‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص اسطورية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص اسطورية. إظهار كافة الرسائل

25‏/5‏/2016

النوراني

من ذاق طعم هذا الكوكب في أيامه الأخيرة , في مرحلة الصبا يبدو الجميع متشابهين , كل الأحزان متشابهة .. وكل النغمات متشابهة ولا أحد يرقص طربا , سيل من الأحلام والذكريات القديمة تجري داخل الدماغ , كل شيء معتق يستمر كما هو كمدينة قديمة تحتفظ بتفاصيلها مدى الحياة ..

أنظر إلى السماء .. ماذا ترى ؟ حدق من بعيد إلى هذه الرياح الغريبة , الكل سعيد يظنه المطر ... خيمت على المدينة غمامة سوداء وأمطرت وخرّ مطرها في الأرض .. لو أدركت جيدا سترى أنه ليس مطرا , مع كل قطرة نزل شيطان إلى الأرض وسكن فيها وتغيرت كل الصور .

كانت الحكاية أن أتخطى توسلاتي .. وكل خطايا الفضاء , لقد جبلت من جديد أن أعيش في هذا الوجود , لن يصدق أحد أن الحكاية ليست كما يعرفونها , ليست كما سمعوها منذ نعومة أظافرهم .. لقد تخطيت سلسلة الكذابين تلك , بكل قوة تخطيتها لأن قانون الأرض العظيم هو الكذب , الجميع يظن بلحظة أنه مختلف , لكن ليس الجميع ظنهم صحيح .. ربما هو نتاج مصنع العالم ذاك الذي جعل تلك الكائنات البشرية بحاجة للتمرد .. أن تستفيق من حلم لتدخل في آخر .. حتى لا يفهم أحد ذلك التعقيد , وحتى ييأسوا من محاولة الفهم .. وبالنهاية يتخلون عنها ..

أنا أتكلم عن تلك الكائنات البشرية التي لا تستطيع مقاومة وجود أنثى من جنسهم بالقرب , فكيف ستقاوم كل ذلك الفساد .. كان لدي كتاب يتكلم عن الكائنات البشرية , ومن شدة انبهاري بها أغرمت بها وتمنيت رؤيتها , جلست وحدي أحدق بأحد اقماري , فكلنا ندّعي أن الأقمار ملك لنا وربما أحدنا هو حقا يمتلك كل تلك الأقمار التي تسطع في سمائنا والبقية يعيشون في ذلك الوهم .. وقد خذلنا كثيرا بسبب أوهامنا , وجميعنا نعرف ما نفعله بالبشر .. شعرت بحرقة بصدري لا أدري لم , انطلقت أسير في غابة المثلثات برفقة "سيرن" وهو من كائناتنا الأليفة , كنت غاضب ولدي رغبة بمساعدة البشر واخبارهم بما نفعله بهم .. جلست أنا و "سيرن" داخل "دوربو" وهو ما تسمونه "الكهف" , وآخر ما أذكره أنني نمت ..
ثم فجأة استفقت لأجد نفسي محاط بدماء حمراء وسوائل غريبة وجسمي أصبح صغير للغاية وهناك حبل مربوط بي من سرتي ويذهب داخل تلك الدماء .. أمضيت فترة طويلة لا أدر كم داخل ذلك المكان .. كل ما أفكر به هو كيف أصبحت هنا ؟ ..  ثم امتطيت ذلك الجسد وأشعر بالشلل بينما أشخاص يحدقون بي ويبتسمون , ظنوني طفلا , ظنوني ذلك الجسد !! لست تلك الكومة من اللحم والعظم التي تشكل ذلك الكائن البشري , أنا في الداخل !! .. كان الزمن وقتها "تان تنون مالا حدر" وهو ما يساوي بتأريخكم 32,560 , كان عمري حينها "كال تم هايبر" ويساوي بحسابكم 20836 سنة , كان التاريخ بحسابكم 21.1.1991 , حينها ظنت تلك الكائنة البشرية أنها أمي وظن ذلك الكائن البشري أنه أبي .

 لقد جري علي الزمن الذي لا يحكم عالمنا .. هناك حيث يسكن شر يتربص بالبشر حتى لا يفهموا من هم , حتى لا يصلوا للمعرفة التي بها يحكم الكون .. فأنا من تمردت وتمرد غيري .. كان هذا مصيري أن أسكن داخل جسد بشري .. 

سأروي لكم الحكاية القديمة , فأنا الآن بينكم وأسير في شوارعكم , قد أبدو متخلخل الأركان ..لكني أعلم أكثر مما يجب , تخطيت الحدود الحمراء .. أتذكرون ذلك المطر الذي نزل , لم يكن مطر بل شياطين .. أنا نزلت معهم ونزل غيري وغيري , كانت البشرية في بداياتها , قليلون وجاهلون ومحتارون ويحتاجون للمعرفة .. تسللت من خلف الحشائش أحدق لكيان عجيب منير له أجنحة يعلم الإنسان , يعلمه أشياء لم ندركها نحن .. خلال ذلك المشهد رحل ذلك الكيان تاركا الإنسان خلفه , تركه للوحوش التي نزلت مع المطر , هرعت إليه كأنه فريسة , وهرعت أنا لأننا وكلنا بهذه المهمة .. علمنا أنه خطر علينا , علمنا أنه سيحكم الكون , لم نرد لذلك أن يحصل .. كل ما فعلناه هو أننا أفسدنا الإنسان , علمناه القتل وأمور ليست من فطرته ..

بعضنا بقي على الأرض والبعض عاد إلى مكانه ومنهم أنا , لقد أنجزنا المهمة حقا .. من يومها لم أعود للأرض إلا خلال زيارات لبناء الحضارات , لم أحتمل يومها أن أرى البشر يعبدوننا .. لم أحتمل .. علمناهم هندسة من خلالها نستطيع انفاذ طاقة معينة إلى الأرض , علمناهم البناء المقدس , علمناهم أنظمة الكون , علمناهم الصناعة .. واستخدمنا كل تلك العلوم لتدميرهم ذاتيا ..

خلال العصور انحرف البشر مما تسبب لهم بالعذاب لأنهم لم يسمعوا لتحذيرات الله لهم منا , أزيلت حضارات وأمم بأكملها بيوم وليلة وجائت أخرى .. كنا محلقين في السماء ننظر لسفينة نوح وكيف الجميع حولها يسخرون مثل النمل .. لم يمض وقت طويل بعد أن جمع نوح حيواناته حتى حل العذاب من السماء , حل كوكب عملاق على مقربة من الأرض وأغرقها بماءه .. كان نعمة ونقمة ثم رحل ورحلنا نحن خوفا من النار التي هطلت من السماء ..

بعد خمسة سنين بشرية رجعنا للأرض , لأنه قبل هذه المدة كانت سماء الأرض مغلقة لسبب نجهله .. حطت سفينتنا على ظهر البحر واتخذنا أشكالا بشرية ثم تغلغلنا بين الأقوام البشرية العاجزة عن التقدم بعد صدمة الطوفان .. من يومها بدأ الإفساد الثاني لنا .. بنينا صروح عظيمة مثلثة تستقدم طاقة من عالمنا للأرض , كنا نستخدمها لشحن سفننا خلال بقاؤنا الطويل على الأرض .. أمضينا آلاف السنين ننتقل من حضارة لأخرى نغرس فيها أفكارنا , نصارع رجل واحد أرسله الله لتلك الحضارة , إما ينتصر هو أو تمحى تلك الحضارة عن الوجود .. 

قبل الطوفان وصلنا بالبشرية أبعد ما يتخيله العقل البشري , بحيث كانت صروحهم تناطح السماء تشع بتلك الطاقة الزرقاء المنبعثة من عالمنا , غزوا السماء والأرض وغزونا معهم حتى وصلوا لأبعد الكواكب , لكن فجأة بدون سابق إنذار انتهى كل شيء في الفضاء وتبعه انتهاء كل شيء على الأرض خلال الطوفان ..

