‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص الخيال العلمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص الخيال العلمي. إظهار كافة الرسائل

30‏/1‏/2015

الشمس السوداء - الجزء الأول

يوم حافل بالصمت في زمن بعيد , بين زقاق المدينة يتجول فتى يبيع علب صغيرة والناس تتجمع حوله ليأخذ كل واحد علبة .. مر رجل بجانبهم فأوقفه المشهد , اقترب وانتظر حتى لم يبق غير ذلك الفتى .. كضباب انقشع كاشفا مدينة الأسى .. سأله ..

- ما الذي تيبعه يا فتى ؟

أجابه ..

- لا أدري سيدي , قيل لي أنه في الداخل مكتوب ما تريد فهمه .. هل تريد واحدة سيدي ؟

قال له ..

- نعم أعطني علبة ..

أخذها وانطلق لبيته , فقد كان الليل قد حل .. جلس ذلك الرجل ليرى ما بداخل العلبة , فتحها فوجد كيس وورقة تعليمات مكتوب عليها .."إن الشمس منطفئة , رقّعوا حياتكم .." , شيء غريب حقا , شعر ذلك الرجل بأن شيء مهول قادم .. فقد أمضى الليل شبه نائم ..

نهار جديد , يذهب فيه ذلك الرجل لعمله كالمعتاد , لكن في الطريق استوقفته الإعلانات التي تملأ المدينة .. "إن الشمس منطفئة , رقعّوا حياتكم" ..يشعر أن الأرض ثقيلة حقا والحركة قليلة داخل المدينة , يتسائل عما يجري .. يجد صحيفة الصباح على مكتبه وأول خبر بالخط العريض .. "بوادر كونية غريبة .. وحكومة الأرض تسعى لإنقاذ الناس" .. انتصب واقفا بين زملائه قائلا ..

- هلّا يفسر لي أحدكم رجاءا ما الذي يجري !!

استغرب عندما وجد الجميع يلوح له بتلك الرقع التي كانت تحويها العلب .. جلس قلقا والخوف باد على وجهه , ما الذي جرى فجأة , ينظر من النافذة للسماء فلا يجد شيء غريب ..

بعد أسبوع ..

في صباح أحد الأيام اسيقظ ذلك الرجل على صوت سيارات تنقل أناس يتساقطون في الشوارع بدون سبب , أعداد كبيرة ..والحكومة تذيع على التلفاز وتنبه الناس بضرورة اقتناء تلك الرقع ومن يتهاون سيسقط .. في ذلك اليوم عمت الفوضى المدينة, مثل ثورة أشعلتها السماء جعلت أرواح الناس تتمرد .. أرواح كثيرة غادرت الأجساد بدون سبب , شعر الجميع بخوف حقيقي جعلهم يهرعون لبيوت العبادة يطلبون تفسير رجال الدين ..

- إنهم يتمتمون عن نهاية العالم !
- تتكلم معي ؟
- ألم تسمعهم , يقولون أنها نهاية العالم !

من الأفضل ألا تجادل أحدا في هذا الوقت , منذ سنين مضت عاش ذلك الرجل كمواطن في مدينة كأي مواطن , هاديء ويفعل كما يفعل الآخرون , لكنه في الليل يغرق داخل كتبه القديمة , بينما هو في بيت العبادة يتأمل بدرت في ذهنه تلك العبارة " سينام النبات تحت الظل نوما أبديا لأن الظل لن ينقشع بعدها" قرأها في أحد كتبه لكنها الآن مثل النور في وسط العتمة ..

فترة طويلة مرت على المدينة بدون أناس , كل شيء ترك على حاله , والموتى كثر .. في يوم سبت بعد الظهر ازداد نور الشمس بشكل مفاجيء .. وأخذ يزداد ويزداد حتى عم نور ساطع أرجاء الأرض , بعد أسبوع أخذ نورها يخفت ويخفت , خلال تلك الفترة أصيب أعداد كبيرة من الناس بالعمى ومات آخرون .. ومن بقي في منزله نجى .. في يوم انتهى نور الشمس تماما وأظلمت السماء .. لم يكن الليل قد حل ولكنها الظلمة .. فبدأ الفزع ينتشر بين الناس , عصر الجليد , موت النباتات , انتهاء الأوكسجين .. لا أمل يهديء من فزع الناس والحكومة صامتة .. ذلك الرجل يجلس مترقبا قرص الشمس الأسود يطفو في ظلمة قاحلة , دموع تنسل من عينيه وخوف يتراقص في قلبه وهو يعيد قراءة كتبه في ليلة واحده لعله يجد تفسير .. لكن لا تفسير بين بحر من الكلمات الغامضة ..

انتهت الكهرباء في ليلة صامتة وعم السكون , وأخذت الحرارة تنخفض شيئا فشيئا .. بينما الرجل يبكي بحرقة متوسلا الله أن ينقذ الأرض .. فجأة يطرق أحدهم الباب , يفتح فيجد رجال بزي عسكري يطلبونه عند الباب ..

- السيد (أبراهام) , تفضل معنا .. 

بدون سؤال ذهب معهم .. أخذوه بسيارات عسكرية لمنشأة عسكرية , هناك قابله جنرالات وأخبروه أن الشمس قد انطفأت .. وأخبروه أنهم يعرفونه ويعرفون كل تفاصيل حياته , طلبوا منه اقتراح وحل .. 

قال لهم ..

- إن مجرتنا قد سافرت للحزام المظلم , بحيث يبطل مفعول فوتونات الضوء تماما ويشتتها .. لا أدر إن كان الأمر سيطول أم لا .. قبل ملايين السنين مرت على الأرض نفس هذه الظلمة , وذكرت في إرث الحضارات الغابرة "الشمس السوداء" ..

قالوا له ...

- الأرض ستتجمد قريبا ومحطة الفضاء ستتوقف عن العمل فوقودها الإحتياطي سينفذ قريبا , لدينا اقتراح ونظنه حل لإنقاذ كوكبنا , لكن قبل الشروع فيه سنأخذ رأيك .. لقد صنعنا "شمس" وهي الآن فوق تسبح قريبا من الأرض .. آلية عملها أنها جهاز لتجميع وتركيز فوتونات الضوء من الكون المحيط حتى أدنى تركيز منها ومنع تشتتها ثم اطلاقها باتجاه الأرض .. ما رأيك , الشمس جاهزة وتنتظر التشغيل ..

قال لهم ..

- ابقوها في مجال القمر حتى لا تدخل ضمن قوة الحزام المظلم فيستهلكها .. افعلوا ذلك قريبا وسأصلي لنجاح الأمر ..

عاد الرجل لبيته بهدوء وأخذ يترقب من النافذة للكون المظلم , لا نجوم ولا أجرام سماوية .. أكمل قراءة كتبه تحت ضوء شمعة خافت .. "عندما يطير الحديد في السماء ويصبح الجميع سعيد بما لديهم , ستختفي الشمس ثم تنير حلقة عجيبة الكون ويحكم ملك العالم" .. لم تكن تكذب , لم تكن تكذب ! أعرف ذلك ! ...

