا معهم واحترقت سفننا الباقية على سطح الأرض .. لسنين طويلة احتجزنا على هذا الكوكب حتى بردت الشمس وخرج من خرج ومن تأقلم مع باطن الأرض بقي هناك , ما أن خرجنا حتى كان أديم الأرض أسود محترق كليلة بلا نجوم حتى جاء المطر لينظف السماء والأرض ثم أنبتت غابات كثيرة وبدأنا مشروعنا من جديد بعد استقرار الأرض , بدأنا ببناء الصروح المثلثة في كل منطقة مركزية على الأرض .. أوصلنا الحكمة للبشر , الهند , التيبت , مصر , أتلانتس , مو , ميروبيس , بابل .. كان مركز الحكمة صرح عملاق بنيناه في مركز الأرض السفلي من خلاله نشحن باقي الصروح , كان بمثابة بطارية .. منه نصعد للسماء وإليه نهبط .. أسسنا حضارة جبارة فاقت كل الحضارات قبل الطوفان , لكن كان هناك شيء وحيد يعيق عملنا هو بناء مطمور في وسط غابات كثيفة يشع بطاقة غريبة عنا , لا يمكن ايقافها ولا الإقتراب من ذلك البناء القديم .. حتى كان يؤثر على سفننا قيسقطها في البحار وهنا وهناك .. 

وصل الحد بالبشر آنذاك أن يتخذوننا آلهة ففي كل أمة ظهرنا عليهم بشكل مختلف , وكل أمة حكم فيها رجل هو بالأصل منا وليس انسان , وكل ما كان يعيقنا هم رجال الله .. فقررنا شن معركة ضد ذلك البناء القديم وضد رجال الله , معركة هي الأشرس في التاريخ .. معركة "تراندس أوم" .. يومذاك لو نظرت للأرض لن تصدق أنها تلك الأرض التي كانت قبلا وستكون بعدا .. نزلت الملائكة من السماء بأعداد هائلة , حملوا كل أبناء الله معهم وأبقوهم معلقين في السماء لحين انتهاء المعركة .. ظنناها معركة سهلة , فلم نتعامل مع الملائكة من قبل , هطلت رعود فظيعة ظننا حينها أن الأرض انتهت وانتهى الكون معها واختفت الآثار .. يا للملائكة ولعظمتها , كائنات جبارة جعلت فرائصنا ترتعد .. هزمنا شر هزيمة وحصلت الإبادة الثانية بعد الطوفان .. فتحت السماء أبوابها وهطلت علينا نيازكا ومذنبات حملنا أنفسنا وركبنا سفينتنا الراكدة في قاع البحر وهربنا .. آخر ما رأيته تَزلزل الأرض وتحرك القارات وحرائق في كل مكان , فقدنا الكثير من قومنا .. احترقوا بنار الملائكة , أما البشر فانتهوا جميعا عدا المعلقين في السماء ..

لم نتمكن من العودة للأرض حتى بعد مئات السنين , كان كل من يقترب ناحية الأرض تحرق سفينته وتسقط على القمر أو على المريخ أو تتبخر في الفضاء .. في زمن ما أرسل أحد مرسلينا رسالة يقول فيها أن الأرض فتحت ويمكن الولوج إليها .. لهذا هرعنا إليها من كل صوب .. كان أول هبوط لنا في العراق في أمة تسمى "بابل" , كانت أمة بسيطة يعتاشون على الصيد والزراعة وعندهم دين ورثوه من أحد رجال الله ولم يذكر اسمه .. هبوطنا الثاني كان في منطقة تسمى "بلستيا" واكتشفنا في "بلستيا" بناء قديم آخر له تأثير مشابه للبناء الأول .. هبوطنا الثالث كان في أقصى جنوب الأرض رحنا نبحث عن المصدر الذي بنيناه هناك لنعيد تشغيله .. لكنه اختفى وتغيرت الأرض .. ابتلعته الأرض واكتسى الجليد هناك .. ومناطق أخرى تحولت لصحراء حيث شاهدنا البناء القديم الأول مغمور في الرمال ومتداعي وظنناه قد انتهى لكن لسبب غريب بقي يشع بطاقته .. أرسينا حضارة بابل ونهضت على قدميها حتى أعالي السماء ورحنا نتفقد صروحنا المثلثة هنا وهناك وكان أكثرها فاعلية هو الموجود عند البحر الواحد .. هبطنا هبوطنا الرابع في أمة تسمى "كيمي" تحكمها سلالة تدعى "الفراعنة" كانوا يتخذون من صرحنا مدفنا لهم , لهذا أعدنا بناء كل الحضارات والصروح وبنينا الصرح المركزي على القمر وليس على الأرض .. ثم حدث الإفساد الثالث , حولنا كل تلك الأقوام لعابدة لنا منهين بذلك جهد رجال الله الطويل , بنو الأصنام وأقاموا تماثيلنا ومجدونا وعظمونا ..