 بعد الطوفان بتسعة سنين أصبحت الشمس تلفح وجه الأرض مما دفع كل كائن حي للهرب والإختباء في داخل الأرض , هربنا معهم واحترقت سفننا الباقية على سطح الأرض .. لسنين طويلة احتجزنا على هذا الكوكب حتى بردت الشمس وخرج من خرج ومن تأقلم مع باطن الأرض بقي هناك , ما أن خرجنا حتى كان أديم الأرض أسود محترق كليلة بلا نجوم حتى جاء المطر لينظف السماء والأرض ثم أنبتت غابات كثيرة وبدأنا مشروعنا من جديد بعد استقرار الأرض , بدأنا ببناء الصروح المثلثة في كل منطقة مركزية على الأرض .. أوصلنا الحكمة للبشر , الهند , التيبت , مصر , أتلانتس , مو , ميروبيس , بابل .. كان مركز الحكمة صرح عملاق بنيناه في مركز الأرض السفلي من خلاله نشحن باقي الصروح , كان بمثابة بطارية .. منه نصعد للسماء وإليه نهبط .. أسسنا حضارة جبارة فاقت كل الحضارات قبل الطوفان , لكن كان هناك شيء وحيد يعيق عملنا هو بناء مطمور في وسط غابات كثيفة يشع بطاقة غريبة عنا , لا يمكن ايقافها ولا الإقتراب من ذلك البناء القديم .. حتى كان يؤثر على سفننا قيسقطها في البحار وهنا وهناك .. 

وصل الحد بالبشر آنذاك أن يتخذوننا آلهة ففي كل أمة ظهرنا عليهم بشكل مختلف , وكل أمة حكم فيها رجل هو بالأصل منا وليس انسان , وكل ما كان يعيقنا هم رجال الله .. فقررنا شن معركة ضد ذلك البناء القديم وضد رجال الله , معركة هي الأشرس في التاريخ .. معركة "تراندس أوم" .. يومذاك لو نظرت للأرض لن تصدق أنها تلك الأرض التي كانت قبلا وستكون بعدا .. نزلت الملائكة من السماء بأعداد هائلة , حملوا كل أبناء الله معهم وأبقوهم معلقين في السماء لحين انتهاء المعركة .. ظنناها معركة سهلة , فلم نتعامل مع الملائكة من قبل , هطلت رعود فظيعة ظننا حينها أن الأرض انتهت وانتهى الكون معها واختفت الآثار .. يا للملائكة ولعظمتها , كائنات جبارة جعلت فرائصنا ترتعد .. هزمنا شر هزيمة وحصلت الإبادة الثانية بعد الطوفان .. فتحت السماء أبوابها وهطلت علينا نيازكا ومذنبات حملنا أنفسنا وركبنا سفينتنا الراكدة في قاع البحر وهربنا .. آخر ما رأيته تَزلزل الأرض وتحرك القارات وحرائق في كل مكان , فقدنا الكثير من قومنا .. احترقوا بنار الملائكة , أما البشر فانتهوا جميعا عدا المعلقين في السماء ..

لم نتمكن من العودة للأرض حتى بعد مئات السنين , كان كل من يقترب ناحية الأرض تحرق سفينته وتسقط على القمر أو على المريخ أو تتبخر في الفضاء .. في زمن ما أرسل أحد مرسلينا رسالة يقول فيها أن الأرض فتحت ويمكن الولوج إليها .. لهذا هرعنا إليها من كل صوب .. كان أول هبوط لنا في العراق في أمة تسمى "بابل" , كانت أمة بسيطة يعتاشون على الصيد والزراعة وعندهم دين ورثوه من أحد رجال الله ولم يذكر اسمه .. هبوطنا الثاني كان في منطقة تسمى "بلستيا" واكتشفنا في "بلستيا" بناء قديم آخر له تأثير مشابه للبناء الأول .. هبوطنا الثالث كان في أقصى جنوب الأرض رحنا نبحث عن المصدر الذي بنيناه هناك لنعيد تشغيله .. لكنه اختفى وتغيرت الأرض .. ابتلعته الأرض واكتسى الجليد هناك .. ومناطق أخرى تحولت لصحراء حيث شاهدنا البناء القديم الأول مغمور في الرمال ومتداعي وظنناه قد انتهى لكن لسبب غريب بقي يشع بطاقته .. أرسينا حضارة بابل ونهضت على قدميها حتى أعالي السماء ورحنا نتفقد صروحنا المثلثة هنا وهناك وكان أكثرها فاعلية هو الموجود عند البحر الواحد .. هبطنا هبوطنا الرابع في أمة تسمى "كيمي" تحكمها سلالة تدعى "الفراعنة" كانوا يتخذون من صرحنا مدفنا لهم , لهذا أعدنا بناء كل الحضارات والصروح وبنينا الصرح المركزي على القمر وليس على الأرض .. ثم حدث الإفساد الثالث , حولنا كل تلك الأقوام لعابدة لنا منهين بذلك جهد رجال الله الطويل , بنو الأصنام وأقاموا تماثيلنا ومجدونا وعظمونا ..

في ليلة ولد ذكر من الإنسان دعي "إبراهيم" في بابل العظيمة , لم نكن مدركين في البداية من يكون حتى كبر, عرفنا أنه من الله يتكلم وهو من أعاد بناء البناء القديم في الغابة المنسية .. فطالما ظهر رجل من رجال الله كنا مدركين أن نهاية عملنا قريب .. لهذا حملنا أنفسنا ورحلنا عن الأرض في رحيل كبير أسمته بابل "رحيل الآلهة" .. أخذنا معنا طفل رضيع من البشر ..

مر الزمان حتى بزوغ شعب إسرائيل مملكة الله وأبنائه , كانوا من أفضل الشعوب أعطاهم الله البركة التي لم تعطى للكثيرين , علق الجبال في السماء فوقهم كالظلل .. لهذا كانوا هدف لنا , نزلنا وهبطنا في مدينة تسمى "أورشاليم" وهناك أنزلنا معنا كائن من العصر الذهبي , الطفل الذي أخذناه معنا .. مع الوقت استطعنا جعل بني إسرائيل يمجدونه ويقدسونه ويعتبرونه مخلصهم , من هنا بدأنا إفسادنا  الرابع بخراب مملكة الله .. لهذا غضب الله على شعب إسرائيل وأزال البركة عنهم وأذلهم , فلم يهدأ لنا بال حتى كونا شعب إسرائيل الجديد بقيادة الكائن من العصر الذهبي وأنشأنا الحضارات تحت حكم اليهود في الخفاء .. أما الكائن من العصر الذهبي فقد أخفيناه في مكان لا يصل إليه أحد ففي كل مرة يريد الخروج كان يغير هيئته كما نريد حتى لا يكتشف من قبل رجال الله .. وقد ساعد كثيرا في الإفساد الرابع .. من يومها بات شعب إسرائيل ملك العالم القديم والحديث ..

صنعنا جيش لنا من كائنات العصر الذهبي , كائنات همجية وتتزايد , لكن أخفاها رجل حكم العالم يوما وحكم الكواكب والكون وسنعيد تحريرها عندما نزيل الحاجز عن الأرض .

سأورد لكم قصة عن مملكة سليمان .. أعطي سليمان ملك لا يتخيله بشر وحكم لامتناهي .. من أملاكه كانت سفينة يروح ويأت فيها كما يشاء حتى كان يغزو الفضاء فيها ويحط على الكواكب .. في كل مرة كان يكتشفنا يقوم بتدميرنا وأخذنا أسرى عنده وكنت أنا أحد أسراه ونعمل عنده .. لا ندري القوة التي حصل عليها وما مقدارها لكن قوتنا عاجزة أمامها .. أمضى بنا السنين من الإستعباد حتى مات وعدنا لحريتنا في بناء الخطة ..