الجميع يحدق في السماء منبهر , حلقة تظهر من العدم تنير وتكتمل حلقتها ثم تشع وتنير الأرض بشعاعها .. أصوات فرحة تعم العالم , لقد صنعوا شمسا في السماء .. انظروا إنها تنير .. وانطلق الجميع يسير في الطرقات .. في ذلك اليوم استدعى الرجل للمنشأة العسكرية مجددا .. أخبروه عن أمر طاريء ..

- لقد نجحت آلتنا وعملت , لكن لا نظن أنها ستصمد فهناك عواصف مظلمة تجتاح الكون , ونخش من أمر خطير قد تحدثه تلك الشمس , زيادة الكهرومغناطيسية والإشعاع على الأرض .. 

قال لهم ...

- امضوا قدما وتمنوا ألا يحدث شيء من ذلك .. سنجتمع قريبا ..

بعد يومين ..

صداع ينتشر بين الناس وزيادة الموتى , وهتافات عن نهاية العالم .. موكب عسكري كبير يمر من وسط المدينة , صوت انفجار كبير وضجة في الخارج .. يفتح النافذة ليرى إحدى سيارات الموكب قد انفجرت وتوقفت الأخريات ..

رجال من المنشأة العسكرية يطرقون الباب ..

- ما حذرنا منه قد حصل , الرئيس مات وقد فقدنا الكثير ..


يتبع في الجزء الثاني 


أمجد ياسين

21‏/7‏/2013

قوانين المخلوقات

استفاق مثل أهل الكهف بعد سبات عميق , شعر بخدر كبير في كل أنحاء جسمه , كانت الرؤية تصفو شيئا فشيئا أمامه حتى ما كان ينتظر ظهوره لم يظهر .. المدرسة التي هرب إليها آخر مرة لم يكن فيها , وجد نفسه داخل قفص قضبانه من زجاج أزرق , كان فتحه شيء سهل جدا .. فقط ادفع الباب , وقف بتثاقل محاولا معرفة أين هو , لفت انتباهه شيء لامع فوق القفص الذي كان فيه , بسرعة ولا يدري كيف قرأ كلمات كانت مكتوبة عليه , كانت كلمات مكتوبة باللغة الماياوية .. كانت تقول : "عيّنة - النائم الطويل" . مد يده ليلمسها فكأنه كبس على زر ما , ظهرت شاشة هلامية فيها شخصية أخذت تكلمه بلغة ماياوية , قالت له ..

- لقد استفقت أخيرا , أتذكر كم عمرك ؟

قال له باستغراب ..

- 14 سنة !

بدأت عندها الشاشة تُظهر صورة مشوشة وصوت متقطع فهم منه .. ".. انظر إلى نفسك ..!!" . ثم اختفت , كان تفكيره أن ينظر إلى نفسه ويتسائل ما الذي يجري هنا , وأين هي المدرسة ؟ سار داخل زقاق ضيق حتى رأى بركة لها رائحة كبريت , فيها سائل ولكنه ليس بماء .. مد نفسه لعله يرى انعكاس صورته , تفاجأ بشدة .. أو بالأحرى صعق من نفسه , لقد أصبح كبيرا وشابا .. ينظر ويتحسس نفسه بدهشة .. متى وكيف حدث ذلك ؟! .. تراجع قليلا عن البركة بعد رؤيته لفقاعات تخرج منها , ثم ازدادت وتحولت إلى دخان كثيف خانق مما جعله يسعل .. ترك المكان راكضا يحاول العثور على مخرج حتى وقف أمام شيء كأنه لوحة الكترونية وعليها ما يشبه الماسح الضوئي .. وضع يده فظهرت رسالة صوتية تقول .. "بصمة غير موجودة في سجل العالم" , ثم ظهرت رسالة تقول .. "اختراق" ثم أنار المكان باللون الأحمر .. شعر بالخوف وحاول جاهدا فتح ذلك الشيء لكنه كان يكرر .. "بصمة غير موجودة في سجل العالم" , عاد للقفص يحاول أن يجد شيء ما أو أن يكتشف شيء ما , وضع يده من جديد فوق الكلمات الموجودة على القفص فظهرت الشاشة الهلامية من جديد وأخذت تعرض عله صور لذكريات قديمة وهو ينظر محدقا , شعر عندها أنه فقد بعضا من ذكرياته بشكل كامل , شيء ما سلب منه ذكرياته .. عادت الشخصية لتكلمه من جديد , قالت ..

- مرحبا (توماس) , أنا (آرغون) حاسب آلي .. موكل لأرشدك ..

كان لديه دافع ليلمس الشاشة , مد يده إليها حتى اخترقها .. كانت باردة ولزجة لكنها لم تترك أي شيء على يده .. قال بتلعثم ..

- من أنت , لا أقصد إسمك .. أقصد من وضعني هنا ومن أنت ؟

سمعه بصوته الآلي يضحك بهدوء , ثم عرض عليه صور من غرفته ومسكنه ومدينته لندن قبل عشر سنوات مضت .. ثم قال ..

- هذا آخر ما تذكره عن عالمك , ربما تذكر كتاب "المسجون في الغربة" ..

اختفت الشاشة فجأة , ثم بعد برهة عادت , قال له بسرعة وحذر ..

- عد إلى القفص وأغلق الباب , تظاهر بأنك نائم ..

فعل كما طلب وتظاهر بالنوم .. بعد برهة شم رائحة كبريت قوية جدا فعرف أن دخان البركة قد وصله .. لكن كان ظنه خائبا , شعر بخطوات تسير من أمام القفص .. بعد برهة عادت وتوقفت , كان شخص ما لم ير منه سوى أقدامه , كان يكلم الشاشة ويسأل عمن أحدث الإختراق , أجابه من في الشاشة أنه (آرغوميس) أخطأ ووضع قفا يده على الماسح .. لكن ذلك الشخص لم يصدق وطلب رؤية الشريط المصور ... شعر (توماس) عندها بالقلق والخوف الشديد أن يكتشف أمره .. لكنه سمع صوت الشريط يعرض , بعدها انصرف ذلك الشخص بهدوء ..

انتظر بعضا من الوقت حتى تأكد من خلو المكان ثم خرج من القفص .. كلم من في الشاشة عما جرى , قال له ..

- لا تقلق , كان ذلك (آرغوديس) , واحد من الثلاثة الذين يسمح لهم فقط بدخول المكان , هناك أيضا (آرغوميس) و (آرغوسيس) , نواب سيد هذا العالم , يحتفظون بك حتى تستيقظ , لهذا زورت الشريط المصور حتى لا يعرفوا بأمرك , تذكر أن عليك أن تخرج فإنهم يعتبرونك مميز وستسخدم لدى السيد ..

قال له بحذر ..

- ومن يكونون ؟

قال له ..

- إنهم جنس من المخلوقات الذكية يدعون "كوريان" , الآن هم فوق يحتلون عالمك ..