في ليلة ولد ذكر من الإنسان دعي "إبراهيم" في بابل العظيمة , لم نكن مدركين في البداية من يكون حتى كبر, عرفنا أنه من الله يتكلم وهو من أعاد بناء البناء القديم في الغابة المنسية .. فطالما ظهر رجل من رجال الله كنا مدركين أن نهاية عملنا قريب .. لهذا حملنا أنفسنا ورحلنا عن الأرض في رحيل كبير أسمته بابل "رحيل الآلهة" .. أخذنا معنا طفل رضيع من البشر ..

مر الزمان حتى بزوغ شعب إسرائيل مملكة الله وأبنائه , كانوا من أفضل الشعوب أعطاهم الله البركة التي لم تعطى للكثيرين , علق الجبال في السماء فوقهم كالظلل .. لهذا كانوا هدف لنا , نزلنا وهبطنا في مدينة تسمى "أورشاليم" وهناك أنزلنا معنا كائن من العصر الذهبي , الطفل الذي أخذناه معنا .. مع الوقت استطعنا جعل بني إسرائيل يمجدونه ويقدسونه ويعتبرونه مخلصهم , من هنا بدأنا إفسادنا  الرابع بخراب مملكة الله .. لهذا غضب الله على شعب إسرائيل وأزال البركة عنهم وأذلهم , فلم يهدأ لنا بال حتى كونا شعب إسرائيل الجديد بقيادة الكائن من العصر الذهبي وأنشأنا الحضارات تحت حكم اليهود في الخفاء .. أما الكائن من العصر الذهبي فقد أخفيناه في مكان لا يصل إليه أحد ففي كل مرة يريد الخروج كان يغير هيئته كما نريد حتى لا يكتشف من قبل رجال الله .. وقد ساعد كثيرا في الإفساد الرابع .. من يومها بات شعب إسرائيل ملك العالم القديم والحديث ..

صنعنا جيش لنا من كائنات العصر الذهبي , كائنات همجية وتتزايد , لكن أخفاها رجل حكم العالم يوما وحكم الكواكب والكون وسنعيد تحريرها عندما نزيل الحاجز عن الأرض .

سأورد لكم قصة عن مملكة سليمان .. أعطي سليمان ملك لا يتخيله بشر وحكم لامتناهي .. من أملاكه كانت سفينة يروح ويأت فيها كما يشاء حتى كان يغزو الفضاء فيها ويحط على الكواكب .. في كل مرة كان يكتشفنا يقوم بتدميرنا وأخذنا أسرى عنده وكنت أنا أحد أسراه ونعمل عنده .. لا ندري القوة التي حصل عليها وما مقدارها لكن قوتنا عاجزة أمامها .. أمضى بنا السنين من الإستعباد حتى مات وعدنا لحريتنا في بناء الخطة ..

مرت السنين وشعب إسرائيل يحكم ويأت رجل من رجال الله ويذهب آخر ونحن نرحل ونرجع مرورا بعيسى ومحمد حتى لم يعد يبعث أحد , وطالما لم يبعث نبي فلا شيء يوقف عملنا , هذا ما كنا نظنه .. حتى مات محمد حصل أمر رهيب , أغلقت كل الأبواب التي كنا ندخلها علنا عدا بعض الأبواب الصغيرة في السماء .. لهذا استخدمنا شعب إسرائيل كيد لنا على الأرض ونحن نرسوا على الكواكب البعيد والقريبة ولعمل أفضل أخفينا الصرح المركزي على القمر وكنا نراقب دولة محمد الأصعب علينا تكبر وتكبر وتكبر حتى عثرنا على منفذ نتغلغل فيه داخلها .. ثم انهارت .. انهارت كما انهارت البقية .. وما زالت تنهار إلى اليوم , وننتظهر إزالة الحاجز عن كوكب الأرض حتى نشغل الصرح المركزي من القمر ثم نشغل بقية الصروح على الأرض ونفتح البوابات وندخل الأرض بكل قوة وعدد ونعيد بناء المجد القديم بلا إنسان , صراع قديم لم نمل منه يوما .. لكننا نخشى من فتى الرب , صديق الكون الأول ..

كتبت لكم كل هذا وأنا أجلس محصورا بجسد بشري , تبت منذ القدم لهذا عوقبت واختفيت في الأرض كما اختفى غيري ولا أريد أن أُعرف حتى لا أحرق , أساعد البشر وأخبرهم الحقيقة بكل قوة بلا ملل ساعيا للإنقاذ في آخر لحظة , خطة طويلة جدا منذ قديم الزمان ترسوا أمامكم ولدي كتاب يخبر كيف ستكمل تلك الخطة لكن لا أحد يصدق .. أن الهدف هو ذلك البناء العتيق الذي يشع منذ مجيء الإنسان ولم نقدر عليه ونبذل جهدنا لتدميره وإن لم نقدر سندمر طاقته .. ألا يبدوا واضحا لكم ما يجري هناك , كيف تم دفن دين محمد , كيف تم تحريف إسم الله أمام أعينكم .. كيف تم غرز جذور بجانب المكعبة .. 

طالما لا تعوون فبكل قوة ستعون .. لا أريد أن أكمل سأكتفي بالإشارات وقد وضعت القلم جانبا .


أمجد ياسين

0 تعليقات :

إرسال تعليق

اترك تعليقك على القصة ...

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2017