مرت السنين وشعب إسرائيل يحكم ويأت رجل من رجال الله ويذهب آخر ونحن نرحل ونرجع مرورا بعيسى ومحمد حتى لم يعد يبعث أحد , وطالما لم يبعث نبي فلا شيء يوقف عملنا , هذا ما كنا نظنه .. حتى مات محمد حصل أمر رهيب , أغلقت كل الأبواب التي كنا ندخلها علنا عدا بعض الأبواب الصغيرة في السماء .. لهذا استخدمنا شعب إسرائيل كيد لنا على الأرض ونحن نرسوا على الكواكب البعيد والقريبة ولعمل أفضل أخفينا الصرح المركزي على القمر وكنا نراقب دولة محمد الأصعب علينا تكبر وتكبر وتكبر حتى عثرنا على منفذ نتغلغل فيه داخلها .. ثم انهارت .. انهارت كما انهارت البقية .. وما زالت تنهار إلى اليوم , وننتظهر إزالة الحاجز عن كوكب الأرض حتى نشغل الصرح المركزي من القمر ثم نشغل بقية الصروح على الأرض ونفتح البوابات وندخل الأرض بكل قوة وعدد ونعيد بناء المجد القديم بلا إنسان , صراع قديم لم نمل منه يوما .. لكننا نخشى من فتى الرب , صديق الكون الأول ..

كتبت لكم كل هذا وأنا أجلس محصورا بجسد بشري , تبت منذ القدم لهذا عوقبت واختفيت في الأرض كما اختفى غيري ولا أريد أن أُعرف حتى لا أحرق , أساعد البشر وأخبرهم الحقيقة بكل قوة بلا ملل ساعيا للإنقاذ في آخر لحظة , خطة طويلة جدا منذ قديم الزمان ترسوا أمامكم ولدي كتاب يخبر كيف ستكمل تلك الخطة لكن لا أحد يصدق .. أن الهدف هو ذلك البناء العتيق الذي يشع منذ مجيء الإنسان ولم نقدر عليه ونبذل جهدنا لتدميره وإن لم نقدر سندمر طاقته .. ألا يبدوا واضحا لكم ما يجري هناك , كيف تم دفن دين محمد , كيف تم تحريف إسم الله أمام أعينكم .. كيف تم غرز جذور بجانب المكعبة .. 

طالما لا تعوون فبكل قوة ستعون .. لا أريد أن أكمل سأكتفي بالإشارات وقد وضعت القلم جانبا .


أمجد ياسين

6‏/6‏/2014

الأم العظمى

ذابت شموع كثيرة وهم يحتفلون بعيد ميلاده الذي يتكرر .. لكنه لم يعلم بذلك في كل مرة , كان شيء كطقوس سرية .. يصدح ذلك التلفاز الذي يمر بجوار كل صباح في أحد المحلات .. "إن أسوأ وظيفة يمكن أن يحصل عليها المرء هي البقالة" , "التفكير بالنصر شيء مضر .." , "على الشعب أن يحترم إرادة القضية التي صنعها الحاكم .." . كيف وصل إلى هذا الزمن لا يدري .. اليوم تحتفل شركة "جولدن وود" بافتتاحها العشرين وفي ذمتها 500 مليون شجرة قطعت .. أكثر الإعلانات عن الأدوية , المرض سلعة , الأطعمة ملونة كثيرا , من ذلك الجبل خرج وعلق هنا ..

لم يمض وقتا طويلا حتى فتح بستان للأشتال , كل أشجار ونباتات الأرض حصل عليها من الأصدقاء ومن زياراته ورحلاته .. وضع مكونات الأرض تحت تلك العريشة .. إنها أواخر الصيف وبدايات الخريف حيث ستغير النباتات أثوابها والخجلى منها تحتفظ بها .. عندما دخل الخريف أمضى أوقات طويلة وهو يكنس الأوراق الصفراء مرارا وتكرارا , الأشجار ليست للبيع .. هذا ما كتبه على لافتة تلك العريشة ..

انتهت الفصول والعائلات تقيم طقوس عيد الميلاد وكل تلك الحياة التي تسير بضجيجها الغريب ناثرة غبارها خلفها .. إنه يوم جديد من أيام الشتاء , يمكن لكل ناظر على جانب الطريق أن يرى العريشة وقد اخترقت النباتات سقفها وجدرانها وأصبحت كثيفة جدا .. دخلت جذورها في الأرض الصماء , وذلك الشاب لم يغادرها طوال تلك الفترة , لا يتكلم ولم يزره أحد .. لديه من الهواء ما يكفيه .. يعد كل ورقة سقطت وكل ورقة نمت ..

بعد ثلاثة سنين اختفت العريشة تماما وظهت مكانها غابة صغيرة .. في ذات يوم سمع صوت فتاة تنادي "هل من أحد هنا" , سار حتى اقترب منها مختبئا خلف جذع شجرة .. رد عليها ..

- من أنت ؟

قالت ..

- هل يمكنني التصوير هنا , غابتك جميلة ..

استغرب كثيرا ثم قال ..

- نعم , نعم بكل تأكيد تفضلي .. 

دخلت وأغلقت الأغصان خلفها .. الأرض مورقة , هناك أيضا نهر , وأمطار غزيرة .. هناك حيوانات داخلها , وذلك الشاب الكث الشعر واللحية يخبرها عن المسئولية العظمى هنا , كم كانت واسعة غابته , مجرد النظر للأمام يفتح مشاهد واسعة جدا تفتح شهيتك للركض فيها .. الجميع يسير بجانبها دون أن يكترث , دخلت عميقا إلى كوخه الذي يسميه "كوخ الأرقام" فيه مجلدات كبيرة مليئة بالحسابات , أخذت تصور تلك التحف التي تبدوا من العصور الوسطى .. تلك الغرابة في المكان الواسع من الداخل ..سألها عن شركة "جولدن وود" , أخبرته أنها أزالت غابة في الجرف الجنوبي , وهي حزينة لذلك , لم يسعها حتى التصوير والإعتراض .. شركة تتمتع بالحصانة والدعم لا يمكن إيقافها ..

أجلسها وأسقاها شايا , وهي تحدق مستغربة منه ومن المكان .. سألته عن سر كبر الغابة من الداخل وصغرها من الخارج .. قال لها ..

- الكل يرى هكذا , أنا أرى حياتكم واسعة من الخارج وضيقة من الداخل .. ليست المشكلة في الرؤية .. 
ثم تبسم ابتسامة حكيم ..
طلب منها أن تأت معه ليريها الفكرة , هناك عميقا جدا في الغابة طلب منها أن تحدق بإمعان إلى تلك الكائنات , كائنات محبة جدا وتغضب بسرعة , لم تر لها مثيل .. رغم دهشتها إلا أنها شعرت بالخوف الكبير فطلبت المغادرة 
.. قال لها ..

- حسنا , تعالي ..

بعد سير طويل أوقفها عند أشجار متشابكة وقال لها ..

- هذا طريق الخروج .. اذهبي فلا يمكنني أن أتعد ذلك ..

سارت قليلا لكنها لم تستطع الخروج .. فطلبت المساعدة ..

قال لها ..

- الغابة تنمو بسرعة , ربما تغير كل شيء , المكان الذي دخلت منه لم يعد مدخلا ربما .. البحث عن مخرج لك سيحتاج وقت وقبل أن أجده سينته الأمر ..

قالت بقلق ..

- ماذا تقصد بكلامك .. أريد العودة حالا ..

أخبرها أن الأمر ليس بيده فتركها تصيح وعاد إلى كوخه .. لم تلبث طويلا حتى لحقت به والخوف باد عليها.. أراها كتاب فيه خريطة وقال لها ..