ثم أخذ يردد له أسماء من يعرفهم .... (إيميلي) , (سارة) أمه , (آرثر) أبيه ...

أوقفه (توماس) بسرعة سائلا إياه ..

- هل تقصد أنك تعرف أين هم أبي وأمي ..

قال له ..

- نعم , موجودين في معمل السيد ..

تركه ذاهبا إلى اللوحة الإلكترونية , حاول أن يجد طريقة لتشغيلها لكنه فشل .. صاح به (آرغون) ..

- اغمس يدك في بركة الكبريت ثم عد والمس الشاشة ..

بدون أي استفسار ذهب وغمس يده ثم عاد وأدخل يده عبر الشاشة .. فجأة شعر بألم حاد في يده جعله يتلوى على الأرض وأخذ يزداد ويزداد حتى فقد الوعي .. استفاق ولم يدر كم غاب , صرخ مرعوبا عندما رأى يده قد تحولت إلى يد حرشفية لها مخالب .. صاح بأعلى صوته بـ (آرغون) ..

- أيها الوغد , ماذا فعلت بي .. لقد أصبحت مسخا ..

تكلم بهدوء وكأن الأمر طبيعيا ..

- هذا مجرد استنساخ (توماس) , سيزول عنك ذلك عندما تصل إلى معمل السيد , هناك يعود كل ذي شكل إلى طبيعته .. إنه قانون التشكل ..

استجمع وعيه وقواه وحاول قدر الإمكان أن يتقبل الأمر رغم أنه أبقى عينيه بعيدة عن تلك اليد البغيضة , تقدم خطوة خطوة نحو الباب وهو يلهث وقلبه يرجف في صدره خوفا ..

قبل أن يبتعد التفت إلى (آرغون) وسأله ..

- لما ساعدتني , من تكون أنت .. ومن هي (إيميلي) ؟؟

قال له ..

- أنا (آرغون) , حاسب آلي مخصص لمراقبة نشاط "العينات البشرية" , لدي كامل العواطف والمشاعر الإنسانية , صنعت وبرمجت في معمل السيد ,  شعرت اتجاهك بالحب .. كلما نظرت لك تذكرتك جيدا جيدا , ربما لم تعرفني بعد لكني أعرفك جيدا .. أما (إيميلي) فأينما عثرت على "الوادي" تجدها هناك ... قبل أن تذهب , عليك أن تعطلني .. هناك لوحة موضوعة تحت الكلمات , استخرجها ..

تقدم خطوات منه , شعر كم هو لطيف .. أراد أن يلمس الشاشة لكنه أوقفه ناهرا إياه .. ودعه ونزع اللوحة فاختفى .. انطلق نحو الباب ووضع يده على لوحة قارئ البصمات .. فانفتح ..


عام 30010 حسب نظام "كوريان"


أرض خيالية لم تكن يوما في مخيلات أحد , صور كأنها مصنوعة صناعة .. للهواء طعم غريب .. سار (توماس) بخفة على الأرض السحرية حتى طل على وادي مليء بالضباب الأزرق , في هذه اللحظة شعر بالعطش الشديد جدا , اجتاح جسده الهزل والتعب مما جعلته يرتمي أرضا ..

مضى على هذا الحال حتى جن الليل , وفي ذلك الوقت رآى أضواء كثيرة في الوادي فعرف أنها مدينة يقيم فيها سكان .. دفعه العطش للنزول إليها مهرولا حتى واجه مكانا يشبه الملهى الليلي .. دخل إليه ثم ارتمى أرضا مما دفع الجميع للنهوض مستغربين .. صاح بهم ..

- أريد ماء , أنا عطش جدا .

علت أصوات التمتمة في المكان .. "إنه بشري , كيف وصل إلى هنا .." ثم حضرت بعد برهة قوات تشبه الشرطة مكممين ويضعون الأقنعة اقتادته عبر المدينة في مركبات غريبة .. كان يحاول عبر عينيه الغائرتان أن يرى .. كانت مدينة ساحرة حقا , لم تضاهيها أي مدينة زارها (توماس) في حياته .. إنه العالم السحري .

توقفت مركبات الشرطة أمام بناء ضخم هرمي الشكل , نفس البناء الذي زاره ذات مرة عندما أخذ من أمام المدرسة .. جاء أشخاص غير واضحين المعالم وفتحوا باب المركبة التي كان فيها , ثم أخذوه عبر ذلك المبنى حتى وصلوا إلى مصعد قاده إلى الأعلى , إلى الكريستال الأسود .. ثم غادر الجميع وتركه وأغلقت الأبواب .. كان المكان مغاير عما رآه في المرة الأولى .. ظلمة خافتة ترسوا على المكان وهدوء قاتل مخيم , نظر إلى يده التي عادت طبيعية , شعر ببرودة لطيفة في صدره .. بعد قليل سمع صوت عزف لمقطوعة تذكرها جيدا , مقطوعة "الماء" .. تقدم بحذر اتجاه الصوت حتى وجد فتاة تعزف على البيانو .. قال بصوت خافت ..

- مرحبا

التفتت إليه مرحبة ..

- أهلا (توماس) , كيف تبدو ؟

قال بصدمة وذهول ..

- (إيميلي) , أنت (إيميلي) أليس كذلك ؟

قالت له مبتسمة ..

- نعم (توماس) , أنا هي .. عرفت أنك ستأتي وانتظرت قدومك طويلا ..

اقترب منها محدقا في وجهها ..

- يا للروعة (إيميلي) كم أنت جميلة .. تلك المقطوعة قرأتها في كتابك .. كيف لك أن تكوني هنا ؟

قالت له ..

- أريد أن أطلعك على سر لن تصدقه , ولا أظن أنك ستصدقه ..

قال لها بلهفة ..

- أنت الوحيدة التي أصدقك (إيميلي) , قولي وأقسم أني سأصدقك .

لكن فجأة تلاشت إيميلي من المكان وتبخرت .. جن (توماس) وأخذ يبحث عنها تحت البيانو وفي كل مكان بجنون .. بينما هو كذلك صدح صوت في المكان ..

- (توماس) , استيقظ .. ما رأيته وسمعته هو وهم .. إنها مجرد أفكار لـ (إيميلي) .. يا لك من مسكين ومتسرع , دمّرت يدك من أجل الهرب .. تدري (توماس) , كلما حدّقت فيه أتذكر والدك , أول بشري قابلته هنا في المكان الذي تقف فيه .. لا تستغرب , لا أتحدث عن والدك الحالي فأنت تعيش في ثلاثة أزمنة مختلفة تؤثر كل منها على الأخرى .. متى أسأت التفكير الآن ستسيء التفكير في ماضيك ومستقبلك , الزم الصمت تعش طويلا .. هل تود سؤالي شيئا ؟؟

قال له (توماس) بلهجة الواثق من نفسه ..

- أنت السيد , أليس كذلك ؟ .. قابلتك فيما مضى وكانت هنا أريكة .. الآن وضعت لي صورة (إيميلي) حتى تثير عواطفي , اسمع لقد عرفت لعبتك , شككت منذ البداية أنك تلعب بالأمور .. (آرغون) برمجته على عواطف وشخصية (إيميلي) أليس كذلك ؟ أردت مني أن أفعل كل ذلك حتى أصل إليك , حتى يدي التي تحولت كانت خدعة .. أسألك أين أمي وأبي وأين هو معملك .. ماذا فعلت بهما ؟ .. وهل (إيميلي) حقيقية ؟ , أرجوك لم أعد أتحمل .. ثم أخذ يبكي ..

ارتفع في الهواء شاعرا بيدين ترفعه , من بين دموعه يحاول معرفة وجهه .. من يكون , لأي عالم ولأي الكائنات ينتمي .. حاول لكنه لم يرى سوى أطياف من ملامحه ..

قال السيد ..

- (توماس) عزيزي لا تبك , توقف .. سأخبرك بالسر ولكن أريدك أن تبتسم وتسعد , عليك أن تختار حياتك التي تنتمي إليها .. أعرف أنك أحببت (إيميلي) وغالبا ما تتبع عاطفتك , وعندما يتعلق الأمر بوالديك تتبع قلبك .. لكنك بعد لم تدر أيهما الصواب , ولم تدر أيها هي الحياة الحقيقية .. أنت محتار ومشوش ومصدوم ..

ثم أنزل (توماس) على الأرض وطلب منه أن يجلس قبالة البيانو .. طلب منه أن يعزف مقطوعة "الماء" .. فباشر (توماس) بدون تردد والموسيقى تصدح في المكان مليا حتى تحولت الجدران من الأسود إلى الأبيض وكامل المكان تحول إلى كريستال أبيض ناصع .. بينما (توماس) يعزف ظهر كوب من الماء أمامه .. قال له السيد ..

- أيهما تختار الآن , الماء أم والداك أم (إيميلي) ؟

تبسم (توماس) من جديد وقال ..

- الكل معا .

قال له السيد ..

- أحسنت , متى جمعت عاطفتك وقلبك ومشاعرك وحاجاتك وعقلك وطاقتك فإنك ستحول أي شيء إلى الأبيض كما فعلت الآن .. انتظرت من بشري حقيقي أن يعزف لي حتى يُنار المكان , والدك القديم حملته إلى هنا حتى يعزف لي .. لكنه لم يصبر على العطش ومات فوق شرفة الوادي .. والدك جلبته من حضارة المايا في عالمكم , وعندما فشل جلبت كل تلك الحضارة إلي لعلي أغنم بواحد يعزف لي , لكن لم أقدر ولم يتجاوب معي أحد .. (إيميلي) كانت قبل عالمك الحالي وقبل زمانك هذا , وحتى أنت نفسك كنت قبل زمانك هذا , لديك عالم آخر (توماس) لا تذكره جيدا .. فقط كنت تقرأه على شكل كتاب عنوانه "المسجون في الغربة" , و (إيميلي) كانت حبيبتك الماضية ومشاعر الإنسان لا تتغير في أي عالم ..

قال له (توماس) ..

- ماذا بشأن ما جرى ؟ أقصد "بلع العوالم" .. هل حدث حقا ؟ هل يمكنني أن أقابل (إيميلي) ؟

قال له السيد ..

- نعم حدث فقط على صعيد وعيك وتجربتك , لم ينهار عالمك الجميل .. هي طريقة لأجلبك إلي لتعزف لي , نفس الأمر حدث لحضارة المايا فقد اختفت كلها فجأة وجلبتها لي , لكن على صعيد وعي البشر وواقعهم .. متى رأيت خلف الصورة ستفهم ما أعنيه .. أما (إيميلي) فنعم يمكنك مقابلتها في الوادي الرطب .. عليك أن تغني أول ما يخطر ببالك , إنها خجولة جدا , لن تنظر إليك .. ذكرها بكتابها وستعرف كم من الجمال قد حصلت عليه ..

سأله (توماس) ..

- أين يكون ذلك الوادي الرطب ..

تبسم السيد من سؤاله وقال ..

- ستعرف عندما تكمل قراءة الفصل الأخير من الكتاب .

قال له (توماس) ..

- لي طلب أخير , هل لي أن أراك ..

قال له السيد ..

- نعم , بكل سرور ..

كان بؤبؤ عينه يتحرك سريعا خلف جفونه وهو يتكلم .. "يا للروعة , كم أنت باهر .. هل أنت ملك ؟" .. أجابه بصوت له صدى ..

- لست أدري ما أنا ..

بدأ (توماس) يرى صورة مغبشة أمامه ويسمع أصوات .. "هل سيكون بخير , لقد سقط عن الدرج .. أخشى أن جمجمته قد تأذت" .. نهض عن سريره واقفا بذهول .. 

- من أنتم ؟

لم يرى جوابا سوى ابتسامات وأشخاص يعانقونه وكلمات .. "الحمد لله , إنه بخير .. (توماس) أخفتنا عليك يا رجل" .. كان في غاية الدهشة والذهول .. فقط سأل ..

- أين أنا ؟!

قالوا له ..

- أنت في منزلك يا رجل ..

ذهب إلى النافذة ليرى مدينة "لندن" بخير وتختلف عن سابقها كثيرا , كان شيئا عاديا أن يشغّل أي شيء له علاقة بالتكنولوجيا .. ليس هنك بلع عوالم .. ضحك وعاد لسريره يسأل ..

- أولا قولوا لي من أنتم ؟ .. ثانيا كيف أصبحت هنا ؟ .. ماذا يجري يا قوم ..

قالوا له وسط ضحكات ..

- يبدو أن الضربة قد أثرت على دماغك .. نحن أصدقاؤك , وهذه أمك وهذا أبوك ..

قال بدهشة ..

- حقا , جميعكم أصدقائي .. لا أستطيع التصديق ..

غادر الجميع لأنهم ظنوا أن (توماس) ليس بخير بسبب الضربة .. لكن توماس أمضى نهاره يتجول في الغرفة تارة ويحدق إلى "لندن" تارة أخرى محاولا تصديق الأمر .. في النهاية تذكر الكتاب .. (إيميلي) .. وجد كتابها كما تركه آخر مرة , عند نفس الصفحة .. أخذ يكمل قراءته بشغف وكل فكره في لقاء (إيميلي) .. عندما قلب آخر صفحة ..


.. يا لهذا الوادي اللطيف .. لا بد أنه الوادي الرطب , ثم أخذ يغني ويغني وعينيه لا تنفك تتجول في الأرجاء بحثا عنها .. ثم بدت من بعيد , كانت جميلة جدا وثيابها قديمة .. عندما وقفت أمامه لم تنظر إليه ولم تكلمه فقد بدت خجولة جدا ..

قال لها باللغة الماياوية بدون أن يدري أنها لغتها ..

- "المسجون في الغربة" ..

عندها رفعت رأسها تنظر إليه بعيون كحبات الماس , قالت له بصوتها ..

- (توماس) , حسبتك اختفيت .. ما حل بك عند الشلال ..