- تعلمين أن هذه الخريطة تخبر عن المخارج لكن الإستدلال عليها صعب إلا في حالة واحدة , إسألي تلك الكائنات ولكن حاذري أن تغضب فلا أدري ما قد تفعل , إن لم تريدي المجازفة ابقي معي حتى يحين الوقت ..

قالت له ..

- عن أي وقت تتكلم  ؟!

أخبرها أنه لا يمكنه التحدث الآن , وأخبرها أن تمض وقتها بالتصوير فهذا مفيد للجميع .. مع الوقت اعتادت تلك الفتاة على المكان وأخذ شيئا فشيئا تتعمق في داخل الغابة وتصور , حتى في يوم وصلت للمكان المقدس .. مكان محظور لم يخبرها به ذلك الشاب , مكان يسمى "العش" وهي مذهولة تصور قبضت عليها تلك الكائنات .. عندما انتهى اليوم ولم تعد تلك الفتاة عرف ذلك الشاب ما حل بها .. لكن كان لديه عمل وبعض الحسابات والأرقام فعندما انتهى ذهب ..

أطلق صيحة مميزة فحضرت تلك الكائنات ثم اصطحبته إلى مكانها .. أخبرها عن تلك الفتاة وعن قصتها وأن يبقوها عندهم يومين فقط حتى ينهي الحسابات فالأمر قريب جدا .. بعد يومين حدث أمر غريب , نور أزرق في وسط الغابة وبالضبط من "العش" , صدحت الأبواق واهتزت الغابة .. طوى ذلك الشاب آخر كتاب أرقام لديه ثم نظر من النافذة وأخذ يحادث نفسه ببهجة ..

- لقد جاءت الأم العظمى !!

أخذ يركض باتجاه "العش" سريعا ليرى ما انتظره طويلا .. كانت راكدة مثل مولود جديد .. كانت شيء فريد ومميز جدا وتلك الكائنات تدور حولها مترقبة , أطلق سراح تلك الفتاة والتقت بذلك الشاب .. من شدة ذهولها لم تسأله عن سبب سجنها بل عن ذلك الشيء الأزرق الذي يقبع في ذلك المكان ..

قال لها ..

- إنها الأم العظمى .. لقد حان الوقت , ستستفيق من ركودها قريبا جدا .. عندما يحدث الأمر فقط اتبعيني ..

من بين هدوء وركود مخيم استفاق ذلك الشيء محدثا ضجيجا وجلبة .. نهضت من مكانها راكضة بشدة والغابة أخذت تتفتح وكل تلك الكائنات تتبعها .. لحظات حتى أصبح ذلك الشاب وتلك الفتاة في المدينة خارج الغابة .. كل شيء هدأ واختفى , الجميع يستغرب من شكلهم ووجودهم الفجائي .. مر بجانب ذلك المحل ليجد التلفاز ما زال يصدح بعد تلك السنوات .. "ظهور غريب لأوراق شجر كثيفة في الشارع الجنوبي .." , نظر نحو الفتاة مبتسما ..

- ما كنا فيه ليس وهما , الليلة سترين ..

غابت الشمس في داخل البحر .. كانت ليلة هادئة وسرية ظهرت فيها الأم العظمى في الشوارع تعلم أبنائها في جباههم , الأمر أحدث جلبة أكثر بعدما ظهرت تلك الكائنات أيضا .. نهض ذلك الشاب على أصوات سيارات الشرطة والجيش .. نظر من النافذة ليجد تجمعات لأناس على جباههم علامات زرقاء يهتفون بالأم العظمى .. كان أول تمرد تشهده المدينة منذ سنين طويلة , لم يعرف أحد من هي الأم العظمى وما تكون , الحيرة تملأ المكان .. الليلة سينتهي كل شيء .. في كل لحظة كان عدد الأناس المعلمين يزداد ويزداد وما هي إلا ساعات حتى هدأ كل شيء ..

عند بزوغ الفجر تغير العالم تماما .. في كل مكان علقت لافتات "تحيا الأم العظمى" , قانونها يسري الآن , أبنائها يحكمون .. الشيء المميز أن ذلك التلفاز سكت , الغابة داخل المدن يحكمها قانون الطبيعة , من يحتفلون بعيد الميلاد قد ماتوا جميعا , "إن أفضل عمل تفعله هو أن تبني غابة" , "نحن نحب أمنا" , "مع بزوغ كل فجر سنزداد" .. أصوات تتردد في الصباح , حزم أغراضه ورحل حيث أخبر تلك الفتاة عن وجهته .. قال لها أنه ذاهب إلى "العش" ليؤدي دور الأب ..

ذهب الخوف بعيدا , لقد أنشأت مركزا للإعلام الأزرق وأنتجت أول فيلم عن ولادة الأم .. هي الشيء الوحيد الآن الذي يجمع العالم ويبنيه , لهذا يجب على أحدهم أن يعتن بها جيدا لتبق .


أمجد ياسين

13‏/10‏/2013

الأرض المنحدرة

لقد أساءت التصرف , كان لا بد من ضربها .. هي الآن في المستشفى تعاني من غيبوبة دماغية حادة , دع الصورة المكسورة , دعها كما هي تختلط بالدموع والدم , دع ذلك الدليل الجنائي يتكلم .. والمجرم الآن غادر إلى سنغافورة , سينجو كما نجى من قبل ..

ذات ليلة بعد سنة من زواجه غادر المنزل عند الصبيحة تاركا زوجته في رعاية أبيه , لم يكن يدرك أن والده ما زال مختل كما في السابق , لم يتوانى عن إيذاء الأشياء .. عاد (توني) ليجد زوجته ملقاة على الأرض وينزف الدم من رأسها , لم يخيّل إليه أنها انتهت كهذا .. تلقى مكالمة من والده يقول فيها أنه نادم , لكنها أساءت التصرف ثم ذهب واختفى وألغى رقمه ..

إنها القصة الثانية لعذابات (توني) بعد أن قتلت أمه بنفس الطريقة ولم تتخذ الشرطة أية إجراءات .. حتى بدت القصة غاية في الحزن تجرح قلب ومشاعر (توني) الذي عانى من قبل من عذابات نفسية في حجرة التعذيب في القبو القديم , صور تتصارع في رأسه مؤرقة أحلامه وأسلوب حياته .. كان يطلق عليه "صغير" لأنه كبر وشب وهو ملازما لألعابه لأنه يعلم أن ذكرى ولحظات رائعة سلبت منه عن غفلة ولن تعود أبدا ..

أخبر أنه يصعب عليه التأقلم مع أي شخص ومع أي ظرف فقد أمضى السنة محاولا التأقلم مع زوجته , محاولا أن يفهمها وأن يعيد مفهوم الحب المنسي , لكن والده المختل قضى على كل شيء .. على آخر أمل وآخر محاولة للحياة . الآن , أفضل شيء يجب على (توني) أن يفعله هو الرحيل بدون وجهة ولا رفيق ولا طريق ولا بوصلة .. رحلة طويلة لإستكشاف كل شيء فاته ..

إحدى ليالي الجمع يحزم أمتعته في حقيبة ظهر ويأخذ حاجيات زوجته ويغادر .. يترك دجاجاته وبيته وأشجاره , يترك كل شيء ببساطة ويغادر , كالمنوم والمسلوب الإرادة يعكس وجهه صور اليأس والإحباط , يجر خلفه كتلة ضخمة عديمة الشكل تبعث برائحة سيئة تحتوي على كل المشاعر السلبية واليأس والإحباط والعبوس .. إنها رحلة جريئة .