ثم حضنته وأخذت تبكي بحرقة وهو أكمل أغنيته .. وقطرات الماء التي تنسل عن أوراق الشجر تعزف مقطوعة "الماء" .. كان عليه في تلك اللحظة أن يقرر في أي عالم يحيا .. في لندن أم عند (إيميلي) البسيطة , بكاءها كان دافعا ليبقى معها للأبد , إنها إيميلي مؤلفة كتاب "المسجون في الغربة" .



النهــــــــــاية - أمجد ياسين

27‏/12‏/2012

المحرقة

مرحبا , أدعى (إيفان) , عمري 21 عاما , التاريخ 1-12-2121 . سأروي قصة ليست بالبعيدة .. يوم عاد أخي من رحلة إلى المريخ استمرت 5 سنوات وحط مكوكه الفضائي على المدرج , لم تكن هناك فرق استقبال ولا إسعافات أو كل تلك الأمور المعهودة , فقط وجد المدرج أرض سوداء محترقة , لا فرقة مراقبة أو شيء .. لم يكن هناك أحد , حتى أنه لم يعهد سماء الأرض بهذا اللون المائل إلى البرتقالي ... تعطل مكوكه فورا وهرع إلى بيتنا الذي لم يعد بيتنا ليبحث عنا, الفطرة قادته لنا داخل السهول العميقة ... عانقناه بشدة لا توصف .. الشيء الذي أضاف لفرحتي ضحك شديد هو سؤاله لي .. هل نحن مسافرون عبر الزمن ؟ , لم تكن الأرض هكذا قبل خمسة سنوات .. أخبرته أن التغيير ليس جميلا دائما وأن الأمر الذي انتظرناه قد حصل .


كانت بدايتنا عام 2111 عندما أسسنا (حزب الحقيقة) الذي ضم الملايين لنا حول العالم , كانوا يتوافدون لنا وكأننا "المخّلص" بعدما عمّت العالم في ذلك الوقت أزمات جمة وفوضى لا مثيل لها .. اعترانا الحزن والمسؤولية الشديدة عن العالم , أردنا التغيير والإصلاح وواجهنا فيضان من الأزمات والمضايقات والتصفيات .. لكننا صمدنا وارتكز حزبنا الغريب على أقدامه بمساندة العالم , كانت وكالة الفضاء مصب اهتمامنا وأنظارنا وكان لنا يد فيها وهو أخي (روي) ... كنا ندرك أمور جمة واستعددنا للمراحل الأصعب . أرسلت 6 مكوكات فضاء إلى المحطات الفضائية الثلاث , ثم بوشر العمل بمشروع سري جدا يحمل اسم  "اسكان المريخ" , أرسلت معدات ثقيلة إلى الكوكب لتجهيز ظروف إقامة بشرية عليه وجرى كل ذلك تحت اسم "البحث العلمي"  , منذ ذلك الحين أمضى أخي سنوات طوال مع العديد من الخبراء لتجهيز البيئة هناك .. بينما بقينا نناضل على الأرض ليعلم الناس بالحقيقة , لكن كذّبنا من كذّبنا وصدّقنا من صدّقنا وفي النهاية ظهر كل شيء ..


- قبل المحرقة


قبل عامين من وقوع المحرقة , في يوم ربيعي مشمس ودافيء .. كنت مستلق على شرفتنا المطلة على واد جميل .. أحلم وأتسائل أين تقع الأرض الأبدية , أو على الأقل من يستطيع تخيلها .. وكيف السبيل إليها , أرض عذراء مليئة بالمغامرة .. بعيدة عن قلق وتجسس التكنولوجيا .. بعيدة عن الملاحقة والإستجواب .. كنت غارقا في أحلامي المدموجة بدفء الشمس ... ثم فجأة فزعت على صوت الباب يضرب بقوة ... في النهاية أصبحت جالسا على كرسي في مكان يسمى "غرفة الإستجواب" تابعة للرتل التاسع الحكومي .. طلبوا مني الإدلاء بمعلومات عن الحزب وعن والدي الهارب في الشرق الأوسط , لكن بعد مدة أطلقوا سراحي بعدما ملّوا من قولي لهم .. أنا مجرد طالب ولا أعلم شيء .. بعد عدة أسابيع عصفت بالبلاد أزمة اقتصادية خانقة صاحبتها ارتفاع الأسعار وتم تسريح أعداد كبيرة من العاملين وزادت البطالة , كانت الحكومة في موقف حرج جدا وتوقعت نتائج الأزمة التي حدثت فعلا بعد يومين فقط , فيضان من العمال والشبان العاطلين عن العمل خرجوا في مظاهرة احتجاج تندد بمواقف الحكومة .. لم يتدخل حزبنا يومها لأننا معنين بالإصلاح ولسنا نعادي الحكومة , حصل قمع وفوضى كبيرة امتدت لأيام .. كانت الحكومة في الزاوية الضيقة حيال تعاملها مع الأزمة وفي الجهة المقابلة تعاملها المتوتر مع روسيا العظمى ..


في نهاية الأسبوع بعد فوضى عارمة تزداد فزع الشعب من حدث عظيم هز البلاد .. هجوم على بنايات حكومية بطائرات مدنية , اعتبر الهجوم الأعنف في تاريخ البلاد , ومع الأزمة الحالية غضبت الحكومة غضبا شديدا واتهمت روسيا بالهجوم , لكن الأخرى نفت ذلك فسارعت الحكومة بإغراق باخرة روسية في المحيط الأطلسي ... جميع السكان وحتى المتظاهرين أخلوا الشوارع والتزموا البيوت , صمت مطبق على الجميع .. ثم فجأة جاء الرد الروسي بخمسة صواريخ أشعلت النار في واشنطن , وقتل الآلاف .. واضطررنا ترك منازلنا والإحتماء بالملاجئ .. كان إعلان حرب رسمي وبدأ القصف الحارق من كلا الجهتين ..


- الآلات


في صباح يوم عصيب هدأ كل شيء فجأة .. خرج بعضنا من الملاجئ لتفقد الأمر , فتفاجئنا برجل يلهث قادم إلينا يصرخ .. 

- اخلوا المكان بسرعة , هناك أشياء تخرج من البحر قادمة إلينا .. الملاجئ الأخرى .. الجميع قد مات .. 

حاولنا الإبتعاد لكنها أدركتنا بسرعة , قاومنا كثيرا ومات من مات ومن نجى سار معنا إلى السهول العميقة تاركين المدينة خلفنا تلهب بالنار .. لم يستطع الجيش السيطرة على الآلات التي تدمر المدنية وتنخر في جدرانها , عندها لجأت الحكومة لإستخدام سلاح كان الجميع يسميه "العودة إلى العصر الحجري" , الكهرومغناطيسية هي وحدها من توقف الآلات .. قرار مجنون وصائب ألغى كل أشكال التكنولوجيا في المدينة وأطراف أخرى وقطعت الكهرباء .. وبين السهول كنا نقصد "بيت العجوز" , المكان الوحيد الذي لم يتسمم .. فيه كل شيء سليم , أقمنا هناك تحت الدرع الذي طوره أبي وأسماه "بيت العجوز" .. المكان الوحيد الذي لم يتأثر بالنار ولا بالكهرومغناطيسية , بعدها أخليت واشنطن تماما وتحولت إلى مدينة أشباح ..


- رياح المحرقة


.. ما الذي ستفعله الأقنعة لسكان واشنطن عندما يبلغ الجنون ذروته ؟! .. بعد أشعر من الحرب أراد الروس أن ينهوا الموقف كما أنهى الأمريكان الموقف مع اليابانيين منذ مئات السنين .. قنبلة الطاقة , قنبلة النار , مشروع سقر .. عامود من النار ارتفع عاليا في السماء .. كل ما حل بواشنطن صباح ذلك  اليوم أن كل الغربان التي حلت على المدينة قد احترقت من أول ضوء , ثم احترقت واجهات المباني لآلاف الاميال ثم موجة ارتدادية هائلة أزالت كل شيء من جذوره ثم صوت عظيم قتل الصراصير في جوف الأرض ثم سحابة برتقالية تتوسع وأمطرت السماء طيور مشوية وارتفعت الحرارة إلى 1000 درجة مئوية .. لا يمكن وصف هول ما جرى ومدى فظاعته .. تقف مصدوما فقط ثم يقشعر بدنك .. الوداع واشنطن .. الوداع .. ثم تبكي وتذرف الدموع وتخرج منديلك لتمسح دموعك .. ثم تتسائل .. ماذا استفاد الروس ؟ .. ظنّوا وظننا أنهم أنهوا الموقف ... لكن لم يكن الأمر كذلك .. بعد أسبوع من إحراق نصف الولايات المتحدة ظهرت حركة .. علمنا عندها أن الرتل التاسع كان يبني مشروع القبة كمشروعنا .. رأينا من الوادي ضوئين ينطلقان في السماء .. ثم استيقظت روسيا في جهنم .. قنبلتين من مشروع "الحطام" جعلت نصف روسيا رماد .. وبدأ التخبّط يعم العالم الحائر .. انضمت الصين وإيران وكوريا والعديد من الدول في الحلف البارد (روسيا) , بينما انضم الحلفاء للحلف الحار (أمريكا) .. لطالما كانوا يتباهون بمنظمة "أمن الكوكب" في حل الأزمات .. لكنها الآن احترقت وكذلك احترقت العقول وحل الجنون فقط .. 


كنّا نتابع إذاعة القمر التي تبث من المحطة الفضائية , لكنها فجأة سكتت .. علمنا فورا أن الأقمار الصناعية سقطت من السماء وبدأت أصرخ على الجميع برعب ..

 - لقد بدأت المحرقة , لقد بدأت !! ..

 أمضيت نهاري كشاب أحاول تهدئة النساء والأطفال وأوقف بكائهم .. ثم بدأنا ندعوا الله بصوت عال جدا ونعلوا أكثر فأكثر .. شعرنا أن الأرض تهتز , سمعنا صوت صفير في السماء .. ثم وابل من الصواريخ يحطم الأرض ... ثم يسألني أخي .. 

- هل الدرع يتحمل هذا ؟ .. 

طلبت منه أن يسكت ولا يثير الهلع .. ألح علي أن الوقت حان لتشغيل السفينة .. لكن لا وقت ولا فرصة ولا مجال للتحرك ولن تنجوا السفينة إن خرجت من مخبأها .. كان أشبه بنهاية العالم ..


- الطلائع


بعدما استنزفت الحرب كل شيء .. نفذت الأهداف إلا هدف واحد , كان بقعة أرض استمرت الصواريخ بالإنهمار عليها وكأن لا جدوى منها .. من بعيد ننظر ونرى نار حمراء تحرق كل شيء .. أخبرني أخي أن الأوان قد حان لتشغيل السفينة .. لكني قلت له .. 

- ليس بهذه السهولة نترك الأرض , من أجلها ناضلنا وعندي إيمان بأن نضالنا لن يذهب هدرا .. بدلا من السفينة أطلق جيش الطلائع .

.. في ذلك اليوم العصيب بقينا داخل الدرع بينما في الخارج كانت آلاتنا تعمل .. تنظف الأرض وتوقف الصواريخ وتنقل لنا الصور وتمهد طريق رحيلنا .. سارت عميقا حتى وسط واشنطن .. ونحن نراقب بتلهف حتى رأينا المكان الذي استمرت الصواريخ باستهدافه .. كان معزولا عن التسمم .. لقد نجى .. لذا لبسنا بذلات وآلات تنفس وانطلق فريقنا لنبحث إن بقي أحدا حيا في ذلك المكان ..


- البيت الأبيض



كأننا في كوكب يلامس الشمس .. الرماد لا يعقل , ولن يصدق أحد أن حضارة كانت هنا .. وصلنا مبنى البيت الأبيض الناجي الوحيد في الولايات المتحدة بعد "بيت العجوز" , لم نجد رجالات الحكومة ولا الرتل التاسع ولا حتى الرئيس نفسه .. كان هناك ثلاثة رجال لديهم لحى كبيرة .. أخبرونا أنهم حكماء وجاؤوا يبحثون عن المخلص , أوصافه نادرة .. من سيحرر الأرض , وسألونا عن السبيل إلى أرض العرب .. ثم أخبرونا عن مكانين ناجيين من المحرقة .. كانا المدينة المنورة والقدس .. تسائلنا إن كانت هناك قبة أو درع .. قالوا لنا أن الله لا يحتاج ليصنع درع .. الأرض خلقت للخير والآن ستعود للخير .. كان ذلك الوقت المناسب لتشغيل السفينة لنرحل إلى أرض العرب .. قبل أن نرحل طلب مني أحد الرجال الحكماء أن أنظر للبيت الأبيض .. رأيته يتداعى , بل يتبخر .. فأدركت أن "بيت العجوز" قد تبخر أيضا .. قال لي الرجل .. 

- هل حلمت بالأرض الأبدية ؟ 

قلت له..

- نعم ..

قال ..

- أنت ذاهب إليها , ستمكث بقرب المكعبة , فالأرض ستعود بخير فهي مريضة الآن .. مريضة جدا ..

 تبسمت وبدأت أتخيل , لطالما سمعت في التلفاز عن قرارات تصدر من البيت الأبيض .. لطالما تخفت الحكومة تحت منظمة "أمن الكوكب" , لطالما أقلقت استقرار بلدان في أرض العرب .. كان الجميع يتغنى بالبيت الأبيض .. ظننته نقي كلونه , لكن الألوان خدّاعة .. وانهارت أحلام التسلط والخلود والمجد .. كانوا يسيرون إلى الضلالة وكنا قلة نحاول الإصلاح , لكننا بقينا وهم ذهبوا .. لطالما آمنا أن الأرض لنا وخلقت لنا وستظل لنا ونحن أبناءها .. أقسمت حينها أن أزرع كل الكوكب عندما يشفى , ثم أن أجعل الجميع يبتسم .. وستكون ولادة جديدة ..