 (توني) في بلاد العجائب 

عند النهر الذي يقود إلى البحر الذي يقود إلى حافة الأرض , يضع قاربه في الماء مستعدا ليغرب عن وجه كل تلك الصور .. عندما تحرك مجذافه في الماء سمع صوت كلبه ينبح راكضا إليه , استسلم وأخذه معه , أركبه في المقدمة وهو ركب في مؤخرة القارب .. وأخذ يجذف وينطلق ورويدا رويدا بدأت الصور حوله تتغير وتتبدل وكل تلك الروائح المعهودة بدأت تتغير , حتى دخل الدائرة القطبية الشمالية حيث البرد الأبيض .. لن تصدقوا ما سيقوله ..

رسى قاربه عند ضفة جليدية , نزل منه حاملا حقيبته ويتبعه كلبه .. كان أمامه منحدرا جليدا ضخما جدا يسد الأفق , بالكاد كانت السماء ترى منه .. اقترب منه مصارعا الهواء البارد حتى أنه حمل كلبه بين ذراعيا خوفا عليه ... واجه حائطا جليدا صلبا ممتدا عن اليمين والشمال بمد البصر .. إنها الحيرة الآن تلبسته حتى أخمص قدميه , يحدق في كلبه الذي يدلي لسانه بسخافة ويقول له ..

- ألديك فكرة ؟

فلم يسمع منه سوى النباح المتكرر , فإن فكرة التسلق غير منطقية ولا يمكن تنفيذها , وفكرة الإلتفاف حول الحائط هي انتحارا ومضعية للوقت , فكر كثيرا حتى يأس ووضع يده على الحائط متأوها .. فجأة , انشق جزء من الحائط كالبوابة ثم انفتح على شيء مدهش جعل من (توني) شخصا أبلها لبرهة .. عند البوابة كان هناك حارسان لا يشبهان البشر , حتى أنه لم يدر إلى أي الكائنات ينتميان .. تكلما معه بلغة خشنة ..

- ممنوع الدخول بتلك الكتلة معك .. تخلص منها !

رد عليهم ..

- أية كتلة تلك ؟ !

لكنهم لم يكترثوا له بتاتا وبقي ملقى في الخارج .. لم يفهم ما يرمون إليه وازداد حيرة حتى حل الليل , نام واضعا رأسه على كلبه الفرائي ملتمسا الدفيء .. رغم البرد إلا أن عرقه بدأ يذرف وللمرة الأولى يحلم حلما حقيقيا .. شاهد زوجته تغطيه ثم تبتسم له .. حلم قصير إلا أنه استهلك الليل بكامله وجعله يذرف عرقا , عند الصباح وجد الحارسان يندهان عليه بالدخول ..

- لقد سمح لك بالدخول بناءا على طلب الحاكم .. أهلا وسهلا بك في بلاد الذر .

عندما خطى أول خطوة في ذلك العالم شعر أنه يمشي على أهداب , إنه خفيف جدا وبالكاد يمكنه أن يتحكم بخطواته .. ابتعد كثيرا عن البوابة حتى وصل إلى منحدر عميق تتراءى في قعره بلاد الذر العجيبة , فجأة رآى أحدهم راكبا مركبة غريبة بجانبه قائلا ..

- أهلا وسهلا بك في بلاد الذر .. هل تريدني أن أقلك ؟

قال ..

- نعم , ولكن ليس معي نقود !!

طلب منه الصعود .. ثم طار به بخفة نزولا عبر المنحدر .. في الطريق سأله ..

- ماذا تعني بالنقود ؟

قال (توني) ..

- مال , شيء له قيمة تشترى وتباع به الأشياء ..

قال له ذلك الشخص ..

- متى وصلت ستعّرفنا على حياتك ومن تكون .. تنتظرك الكثير من المفاجئات والعجائب ..

حط به على أرض مستوية وسط بنايات غريبة يملأوها السكان , الحياة تدب فيها بطريقة عجيبة .. اللون الأبيض الألماسي يطغوا عليها .. تركه هناك وغادر , وسط المجهول يحدق بغرابة مطبقة وبصمت رهيب يخيم على المكان .. يضع كلبه أرضا ويخطوا خطوات متقدما .. يمر من أمام مجموعة من الأشخاص شاعرا بالغربة وبالخوف وبالضياع .. فجأة ينادونه ..

- هي , أنت أيها الغريب .. تعال ..

أشار إلى نفسه قائلا بتردد ..

- أنا , أتكلمونني ؟

قالوا ..

- نعم , هلم إلينا ..

ذهب وجلس إليهم وعينه لا تنفك تتجول عبر وجوههم الغريبة , لا أحد ينتمي للبشر هنا .. حتى أنهم لا ينتمون لكلبه .. تكلم أحدهم مشيرا لكلبه ..

- ما هذا ؟ إنه جميل ..

أجابهم ..

- هذا كلب , إنه حيوان .. لا يتكلم ..

أخذوا يلمسون كلبه من كل جانب ثم بعد ذلك قدموا له شرابا غريبا ساخنا لكنه لذيذ , تناول نصفه ولكلبه النصف الآخر .. بعد برهة بدأ يشعر بالغثيان وبدأت رؤيته تغبش حتى فقد الوعي ..


بعـــــــد شهر ..

في مستشفى تنتمي لهم استفاق ليرى كلبه ممددا على سرير بجانبه والكثير منهم يلتفون حوله ويتمتمون , بينما هو لا أحد يكترث لأمره .. صاح بهم متألما ..

- أنتم , ماذا فعلتم بي , ماذا حل بكلبي ؟

اقترب منه أحدهم هامسا ..

- لديك شيء ثمين , هذا المخلوق يشع طاقة أكثر بمئة مرة من أي شيء موجود في هذه البلاد .. نحتاج إليه , لن نفعل له شيء .. فقط سنقطع أذنه ..

قفز من سريره وخطف كلبه وهرب عبر ممرات ومتاهات حتى خرج إلى الخارج وفي اعتقاده أن أحدا ما يتبعه .. "مجانين , يا لهم من مسوخ مجانين , سيقضمون أذن كلبي" .. وكلبه بالكاد يستطيع الحركة , و (توني) يصفعه مرارا وتكرارا "هيا يا عزيزي , تجاوب معي .. سنخرج من هنا قريبا" .. سار بين الأبنية والطرقات والأماكن حتى ابتعد ووجد نفسه وجها لوجه أمام حائط جليدي ضخم يسد الأفق .. تسائل أين هو صاحب المركبة ذاك ليقله للأعلى وكلبه المسكين متهالك بين يديه .. يضع يده على الحائط الجليدي حتى فجأة ينشق جزءا منه كالبوابة وينفتح على حارسان آخران .. قالا له ..

- لا يمكنك المغادرة , لا يسمح لك بالمغادرة .. 

و(توني) يحدق للأعلى .. ماذا بشأن الحائط الجليدي الآخر فوق .. هناك المخرج .. ارتكز بظهره إلى جانب البوابة ثم جلس في وضع القرفصاء ضاما كلبه بعمق ثم بكى .. لكنه شهد شيئا غريبا وهو أن الحراس تحركوا باتجاها وقاموا بنزع الكلب من بين يده كأنهم يريدون منه أن يتوقف عن البكاء , لكنه لم يتوقف بل استمر .. فلاحظ على وجوه الحراس شيئا كعلامات الخطر ثم حملوه وألقوا به وبكلبه إلى الخارج وأغلقت البوابة ..

الآن هو خارج الحائط الأصم , يحمد الله ثم يحمل كلبه المسكين باحثا عن قاربه , عثر عليه في مكانه وكان الجليد قد اكتسحه حتى أن النهر قد تجمد بالكامل وبهذا فقد الأمل بالعودة ..

أدرك أنه هالك في هذه الصحراء الجليدية فلا العودة تجدي ولا التقدم .. فقرر المسير للأمام متبعا النهر حتى يصل للمناطق الدافئة ويخرج عن الدائرة القطبية .. أثناء مسيره لحقت به كاسحة جليد روسية متجهة إلى أوروبا , كانت الفرج بالنسبة له فأخذ يقفز ويصرخ وينادي ويطلب النجدة ... فأخذوه معهم وانطلقوا إلى الجنوب ..