- النجـــــــــــــاة


حطّت سفينتنا بقرب المكعبة في المدينة المنورة , كان منظرا مبهرا .. موسم الحج حينها , يطوف الآلاف ممن نجوا يحمدون الله , وأنا أبتسم بمليء قلبي , أقبل الجميع علينا يعانقنا وتذكرت أبي وبكيت لوحدي , كانت فكرة موته لا تفارقني .. ثم من بين الجموع سمعت من ينادي باسمي فطرت إليه فرحا وشعرت بخفة في جسمي تحملني فكان هو .. أبي , عانقته بدموعي وقلبي .. أخذنا الناس معنا في السفينة ثم رحلنا إلى البلد الحزين .. إلى القدس , سمعنا صوت الآذان يصدح واستقبلنا القوم هناك الذين عانوا طوال حياتهم بسبب فساد عقول العالم وطمعه .. ثم من بين جموعهم رأينا المخلص صاحب الوجه الأبيض الذي حرر القدس .. حملناهم جميعا إلى الفضاء لنحيا في مشروع اسكان المريخ حتى تصلح الأرض ..


أقمنا هناك طويلا ونحن نرقب الأرض تسترد لونها الأزرق رويدا رويدا .. ثم أصبحت كالجوهرة في صباح أبيض عكست نورها على عيوننا التي استفاقت متهللة وفرحة بالوطن .. ثم هبطنا على الأرض بدون تخطيط ولا تفكير ولكن اللهفة تدفعنا .. كان شعور رائع وهواء منعش والخضرة عادت .. أخذت شهيقا عميقا وأرحت نفسي وقلت قولتي الشهيرة .. "لا أصدق أن بإمكاننا الخروج من بيوتنا دون أن نضع آلات للتنفس" .. كانت ولادة جديدة ونهاية لحقبة الدمار والحرب , ستبقى حكاية مرعبة تروعى للصغار قبل النوم .. وستبقى أسوأ الذكريات وأتعسها .. عم الخير وعشنا بسعادة وعاد الكوكب للدوران من جديد , لكن ما تغيرهو أن اليوم أصبح 27 ساعة وأصبح لدي حقل أخضر جميل وآمنت أني في الأرض الأبدية , رفعت يدي عاليا وصرخت ..



أمجد ياسـيـن

28‏/8‏/2012

دورازين

لما تبكِ الآن , لم يحن الشتاء بعد والأرض شبعت من لحم أختك وبالأمس رحل آخر المعزّين .. اسكت , لطالما أقنعت نفسي أن أسكت , لا أدري لما يقولون أن الحياة ضيقة , فكل ليلة أرى عكس ذلك في النجوم ..

ليالٍ طوال يجلس على سطح بيته المتداعي يحمل قلما وأوراق وعلبة حبر .. على ضوء السراج يرسم ما يراه في السماء .. نقاط .. الكثير من النقاط , ثم يحمل نفسه إلى غرفته الصغيرة ويكتب أسراره .. " لا بد أن تكون هناك نقطة من بين كل تلك النقاط العديدة في السماء مميزة في شيء ما .. ها هي , لقد وجدتها .. لا بد أنها سعيدة , هل تحلم ؟ هل تنتظرني كي أرسمها ؟ .. لك ذلك أيتها النجمة , لكن لم تخبريني ما اسمك , ما رأيك أن أطلق عليك اسما ؟ سأفكر ! ." .


كالعادة وما أسوأ العادة .. يذهب بتثاقل إلى عمله , إنه يعمل عند حداد يشبه السفاحين .. بالكاد يوفر قوت يومه فلديه أب عجوز , كانت الرياح قوية على غير عادة فأحدثت فوضى في شعره , لم يتبق هناك زيت زيتون ليصفف به شعره , المسكين جلب ورقة الأمس ليكمل كتابتها في فراغه , يسرق الوقت سرقة من ذلك السفاح الضخم ... مضى نصف اليوم وحان وقت الإستراحة , جلس بين أكوام الخردة ليكتب , لكنه فجع عندما لم يعثر على ورقته .. إنها الرياح , تبا لها .. اسكت يا غبي , لا تسب الرياح .. ستلقي بك إلى البالوعة .. أساطير قديمة .. عاد في آخر النهار وهو يقنع نفسه بأنه سيعيد رسم النجوم من جديد .. لكن ماذا لو تحركت من مكانها .. غير معقول !! .


ليلة جديدة بدون سراج يرسم النجوم .. ذهل فعلا عندما رآى النجمة قد غيرت موقعها .. ماذا تكون ؟ كوكب أم مذنب .. على كل حال هي جميلة جدا .. "الرياح سرقت ورقتي وتركتني حائرا .. نجمتي زرقاء وتتحرك وما زلت لا أدري ما الإسم المناسب لها .. لا بأس , سأركز في المرة القادمة" .


صباح جديد وبدأ بطرق الباب , كان مسرورا لأن بابه يطرق ..
- من أنت ؟
- أنا (ليلي) سيدي .
أخذ يضحك ..
- هل تكلميني أنا , أنا سيد ؟
- نعم أنت , بالأمس صباحا لمحت ورقة تطير منك وقد التقطتها ولم أتمكن من اللحاق بك .. أنا آسفة , لقد اضطلعت عليها وأعجبت بما تفعله وترسمه .. ألست عالم فلك ؟ .
قال بسخرية ..
- بل عامل في الخردة , على كل حال شكرا جزيلا لك وأقدر لك ذلك .
قبل أن تهم بالذهاب قالت له ..
- سميها (دورازين) سيدي !
قال ..
- من تلك ؟
قالت ..
- النجمة ! .
ابتسم لها وكأن فكرة عظيمة راودته .. أغلق الباب وهو يحدق في لا شيء , ثم فجأة فتح الباب وركض خلفها وهو ينادي ..
- لحظة .. لحظة , عذرا ولكن لما (دورازين) بالذات ؟! 
قالت بحزن ..
- تلك ابنتي قد ماتت وكلي إيمان أنها في السماء .
أشار بيده إلى السماء ..
- هي يا سيدتي , تلك النجمة هي (دورازين) .. آمنت أنها نجمة حية , ربما أكون الشخص الثاني في العالم الذي يهتم بها .. 

 (ليلي) كان اسم أمي يوما .


صوت ينذر بضياع الحلم ..
- بني , بني , (ديلي) .. انهض هيا ..
ثم يحدث اهتزاز ..
- أبي , ما بك ؟
- هيا بني انهض , أنت لم ترسم السماء هذه الليلة .
- حقا , لقد غفوت على غير عادة , هل تهتم برسمي يا أبي .. هذه المرة الأولى التي أراك فيها مهتما ..
قال ..
- نعم أهتم , أنت ترسم وجه السماء , وهل هناك أجمل من السماء .. طوال سنيني مع أمك كنت أخبرها أنها تشبه السماء , كان يعجبني اسمها , (ليلي) .. ظنت في باديء الأمر أن أختك قد ماتت , ومن حزنها الشديد ماتت بعد فترة , لكنا عثرنا على أختك من ضياع الحرب وماتت هي الأخرى بسبب الحمى الشديدة , لقد فقدتهما ولا أريد أن أفقدك ..
- أختي (سارة) , تصدق أبي أني أبكي لهذا اليوم على فراقها , لقد كانت أختا رائعة جدا ..
- أريد أن أقول لك شيئا بني لم أشأ أن أخبرك إياه من قبل .. أختك رحمها الله لم يكن اسمها (سارة) حقا , اسمها الحقيقي هو (دورازين) , أمها اختارته لها وأخفيناه بسبب الحرب ..
ذهب الأب وترك إبنه مذهولا بشدة .. لا تعقل تلك المصادفة , غير ممكن ..
- أبي , أبي .. أنت تمزح أليس كذلك ؟! .
- ما بك بني , أمزح وفي هذا العمر , وهل أخبرتك شيء يحتاج المزاح ؟! ..


ذهب إلى السطح تحت النجوم , نجمته آخذة بالتحرك وتقترب من "بنات نعش الكبرى" .. يرسم تارة ويفكر تارة أخرى .. لا بد أن أبي بدأ يهذي , لكن لما هذا الهذيان بالذات ؟؟! .. "تتحرك كثيرا وهي على وشك الوصول إلى بنات نعش , ما زال أمامها وقت , لا يمكن للمذنب أن يأكلها لأنها أكبر منه .. الشيء الغريب الذي أعرفه أن النجوم لا تتحرك أبدا .." .


 صباح يوم جديد .. في طريقه للعمل تعمد أن يلقي ورقة كانت في يده مع الرياح .. كانت رسالة وكانت تقول .. "أريد أن أقابلك" ... عند العصر طرق بابه وكانت هي , كأنها ظله , تراقبه , تتبع أوراقه المتساقطة , تظنه الخريف ..
قالت له ..
- سيدي , لقد سقطت منك هذه الورقة مجددا وقد قرأتها , أنا آسفة ..
قال لها ..
- عذرا , ولكن من أنت ؟!
قالت بتعجب ..
- أنا (ليلي) .. ألم تعرفني ..
طلب منها أن تنتظره لحظة بينما يجلب والده .. لكن العجب أن والده كان غير موجود , وهذا غير معتادا منه ..
سألها بحيرة واستغراب ..
- نحن في أي عام الآن ؟!
قالت ..
- نحن في عام 1831 , لما تسأل ؟!
- يا إلهي ! لا يعقل .. هلّا تجلسين من فضلك .. أخبريني عن (دورازين) .. حياتها وكيف ماتت ووالدها ..
بدأت تروي قصتها بشغف وكأن فرصة ثمينة فتحت لها ..
- (دورازين) فتاتي الصغيرة والوحيدة لديها خمسة سنين , سيرزقني الله بطفل ذكر قريبا .. لكن لا يمكنني نسيان (دورازين) أبدا ..
أخذت تبكي بحرقة .. عمل على تهدئتها وأكملت ..
- عندما اندلعت الحرب مع روسيا شرد السكان وعمت الفوضى والخوف نتيجة القصف .. لم يكن لدينا ملجأ وبقينا في العراء وفي الثلج .. ضاعت طفلتي مني بين الجموع , في تلك اللحظة تم قصفنا بالمدافع وسقطت قذيفة قريبة منا .. مات الكثيرون ومن بينهم طفلتي ..
قاطعها ..
- ولكن كيف تأكدتي من وفاتها .. هل رأيتها ؟! ..
قالت ..
- لا , ولكن أغلب من ماتوا كانوا أطفال ومتأكدة أن (دورازين) كانت بينهم ..
قاطعها بلهفة وصراخ تقشعر منه الأبدان ..
- لم تمت يا سيدتي .. لم تمت , أمهليني وقتا حتى أجدها ..


مضت الأيام طويلا .. لكنه عاد يحمل أخته التي تكبره سنا , ولكنها أصغر منه بكثير .. يطرق باب (ليلي) وهو يبكي ..
- سيدتي , ألم أخبرك أنها لم تمت .. كنت متأكدا ..
حضنتها وقبلتها في مشهد محزن ومبكي حتى للصخور .. يا للروعة ويا لغرابة ما يجري , أظنني في حلم غريب , لكنني أحيا في الواقع بدون تفاصيله .. عندما انتهى المشهد وهدأت المشاعر طلب أن يرى زوجها .. ذهبت وعادت وأخبرته أنه غير موجود .. بحذر سألها عن اسمه .. قالت ..
- إسمه (آدم) ..
عندها سقط (ديلي) مغشيا عليه من هول ما يحدث ... استفاق في الليل , رآى حوله ضوء سراج وفوقه سماء صافية مليئة بالنجوم .. فجأة لمح نجمته مما جعله يقفز عن سريره .. جاءته (ليلي) تحمل ابنتها وتشكره جزيلا وأنها لن تنسى معروفه معها .. لم يجييها لما أغمي عليه ذلك النهار .. تجول قليلا في منزلها والغريب أنه مشابه لمنزله تماما .. دفعه الفضول لدخول غرفة تشبه غرفته فعثر على أوراق ورسومات للنجوم .. تفقدها فكانت آخر رسمة غير مكتملها ويبدوا أن من رسمها كان مهتما بنجمة معينة .. قرأ من مذكراته .. "النجمة تبقى نجمة ولن أحيا حتى أراها تموت , مسيرتها تقودها إلى التطور .. وستنشأ منها حياة جديدة".. سقطت الأوراق من يده وغط في نوم عميق ..

"أنت عالق في الزمن , يمكنك تغييره , يمكنه لمسه , فأنت لم تأت بعد , والدور عليك وتدور الدائرة , ألم تسمع برياح الزمن , تأخذ أوراقك بعيدا جدا , فتدور الأرض ملايين الدورات إلى الوراء .. ثم تستفيق فتجد نفسك في الواقع تحيا , فتتغير القصص الثابتة عن الماضي , عندها ستحتاج لبحر من الحبر وغابة من الأقلام .. وستمض حياتك تكتب .."

- (ديلي) بني , استفيق .. هناك شيء يحدث في السماء .. !
"استفقت عن نفس السرير وكانت نجمتي تشع بلون أزرق وقد استقرت في مكانها الملائم .. التي أصبحت منارة في السماء تهدي الضائعين في الظلام والتيه .." سقط القلم من يده وغط في نوم عميق ..

- أبي .. استفيق , هناك شيء يحدث في السماء ..
"كانت الأخبار تبث الحدث الكوني العظيم .. نجمتي (دورازين) تحولت إلى مجرة في السماء .. وربما يكون فيها حياة .." .. يتمنى في كل مرة أن تسقط الأوراق من يده , لكنها لا تفعل أبدا .. من رحلوا يصبحون نجمة في السماء وسيولدون من جديد .


أمجــــد ياسين   

 
كافة الحقوق محفوظة للكاتب © 2021