في الطريق تعرضت الكاسحة لحادث أحدث ثقب في جداره مما دفع الماء للتسرب إلى داخلها .. ومع الوقت بدأت تغرق شيئا فشيئا حتى ابتلعها البحر بالكامل , بينما (توني) متشبثا بكلبه ومغمضا عينيه ويتخيل البرد الشديد والموت الذي ينتظره في قعر هذا البحر .. أثناء الغرق كان يشاهد سطح الماء الجليدي يبتعد ويبتعد وفي هذه الأثناء استفاق كلبه من بين يديه وبدأ يختنق ... ثم خيمت ظلمة رهيبة جدا ..

 الهستيريـــــــــــا النفسية

كانت الشمس تنسل إلى عينه شيئا فشيئا حتى استفاق مرعوبا فصدم رأسه بالسرير .. يتألم بشدة ويتسائل كيف نجى من الغرق , يخرج من تحت السرير وينتصب على قدميه .. وجد نفسه مبلولا ورأى كلبه ممددا في جنب الغرفة , الأكثر غرابة أنه وجد أحدهم يلتحف لحافه وينام على سريره .. اقترب رويدا رويدا ونزع اللحاف ويا للغرابة والصاعقة .. كانت زوجته نائمة فاستفاقت متأففة ..

- (توني) لا تمزح معي , دعني أنام ..

- يا للهول , يا إلهي .. كيف ؟ , ألست ميتة .. هل أنا أحلم أم أنني ذهبت إلى الجنة ..

ردت عليه ..

- ما بالك مستغربا هكذا .. منذ ساعات تناولنا طعام العشاء معا .. يبدوا أنك رأيت كابوسا ..

بدأ يعض على أصابعه من الصعقة , حتى أنه بدأ يلطم نفسه ليتأكد أنه في الحقيقة .. اقترب من كلبه وأيقظه فاستفاق , وجده مبلولا وباردا .. حتى أنه فتح النافذة ليرى في الخارج ثم التفت إلى زوجته .. رأى فيها كل دعاباتها وضحكاتها .. يا للغرابة .. حتى أنها مرت من أمامه وهي تتقول ..

- سأعد لك الفطور , لكن هلّا تكف عن عض أصابعك .. إنها عادة سيئة ..

لحقها إلى المطبخ يسألها عن والده .. فقالت له بهدوء ..

- ما بالك , رحل إلى سنغافورا منذ أسبوع , هل نسيت بهذه السرعة ..

سألها ..

- أين أمي ؟

قالت ..

- (توني) عزيزي , يبدوا أنك مشوش الذهن ولم تنم جيدا .. كعادتك تتسلل ليلا للخارج ولا تنام جيدا ..

قال لها ..

- اسمعي عزيزتي , سأعود .. لن أتأخر ..

أخذ كلبه وخرج إلى المدينة , لفتت انتباهه إحدى الصحف تقول .. "غرق كاسحة جليد روسية ليلة أمس في منطقة القطب الشمالي والأسباب مجهولة .." .. يبدوا كالذي يعيش في مكانين .. يبدوا كالمنوم , كفاقد السيطرة على عقله .. يشعر أن عينه تكذب , تمنَ لو كلبه يتكلم ليخبره عما جرى معهما ... ابتعد به إلى البرية في مكان تبدوا فيه الشمس جلية .. يحدق إلى الشرق وفي كل لحظة تتغير الصورة ..

"إنك عالق , إنك عالق"




أمجد ياسين

21‏/7‏/2013

قوانين المخلوقات

استفاق مثل أهل الكهف بعد سبات عميق , شعر بخدر كبير في كل أنحاء جسمه , كانت الرؤية تصفو شيئا فشيئا أمامه حتى ما كان ينتظر ظهوره لم يظهر .. المدرسة التي هرب إليها آخر مرة لم يكن فيها , وجد نفسه داخل قفص قضبانه من زجاج أزرق , كان فتحه شيء سهل جدا .. فقط ادفع الباب , وقف بتثاقل محاولا معرفة أين هو , لفت انتباهه شيء لامع فوق القفص الذي كان فيه , بسرعة ولا يدري كيف قرأ كلمات كانت مكتوبة عليه , كانت كلمات مكتوبة باللغة الماياوية .. كانت تقول : "عيّنة - النائم الطويل" . مد يده ليلمسها فكأنه كبس على زر ما , ظهرت شاشة هلامية فيها شخصية أخذت تكلمه بلغة ماياوية , قالت له ..

- لقد استفقت أخيرا , أتذكر كم عمرك ؟

قال له باستغراب ..

- 14 سنة !

بدأت عندها الشاشة تُظهر صورة مشوشة وصوت متقطع فهم منه .. ".. انظر إلى نفسك ..!!" . ثم اختفت , كان تفكيره أن ينظر إلى نفسه ويتسائل ما الذي يجري هنا , وأين هي المدرسة ؟ سار داخل زقاق ضيق حتى رأى بركة لها رائحة كبريت , فيها سائل ولكنه ليس بماء .. مد نفسه لعله يرى انعكاس صورته , تفاجأ بشدة .. أو بالأحرى صعق من نفسه , لقد أصبح كبيرا وشابا .. ينظر ويتحسس نفسه بدهشة .. متى وكيف حدث ذلك ؟! .. تراجع قليلا عن البركة بعد رؤيته لفقاعات تخرج منها , ثم ازدادت وتحولت إلى دخان كثيف خانق مما جعله يسعل .. ترك المكان راكضا يحاول العثور على مخرج حتى وقف أمام شيء كأنه لوحة الكترونية وعليها ما يشبه الماسح الضوئي .. وضع يده فظهرت رسالة صوتية تقول .. "بصمة غير موجودة في سجل العالم" , ثم ظهرت رسالة تقول .. "اختراق" ثم أنار المكان باللون الأحمر .. شعر بالخوف وحاول جاهدا فتح ذلك الشيء لكنه كان يكرر .. "بصمة غير موجودة في سجل العالم" , عاد للقفص يحاول أن يجد شيء ما أو أن يكتشف شيء ما , وضع يده من جديد فوق الكلمات الموجودة على القفص فظهرت الشاشة الهلامية من جديد وأخذت تعرض عله صور لذكريات قديمة وهو ينظر محدقا , شعر عندها أنه فقد بعضا من ذكرياته بشكل كامل , شيء ما سلب منه ذكرياته .. عادت الشخصية لتكلمه من جديد , قالت ..

- مرحبا (توماس) , أنا (آرغون) حاسب آلي .. موكل لأرشدك ..

كان لديه دافع ليلمس الشاشة , مد يده إليها حتى اخترقها .. كانت باردة ولزجة لكنها لم تترك أي شيء على يده .. قال بتلعثم ..

- من أنت , لا أقصد إسمك .. أقصد من وضعني هنا ومن أنت ؟

سمعه بصوته الآلي يضحك بهدوء , ثم عرض عليه صور من غرفته ومسكنه ومدينته لندن قبل عشر سنوات مضت .. ثم قال ..

- هذا آخر ما تذكره عن عالمك , ربما تذكر كتاب "المسجون في الغربة" ..

اختفت الشاشة فجأة , ثم بعد برهة عادت , قال له بسرعة وحذر ..

- عد إلى القفص وأغلق الباب , تظاهر بأنك نائم ..

فعل كما طلب وتظاهر بالنوم .. بعد برهة شم رائحة كبريت قوية جدا فعرف أن دخان البركة قد وصله .. لكن كان ظنه خائبا , شعر بخطوات تسير من أمام القفص .. بعد برهة عادت وتوقفت , كان شخص ما لم ير منه سوى أقدامه , كان يكلم الشاشة ويسأل عمن أحدث الإختراق , أجابه من في الشاشة أنه (آرغوميس) أخطأ ووضع قفا يده على الماسح .. لكن ذلك الشخص لم يصدق وطلب رؤية الشريط المصور ... شعر (توماس) عندها بالقلق والخوف الشديد أن يكتشف أمره .. لكنه سمع صوت الشريط يعرض , بعدها انصرف ذلك الشخص بهدوء ..

انتظر بعضا من الوقت حتى تأكد من خلو المكان ثم خرج من القفص .. كلم من في الشاشة عما جرى , قال له ..

- لا تقلق , كان ذلك (آرغوديس) , واحد من الثلاثة الذين يسمح لهم فقط بدخول المكان , هناك أيضا (آرغوميس) و (آرغوسيس) , نواب سيد هذا العالم , يحتفظون بك حتى تستيقظ , لهذا زورت الشريط المصور حتى لا يعرفوا بأمرك , تذكر أن عليك أن تخرج فإنهم يعتبرونك مميز وستسخدم لدى السيد ..

قال له بحذر ..

- ومن يكونون ؟

قال له ..

- إنهم جنس من المخلوقات الذكية يدعون "كوريان" , الآن هم فوق يحتلون عالمك ..

ثم أخذ يردد له أسماء من يعرفهم .... (إيميلي) , (سارة) أمه , (آرثر) أبيه ...

أوقفه (توماس) بسرعة سائلا إياه ..

- هل تقصد أنك تعرف أين هم أبي وأمي ..

قال له ..

- نعم , موجودين في معمل السيد ..

تركه ذاهبا إلى اللوحة الإلكترونية , حاول أن يجد طريقة لتشغيلها لكنه فشل .. صاح به (آرغون) ..

- اغمس يدك في بركة الكبريت ثم عد والمس الشاشة ..

بدون أي استفسار ذهب وغمس يده ثم عاد وأدخل يده عبر الشاشة .. فجأة شعر بألم حاد في يده جعله يتلوى على الأرض وأخذ يزداد ويزداد حتى فقد الوعي .. استفاق ولم يدر كم غاب , صرخ مرعوبا عندما رأى يده قد تحولت إلى يد حرشفية لها مخالب .. صاح بأعلى صوته بـ (آرغون) ..

- أيها الوغد , ماذا فعلت بي .. لقد أصبحت مسخا ..

تكلم بهدوء وكأن الأمر طبيعيا ..

- هذا مجرد استنساخ (توماس) , سيزول عنك ذلك عندما تصل إلى معمل السيد , هناك يعود كل ذي شكل إلى طبيعته .. إنه قانون التشكل ..

استجمع وعيه وقواه وحاول قدر الإمكان أن يتقبل الأمر رغم أنه أبقى عينيه بعيدة عن تلك اليد البغيضة , تقدم خطوة خطوة نحو الباب وهو يلهث وقلبه يرجف في صدره خوفا ..

قبل أن يبتعد التفت إلى (آرغون) وسأله ..

- لما ساعدتني , من تكون أنت .. ومن هي (إيميلي) ؟؟

قال له ..

- أنا (آرغون) , حاسب آلي مخصص لمراقبة نشاط "العينات البشرية" , لدي كامل العواطف والمشاعر الإنسانية , صنعت وبرمجت في معمل السيد ,  شعرت اتجاهك بالحب .. كلما نظرت لك تذكرتك جيدا جيدا , ربما لم تعرفني بعد لكني أعرفك جيدا .. أما (إيميلي) فأينما عثرت على "الوادي" تجدها هناك ... قبل أن تذهب , عليك أن تعطلني .. هناك لوحة موضوعة تحت الكلمات , استخرجها ..

تقدم خطوات منه , شعر كم هو لطيف .. أراد أن يلمس الشاشة لكنه أوقفه ناهرا إياه .. ودعه ونزع اللوحة فاختفى .. انطلق نحو الباب ووضع يده على لوحة قارئ البصمات .. فانفتح ..


عام 30010 حسب نظام "كوريان"


أرض خيالية لم تكن يوما في مخيلات أحد , صور كأنها مصنوعة صناعة .. للهواء طعم غريب .. سار (توماس) بخفة على الأرض السحرية حتى طل على وادي مليء بالضباب الأزرق , في هذه اللحظة شعر بالعطش الشديد جدا , اجتاح جسده الهزل والتعب مما جعلته يرتمي أرضا ..

مضى على هذا الحال حتى جن الليل , وفي ذلك الوقت رآى أضواء كثيرة في الوادي فعرف أنها مدينة يقيم فيها سكان .. دفعه العطش للنزول إليها مهرولا حتى واجه مكانا يشبه الملهى الليلي .. دخل إليه ثم ارتمى أرضا مما دفع الجميع للنهوض مستغربين .. صاح بهم ..

- أريد ماء , أنا عطش جدا .

علت أصوات التمتمة في المكان .. "إنه بشري , كيف وصل إلى هنا .." ثم حضرت بعد برهة قوات تشبه الشرطة مكممين ويضعون الأقنعة اقتادته عبر المدينة في مركبات غريبة .. كان يحاول عبر عينيه الغائرتان أن يرى .. كانت مدينة ساحرة حقا , لم تضاهيها أي مدينة زارها (توماس) في حياته .. إنه العالم السحري .

توقفت مركبات الشرطة أمام بناء ضخم هرمي الشكل , نفس البناء الذي زاره ذات مرة عندما أخذ من أمام المدرسة .. جاء أشخاص غير واضحين المعالم وفتحوا باب المركبة التي كان فيها , ثم أخذوه عبر ذلك المبنى حتى وصلوا إلى مصعد قاده إلى الأعلى , إلى الكريستال الأسود .. ثم غادر الجميع وتركه وأغلقت الأبواب .. كان المكان مغاير عما رآه في المرة الأولى .. ظلمة خافتة ترسوا على المكان وهدوء قاتل مخيم , نظر إلى يده التي عادت طبيعية , شعر ببرودة لطيفة في صدره .. بعد قليل سمع صوت عزف لمقطوعة تذكرها جيدا , مقطوعة "الماء" .. تقدم بحذر اتجاه الصوت حتى وجد فتاة تعزف على البيانو .. قال بصوت خافت ..

- مرحبا

التفتت إليه مرحبة ..

- أهلا (توماس) , كيف تبدو ؟

قال بصدمة وذهول ..

- (إيميلي) , أنت (إيميلي) أليس كذلك ؟

قالت له مبتسمة ..

- نعم (توماس) , أنا هي .. عرفت أنك ستأتي وانتظرت قدومك طويلا ..

اقترب منها محدقا في وجهها ..

- يا للروعة (إيميلي) كم أنت جميلة .. تلك المقطوعة قرأتها في كتابك .. كيف لك أن تكوني هنا ؟

قالت له ..

- أريد أن أطلعك على سر لن تصدقه , ولا أظن أنك ستصدقه ..

قال لها بلهفة ..

- أنت الوحيدة التي أصدقك (إيميلي) , قولي وأقسم أني سأصدقك .

لكن فجأة تلاشت إيميلي من المكان وتبخرت .. جن (توماس) وأخذ يبحث عنها تحت البيانو وفي كل مكان بجنون .. بينما هو كذلك صدح صوت في المكان ..

- (توماس) , استيقظ .. ما رأيته وسمعته هو وهم .. إنها مجرد أفكار لـ (إيميلي) .. يا لك من مسكين ومتسرع , دمّرت يدك من أجل الهرب .. تدري (توماس) , كلما حدّقت فيه أتذكر والدك , أول بشري قابلته هنا في المكان الذي تقف فيه .. لا تستغرب , لا أتحدث عن والدك الحالي فأنت تعيش في ثلاثة أزمنة مختلفة تؤثر كل منها على الأخرى .. متى أسأت التفكير الآن ستسيء التفكير في ماضيك ومستقبلك , الزم الصمت تعش طويلا .. هل تود سؤالي شيئا ؟؟

قال له (توماس) بلهجة الواثق من نفسه ..

- أنت السيد , أليس كذلك ؟ .. قابلتك فيما مضى وكانت هنا أريكة .. الآن وضعت لي صورة (إيميلي) حتى تثير عواطفي , اسمع لقد عرفت لعبتك , شككت منذ البداية أنك تلعب بالأمور .. (آرغون) برمجته على عواطف وشخصية (إيميلي) أليس كذلك ؟ أردت مني أن أفعل كل ذلك حتى أصل إليك , حتى يدي التي تحولت كانت خدعة .. أسألك أين أمي وأبي وأين هو معملك .. ماذا فعلت بهما ؟ .. وهل (إيميلي) حقيقية ؟ , أرجوك لم أعد أتحمل .. ثم أخذ يبكي ..

ارتفع في الهواء شاعرا بيدين ترفعه , من بين دموعه يحاول معرفة وجهه .. من يكون , لأي عالم ولأي الكائنات ينتمي .. حاول لكنه لم يرى سوى أطياف من ملامحه ..

قال السيد ..

- (توماس) عزيزي لا تبك , توقف .. سأخبرك بالسر ولكن أريدك أن تبتسم وتسعد , عليك أن تختار حياتك التي تنتمي إليها .. أعرف أنك أحببت (إيميلي) وغالبا ما تتبع عاطفتك , وعندما يتعلق الأمر بوالديك تتبع قلبك .. لكنك بعد لم تدر أيهما الصواب , ولم تدر أيها هي الحياة الحقيقية .. أنت محتار ومشوش ومصدوم ..

ثم أنزل (توماس) على الأرض وطلب منه أن يجلس قبالة البيانو .. طلب منه أن يعزف مقطوعة "الماء" .. فباشر (توماس) بدون تردد والموسيقى تصدح في المكان مليا حتى تحولت الجدران من الأسود إلى الأبيض وكامل المكان تحول إلى كريستال أبيض ناصع .. بينما (توماس) يعزف ظهر كوب من الماء أمامه .. قال له السيد ..

- أيهما تختار الآن , الماء أم والداك أم (إيميلي) ؟

تبسم (توماس) من جديد وقال ..

- الكل معا .

قال له السيد ..

- أحسنت , متى جمعت عاطفتك وقلبك ومشاعرك وحاجاتك وعقلك وطاقتك فإنك ستحول أي شيء إلى الأبيض كما فعلت الآن .. انتظرت من بشري حقيقي أن يعزف لي حتى يُنار المكان , والدك القديم حملته إلى هنا حتى يعزف لي .. لكنه لم يصبر على العطش ومات فوق شرفة الوادي .. والدك جلبته من حضارة المايا في عالمكم , وعندما فشل جلبت كل تلك الحضارة إلي لعلي أغنم بواحد يعزف لي , لكن لم أقدر ولم يتجاوب معي أحد .. (إيميلي) كانت قبل عالمك الحالي وقبل زمانك هذا , وحتى أنت نفسك كنت قبل زمانك هذا , لديك عالم آخر (توماس) لا تذكره جيدا .. فقط كنت تقرأه على شكل كتاب عنوانه "المسجون في الغربة" , و (إيميلي) كانت حبيبتك الماضية ومشاعر الإنسان لا تتغير في أي عالم ..

قال له (توماس) ..

- ماذا بشأن ما جرى ؟ أقصد "بلع العوالم" .. هل حدث حقا ؟ هل يمكنني أن أقابل (إيميلي) ؟

قال له السيد ..

- نعم حدث فقط على صعيد وعيك وتجربتك , لم ينهار عالمك الجميل .. هي طريقة لأجلبك إلي لتعزف لي , نفس الأمر حدث لحضارة المايا فقد اختفت كلها فجأة وجلبتها لي , لكن على صعيد وعي البشر وواقعهم .. متى رأيت خلف الصورة ستفهم ما أعنيه .. أما (إيميلي) فنعم يمكنك مقابلتها في الوادي الرطب .. عليك أن تغني أول ما يخطر ببالك , إنها خجولة جدا , لن تنظر إليك .. ذكرها بكتابها وستعرف كم من الجمال قد حصلت عليه ..

سأله (توماس) ..

- أين يكون ذلك الوادي الرطب ..

تبسم السيد من سؤاله وقال ..

- ستعرف عندما تكمل قراءة الفصل الأخير من الكتاب .

قال له (توماس) ..

- لي طلب أخير , هل لي أن أراك ..

قال له السيد ..

- نعم , بكل سرور ..

كان بؤبؤ عينه يتحرك سريعا خلف جفونه وهو يتكلم .. "يا للروعة , كم أنت باهر .. هل أنت ملك ؟" .. أجابه بصوت له صدى ..

- لست أدري ما أنا ..

بدأ (توماس) يرى صورة مغبشة أمامه ويسمع أصوات .. "هل سيكون بخير , لقد سقط عن الدرج .. أخشى أن جمجمته قد تأذت" .. نهض عن سريره واقفا بذهول .. 

- من أنتم ؟

لم يرى جوابا سوى ابتسامات وأشخاص يعانقونه وكلمات .. "الحمد لله , إنه بخير .. (توماس) أخفتنا عليك يا رجل" .. كان في غاية الدهشة والذهول .. فقط سأل ..

- أين أنا ؟!

قالوا له ..

- أنت في منزلك يا رجل ..

ذهب إلى النافذة ليرى مدينة "لندن" بخير وتختلف عن سابقها كثيرا , كان شيئا عاديا أن يشغّل أي شيء له علاقة بالتكنولوجيا .. ليس هنك بلع عوالم .. ضحك وعاد لسريره يسأل ..

- أولا قولوا لي من أنتم ؟ .. ثانيا كيف أصبحت هنا ؟ .. ماذا يجري يا قوم ..

قالوا له وسط ضحكات ..

- يبدو أن الضربة قد أثرت على دماغك .. نحن أصدقاؤك , وهذه أمك وهذا أبوك ..

قال بدهشة ..

- حقا , جميعكم أصدقائي .. لا أستطيع التصديق ..

غادر الجميع لأنهم ظنوا أن (توماس) ليس بخير بسبب الضربة .. لكن توماس أمضى نهاره يتجول في الغرفة تارة ويحدق إلى "لندن" تارة أخرى محاولا تصديق الأمر .. في النهاية تذكر الكتاب .. (إيميلي) .. وجد كتابها كما تركه آخر مرة , عند نفس الصفحة .. أخذ يكمل قراءته بشغف وكل فكره في لقاء (إيميلي) .. عندما قلب آخر صفحة ..


.. يا لهذا الوادي اللطيف .. لا بد أنه الوادي الرطب , ثم أخذ يغني ويغني وعينيه لا تنفك تتجول في الأرجاء بحثا عنها .. ثم بدت من بعيد , كانت جميلة جدا وثيابها قديمة .. عندما وقفت أمامه لم تنظر إليه ولم تكلمه فقد بدت خجولة جدا ..

قال لها باللغة الماياوية بدون أن يدري أنها لغتها ..

- "المسجون في الغربة" ..

عندها رفعت رأسها تنظر إليه بعيون كحبات الماس , قالت له بصوتها ..

- (توماس) , حسبتك اختفيت .. ما حل بك عند الشلال ..

ثم حضنته وأخذت تبكي بحرقة وهو أكمل أغنيته .. وقطرات الماء التي تنسل عن أوراق الشجر تعزف مقطوعة "الماء" .. كان عليه في تلك اللحظة أن يقرر في أي عالم يحيا .. في لندن أم عند (إيميلي) البسيطة , بكاءها كان دافعا ليبقى معها للأبد , إنها إيميلي مؤلفة كتاب "المسجون في الغربة" .



النهــــــــــاية - أمجد ياسين

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2021